الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ

حصن الهويّة الثقافيّة

حصن الهويّة الثقافيّة
الخميس 28 صفر 1429 الموافق 06 مارس 2008
 
حصن الهويّة الثقافيّة

وليد الهويريني

جاء الإسلام ليكون للمسلمين منهج حياة؛ فهو دين ينطلق من قواعد وثوابت في نظرته لكافة الجوانب، بالإضافة لارتكازه على قواعد كلية، ومقاصد عامة، ودائرة واسعة من "المباح" مكّنت هذا الدين العظيم من المواءمة بين قواعده وكلياته و تغيرات الأزمنة، وتبدّلات العصور، والمسلم تبعاً لهذا المنهج العظيم في قراءته وتقييمه للحضارات والثقافات والأفكار لا ينفك عن الرؤية الشرعية الواعية المنبثقة من شريعة الإسلام الغرّاء؛ فهي شريعة ترتكز على وحي معصوم، ونظرة شمولية تزاوج بين بصيرة الوحي، وأرقى معايير العدل والإنصاف في التعامل مع الحضارات الأخرى، بالإضافة لفضاء رحب يدفع باتجاه الاستفادة من كافة المنجزات البشرية فيما لا يمس ثابتًا.
وهذه الرؤية الشرعية الواعية تكوّن لدى المسلم ما يمكن أن نسميه "الهُوِيّة الثقافيّة" التي تشكّل حصناً متيناً تتحطم على أسواره قذائف الشبهات الفكرية التي اتخذت من وسائل الإعلام المتنوعة "منصات فكرية" تضرب بها ثوابت هذه الأمة وثقافتها، وهذا الحصن المنيع يحتوي في بعض أركانه على قنوات محددة تدلف من خلال كافة الأفكار والمنجزات الإنسانية النافعة.
لقد أخذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكرة حفر الخندق وهي فكرة عسكرية فارسية، وأخذ الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ نظام الدواوين والخراج من الحضارتين الرومانية والفارسية، وهذه الشواهد ـ وغيرها ـ تؤكد أن الإسلام جاء ليستفيد من المنجز البشري الذي تراكم من الحضارات الأخرى ـ فيما لا يمس ثوابته وأصوله التي قام عليها ـ، ولهذا لما قدم معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ من الشام ولقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سجد له سجود التحية، فقال له النبي: ما هذا يا معاذ؟! قال معاذ: يا رسول الله، أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "فلا تفعلوا؛ فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".

إن هذا التقليد القادم من الآخرين لم يكن مقبولاً في شريعة الإسلام مهما ظنه بعض الناس فعلاً ترحيبياً بريئاً إذا حسن قصد فاعله، ولكن هذا التقليد اصطدم بثوابت شرعية تتعلق بتوحيد الله، وإفراد الله ـ تعالى ـ بكل صور العبادة والتي منها السجود، وهذا المعيار الدقيق في التفريق بين ما يمكن قبوله من نتاج الآخرين وما لا يمكن قبوله لا يكون إلاّ لمن امتلك "هوية ثقافية" واعية، وعلماً شرعياً مستمداً من دلائل الكتاب والسنة.
ومن مزايا هذه "الهُويّة الثقافيّة" للمسلم أنها تُجنّبه الانغماس في التقييم المادي لمن حوله، تبعاً للخطاب الإعلامي السائد ذي الخصائص الغربية، كما أنها تدق جرس الإنذار في داخله ليلتفت إلى المعيار الرباني في تقييمه وقراءته للأشياء، ولهذا عندما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة ـ رضي الله عنهما ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شاهدنه في كنيسة يُقال لها (مارية) في الحبشة، وذكرن حسن بنائها وما فيها من التصاوير، قال عليه السلام: "أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنَوْا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". فأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنظور الشرعي الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم حال مشاهدته لتلك التماثيل والكنائس.

عندما يشعر المسلم بهويته الثقافية الأصيلة، وتملأ عليه جوانحه، يصبح حكمه على ما حوله حريصاً على انتقاء كل الشواهد والصور التي تعززها وتؤكدها، بعيداً عن النظرة القريبة القاصرة التي تمعن في هجاء واقع المسلمين بما يفضي لتضعضع هذه الهوية، وإلقاء ظلال من الهزيمة النفسية في النفوس، فعندما رجعت مهاجرة الحبشة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ في عام الفتح قال المصطفى ـ عليه الصلاة و السلام ـ: ألا تحدّثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس إذْ مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل قلة ماء على رأسها، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى كفيه في ظهرها فدفعها على الأرض فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت - أي قامت - التفتت إلى هذا الفتى، وقالت: "سوف تعلم يا غُدر إذا وضع الله الكرسي، و جمع الأولين والآخرين، و تكلمت الأيدي و الأرجل سوف تعلم أمري و أمرك عنده غداً". فقال المصطفى: "صدقت!! كيف يقدس الله أمة لا يُؤخذ لضعيفهم من شديدهم".

لقد حمل هذا الجيل المبارك هويته الثقافية معه، وهو القادم من بلده الذي شاع فيه الاضطهاد والاستبداد إلى أرض نصرانية توجد فيها قيم العدل والإنصاف، فما وجدوا من صورة لفتت انتباههم، يخبرون بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلاّ صورة تلك المرأة المظلومة التي أُسقطت على الأرض، وانكسرت جرتها ظلماً وعدواناً، فتوعدت من اعتدى عليها بيوم القيامة الذي سيقتصّ الله فيه من الظالمين، وقد اختار الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ من مهاجرة الحبشة هذا الموقف؛ لأنه تضمن الإشارة لعقيدة إسلامية ملأت جوانح ذلك الجيل الفريد، وهي عقيدة "الإيمان باليوم الآخر".

أذكر أني لقيت شاباً مثقفاً غيوراً، فألقى عليّ شبهة عجبت أن تشكل على أمثاله وخلاصتها: لماذا يرفض المسلمون وجود هيئات تنصيرية في بلدانهم، وهم يقومون بالدعوة لدينهم في بلاد غير المسلمين؟!

ومصدر تعجبي أن مثل هذا الاستشكال لا يطرحه أو يتبناه إلاّ من تشرب الخطاب الإعلامي العربي السائد الذي لا يتعامل مع الأديان من منظور "الحق والباطل" أو "الصواب والخطأ" , ولا ينظر للدين الإسلامي على أنه منهج متكامل للحياة، بل ينظر للأديان والثقافات "على أحسن الأحوال" بمنظار واحد، وهو أنها مجرد "طقوس روحية" أو"أفكار أيدلوجية" يحق لأصحابها التعبير عن أفكارهم والترويج لها من باب "حرية الفكر وحرية التعبير".

ولاشك أن هذا التشرب لم يكن مقصوداً من أصحابه، ولكنه جاء كنتيجة طبعية لغياب الحصانة والهوية الثقافية للمسلم مع هذا الطوفان الإعلامي والثقافي الذي دهم المسلمين في مجتمعاتهم, وإلّا فكيف يستشكل مسلم هذه الدعاوى، وقد آمن بأن دين الإسلام جاء ناسخاً لكل الأديان السابقة (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [آل عمران:85], وأن كل من دان بغير دين الإسلام فهو على ضلال. "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار". وبأن دعاة الإسلام في دعوتهم لهذا الدين يستهدفون نقل العباد من جحيم الشك وظلام الشرك إلى برد اليقين ونور التوحيد...

قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ).

إن عدداً غير قليل من الشبهات والأمراض الفكرية التي تسلّلت إلى صدور بعض شبابنا جاء كنتيجة متوقعه لغياب الهوية الثقافية الأصيلة، وهو الأمر الذي أدى لتلقف الكثير من المفاهيم, والتصورات, دون تمحيص أو تدقيق.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- sha.sasa   |  
مساءً 08:14:00 2010/03/24
ان مجتمعنا الحالى والتدهورات والحالة السيئة الذى اصبح فية فهى نتاج من عدم الثقافة والبعد عن الدين والميل الى التطرف والانحلال عن ما هو واقعى ومسموح

2- www_sss650   |  
مساءً 10:19:00 2010/03/24
الناس تتعطش للعلم الذى يكشف شخصياتهم ويشخص سلوكياتهم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم