الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
القيم الضامنة
الخميس 02 ذو الحجة 1430 الموافق 19 نوفمبر 2009
 
القيم الضامنة

د. عبد الكريم بكار

يشهد العديد من البلدان الإسلامية في هذه الأيام الكثير من الانشقاق والاقتتال الاجتماعي، ويشهد كثير منها نوعاً من الضعف في الأواصر التي تمنح مجتمعاتها التماسك والتلاحم، والحقيقة أن كثيراً من المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية لا تستحق اسم (مجتمع) بل هي عبارة عن حشود من الناس الذين جمعتهم الأقدار في مكان واحد، وذلك لافتقارهم إلى القيم والمعاني التي تجعل منهم بنية بشرية متميزة ومتمايزة عن غيرها، وحين تساءلت عما يشكل فارقاً بين (المجتمع) و(حشد الأجساد) أو بين (المجتمع) و(السكان) وجدت أن لدينا خمس قيم جوهرية يضمن توفرُها لأي تجمع بشري الفوزَ بلقب مجتمع عن جدارة، وهذه القيم إسلامية وكونية في آن واحد، ويمكنني تسليط الضوء عليها بإيجاز شديد، وذلك عبر المفردات الآتية:

1ـ الثقة

تعني الثقة على الصعيد الاجتماعي وجود قدر جيد من اطمئنان الناس بعضهم لبعض في معاملاتهم اليومية. إنهم يشعرون بوجود قدر من المصداقية لدى أكثرهم، ويشعرون بأن الخداع محدود الانتشار، والحقيقة أن الثقة جزء عزيز من رأسمالنا الاجتماعي، وعنصر أساسي في التنمية وفي العيش الهانئ. الثقة هي ناتج  تعامل الناس الجيدين مع بعضهم، وكلما لمسوا على نحو واضح وجود النوايا الطيبة والصدق والاستقامة والالتزام بالمواثيق والنظم السارية ارتفع مستوى الثقة السائدة بينهم و العكس صحيح.

2ـ العدل:

لا يستطيع أي وطن أن يجعل من نفسه محوراً يدور أبناؤه في فلكه، ويفخرون بالانتماء إليه من غير توفر حد معقول من العدل، والحرص على أن يأخذ كل ذي حق حقه. إن الظلم ليس ذا عاقبة سيئة فحسب!! إنه في حد ذاته إفساد في الأرض، وهو قادر دائماً على أن يفتح أمام الشيطان كل الأبواب ليوسوس للمظلوم بكل أشكال الشرور, وإن التاريخ ليشهد بأنه حين يشيع الظلم لا يبقى شيء مقدَّس يمكن أن يتورع المظلوم عن ممارسته، حتى التآمر على الوطن.

أبسط صور العدل: هو العدل بين الأفراد، وهناك العدل بين المناطق، والعدل بين الأجيال، فلا يصح تركيز التنمية في منطقة، وترك الفتات لمنطقة أخرى، كما لا يصح لجيل أن يتمتع بخيرات الوطن، ويترك للأجيال التي بعده القشور والسموم والتلوث.

3 ـ الموضوعية:

لا يخلو مجتمع من مشكلات ومن كل الأنواع وعلى كل المستويات، وإن الناس في حاجة دائمة إلى أن يفهموا مشكلات بلادهم بأعلى قدر ممكن من الموضوعية والواقعية؛ فهذا يريحهم من جهة، ويدفعهم إلى التفاعل مع الحلول المقترحة لتلك المشكلات من جهة أخرى، وإن من مسؤولية الإعلام والإعلاميين العمل على تصوير تلك المشكلات بالدقة والنزاهة المطلوبة, ولاسيما عند الحديث عن جذور مشكلات البلاد وأسبابها, وما لم يتم ذلك فإن قسماً من الناس – على الأقل- سيشعرون أن الإعلام يتاجر بمشكلاتهم ومآسيهم, وهذا ينزع من النفوس الثقة بكل ما يُقال لهم, مما يجعلهم يُعرضون عن الانخراط في أي مشروعات وطنية ذات بُعد إصلاحي ونهضوي.

4- الاحترام المتبادل:

احترام الإنسان للآخرين، هو فرع عن احترامه لذاته, ولهذا فإن الواحد منا حين يتلقى إساءة من شخصٍ ما يقول له: احترمْ نفسك؛ لأنه حين يحترم نفسه، فإنه يحترم غيره, لكن الناس من وجه آخر لا يحترمون أنفسهم إذا لم يعاملهم الآخرون باحترام.

والحقيقة أن لدينا الكثير من المشكلات التي لا يمكن حلها عن طريق القضاء أو الوعظ, وإنما يحلها الاحترام المتبادل, وإن من طبيعة الأشخاص المحترمين جداً أنهم يمنحون الاحترام لمن يستحقه ولمن لا يستحقه. احترام الآخرين يشتمل على احترام آرائهم وميولهم ورغباتهم, مادامت في إطار المباح والمشروع.

5- الولاء:

هو الثمرة التي نقطفها من وراء وجود القيم الأربع السابقة. إن الوطنية في معناها العميق هي الشعور بشرف إلى الانتماء إلى الوطن، وحين يكون هذا الشعور واضحاً وقوياً فإنه يبعث صاحبه على التضحية من أجل بلاده، ويدفعه إلى المساهمة في رفعتها بشتى الوسائل، وحين يُفقد تصبح الوطنية عبارة عن بوابة لاقتناص الفرص والمكاسب. وقد قال أحدهم مرة: لماذا أدافع عن وطن لم يشبعني من جوع، ولم يؤمِّني من خوف؟!

حين ترى تفكك مجتمع، فإنك لن نستطيع استعادة ما فقده من تماسك من غير التخلص من الأسباب التي أدت إلى حدوث ذلك التفكك، وهذا يضعنا في مواجهة أنفسنا ومواجهة الحقيقة، ومن هنا تكون بداية الإصلاح..

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- عبدالله   |  
مساءً 01:10:00 2009/11/19
انت أعظم مفكر على وجه الأرض

2- أبو عبد الرحمن   |  
مساءً 06:41:00 2009/11/19
شكراً لك يا دكتور، ومتابعون لكتاباتك بشغف.

3- أم زياد العتيبي   |  
مساءً 09:39:00 2009/11/19
في زمن آبائنا حيث الحياة الصعبة والمشقة في سبيل الحصول على لقمة العيش لضيق اليد وشدة الفاقة وقلة الموارد إلا أنك حين تسأل أحدهم عن الحياة قديما كيف كانت ؟وعن العيد كيف كان؟ تجده بدون تردد وهو يخرج تنهيدته يتحدث عن جمال تلك الحياة وبساطة اهلها وطيبتهم وشيمتهم ومروءتهم وتكاتفهم وحرصهم على الأمانة والعدل مع بعضهم دون عقود ومواثيق حيث كان للكلمة أعتبارها واحترامها.. وسيحدثك بكل ثقة عن صدق ولائهم لدينهم وأهلهم وأرضهم وستلمس من حديثه مدى احترام الناس لبعضها ومسارعتها للعفو عمن أساءاليها دون مزايدة أو مقابل كالمقابل الذي يطلبه الناس اليوم بالملايين .وحتما سيجول في خاطرك هذا السؤال: هل تبدلت الأرض أم الناس ؟ هل بدل الزمان الناس أم هي النفوس التي استبدلت القيم السامية بما هو دون ودنيئ فانتكست فطرتها فلم يعد إنسان اليوم يملك وينعم بالسواء النفسي الذي نعم به آبائنا وأجدادنا.

4- Atheelah Alotaibi   |  
مساءً 11:09:00 2009/11/19
كلام جميل د . عبد الكريم بكار وأهم هذه القيم وأعلاها العدل التي إن حصلت حصل ما بعدها ، وهي القيمة المطلقة الوحيدة فيما يٌذكر ... شكراً جزيلا .

5- سعد   |  
ًصباحا 11:24:00 2009/11/20
دكتورنا الفاضل أحسنت و أجدت..نفع الله بك و أجزل لك العطاء وفعلا العدل و الولاء رديفان، ولذلك تجد المهاجرين العرب الى الغرب يشعرون بالانتماء و الولاء الى الدول التي تستقبلهم لما يجدونه من عدل افتقدوه في أوطانهم. شكر الله لك ياد. بكار

6- ابوسليمان التبوكي   |  
مساءً 02:53:00 2009/11/20
السلا عليكم الحقيقة قل المبدعون امثال هذا الرجل وليت كتاياته تكون مفهومة للعامة (بارك الله لك فبما كتبت وماتريد ان تكتب)

7- رمضان العس   |  
مساءً 10:19:00 2009/11/20
حقا ان هذه العناصر الخمسة هي اساس قيام مجتمع سليم متكامل اذا تحققت على اكمل وجه

8- بسيط   |  
ًصباحا 08:11:00 2009/11/21
السلام عليكم ورحمة الله بصراحه كنت اتابع المقالات الموقعه باسم الدكتور عبدالكريم بكار وايضا كنت استقبل مقتطفات من كلام الدكتور عبدالكريم على جوال الاسلام اليوم وكانت مثار اعجابي وتقديري وانبهاري.. وكم كنت اتمنى ان اشاهد الشيخ في احد البرامج... الغريب في الامر اني لما رايت صورة الدكتور هنا تذكرت اني رايته عدة مرات على الشاشه لكن في كل تلك المرات لم اكن متفرغ لمتابعة البرنامج((اما ا اكون في مناسبه عند اقاربي او ماشابه ذلك )) ففي هذه الحالات لا احد يتابع مافي الشاشه ولو اني كنت اعلم ان ذاك هو الدكتور عبدالكريم لآثرته على حديث اقاربي ولاثنيت عليه لادلهم على شخص ليس كلاخرين...اسأل الله ان يكثر من امثال الدكتور عبد الكريم بكار فنحن بأمس الحاجه لامثاله

9- shjoon   |  
ًصباحا 09:54:00 2009/11/21
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , بارك الله فيك وزادك علما.. اعتقد الناس بحاجة ماسة لمن يذكرهم بتلك القيم التي ربما تناسوها او نسوها.

10- ابو ساره   |  
ًصباحا 11:41:00 2009/11/21
شكرا لك دكتورنا الفاضل على هذا السمو في الطرح وكنت اتمنى تدعيم المقال بالشواهد من تاريخناالاسلامي وواقع كثير من الامم الحاضرة ممن يطبق هذه القيم

11- السلام عليكم   |  
مساءً 01:58:00 2009/11/21
نظرا لكثرة متابعي كتابات الدكتور بكار، أقترح وضع صفحة تحوي المقالات التي كتبها في موقع الإسلام اليوم ليسهل الوصول لها وقراءتها ويكون اسم الدكتور في أول المقال منضوياً على رابط ينقل إلى الصفحة. بالنسبة لمن يريد متابعة الدكتور من موقعه الخاص فهذا هو الرابط: www.drbakkar.com

12- سعيد بن سعد القرني   |  
مساءً 02:44:00 2009/11/21
لك الله يادكتور...مقال في الصميم اعيش في بريطانيا منذ عام واتذكر دوما مقولتك:(روح الحضارة انثى).. وامتع نفسي بهذه القيم التي اشاهدها بل اعيشها خاصة الثقة واتذكر عبارة (جب مايثبت صدق كلامك) ولاتنسى الختم... فتتملكني الغصة في حلقي الان عرفت الفرق بين المجتمع و حشد الاجساد

13- أكرم فقيه   |  
مساءً 04:09:00 2009/11/21
مقال رائع جداً .. فعلاً هذه القيم الجوهرية مهمة جداً و علينا أن نسعى لها .. بارك الله فيك أستاذي الدكتور عبد الكريم بكار

14- ابو فهد   |  
مساءً 09:01:00 2009/11/21
نسأل الله أن ينفع بك يا دكتور . استغلها فرصه أن اسال الدكتور لماذا انخفضت اصداراتك الصوتية عبر الاشرطة السمعية وشكرا .

15- حنصالى عمر ..فيلسوف اكبر من مفكر اكبر   |  
مساءً 11:29:00 2009/11/21
عذرا استاذى الفاضل لم استطع قرائت المقال لفقدان التركيز..عقلى توقف تماما من هول مايحدث بين الاشقاء الجزائر ومصر لاكن اعدك اننى ساقرئه على موقع فضيلتكم ..واريد القول فقط للمعلق الاول الاخ والاستاذ عبد الله ان رده ليس بمنطقى والمثقف فى العادة لايعترف بحدوده ودائما ينضر لنفسه هو الاقوى والاعضم وهى صفة طبيعية لتميزه عن الاخرين ..والدكتور عبد الكريم يفرح حين تقول له اتحداك دكتور حينها يتيقن انه نجح ولم يضيع جهده وترك رجالا قادة لاارانب وخرفان وايضا نكون له سندا ونجنبه الغرور -مقبرة الابداع - كما يحصل فى مجتمعاتنا والعياذ بالله ..

16- محمد حوامدة ـ فلسطين   |  
ًصباحا 12:45:00 2009/11/22
هي قيم ضامنة وكفيلة بأن تنهض بالأمة إلى أرفع المستويات وأعلاها قدرا ، شكرا لك د.بكار ، فإني أرى فيك شعلة ناهضة بالأمة الإسلامية نهوض البنا والوهاب وغيرهم من مجددي العصر .

17- فتحى - مصر   |  
ًصباحا 12:59:00 2009/11/24
نفتقر فى قطرنا الحبيب لمن يفكر بموضوعية-أمثالك - لحل مشاكلنا ولكننا نفكر فيها بعنجهية فارغة

18- Mohammad Farooq   |  
ًصباحا 07:15:00 2009/11/24
Iam living in Australia (Melbourne). It's very good article. May Allah belss you Dr. Bakkar

19- سلمان مضيان   |  
ًصباحا 04:59:00 2009/11/25
فضيلة الدكتور عبدالكريم بكار أشكرك على هذا المقال الجيد في أسلوبه وعرضه وفكرته ، وعندي تعقيب أود أن تنظر فيه : إن هذه القيم التي ذكرتها لا شك أنها قيم مؤثرة في المجتمعات والأفراد ، ولكنها لن توجد هكذا من العدم ولن يحصلها الإنسان دون أن يكون لديه الدافع لتحصيلها ، وأعظم دافع في الوجود هو دافع العقيدة ، هذه العقيدة الإسلامية العظيمة المبنية على عبادة الله والاعتراف المطلق بألوهيته وربوبيته وما يستحقه من أسماء الكمال وصفات الحسن التي تدعو الإنسان المسلم أن يكون بطل الوجود إصلاحا وإعمارا للنفوس والمجتمعات والكون ومن كانت هذه حاله فلا بد أن يمتاز عن غيره بصفات تؤهله لبلوغ أمله والوصول إلى هدفه والقرآن الكريم والسنة النبوية مليئان بالدعوة إلى تمثل القيم التي تفرضها العقيدة على صاحبها ومن ذلك ما ذكرت ، فهذه القيم العظيمة التي ذكرتها هي مخرج من مخرجات العقيدة الإسلامية ،ولقد قاربت الديمقراطية - وهي عقيدة عند أهلها - العقيدة الإسلامية في بعض تصوراتها عن الإنسان والحياة ، فنشأت عندهم قيم تدفع الإنسان إلى الحرية والإنطلاق لإعمار الأرض ، وأعظم هذه القيم التي نشأت عندهم هي القيم التي ذكرتها وهذا مشاهد لا ينكر وإن شانت بعض الممارسات التي تدخلت فيها الأطماع والأهواء خاصة في مجال السياسة ... ويبقى الكمال لعقيدة الإسلام المشرقة الخالدة لأن وراءها عقيدة إلهية صافية ....وعندما تختل هذه العقيدة شعورا وتصورا يحدث الإضطراب في القيم وتصبح المخرجات مشوهة لدرجة لا يستطيع العقل تبريرها ، ولك أن تتأمل المجتمعات الإسلامية وما حدث من فتن بدأت في عصر الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - ولم تنته إلى يومنا لتعرف حقيقة الأمر ، كما أن المجتمعات الغربية قد حصل فيها اضطرابات ومشاكل وصلت إلى حد التحارب قبل أن تصل إلى مرحلة متقدمة من عقيدتها التي تدين بها ... ويجب أن يتنبه إلى أمر أن الإنتماء إلى العقيدة الإسلامية يجب أن يكون انتماء صادقا تنغمس فيه النفس المسلمة انغماسا كاملا تنخلع معه من ربقة الجاهلية كما فعل الصحابة الكرام ، فهم هم أشخاص لم يتغيروا ولكن الذي تغير هو عقيدتهم التي أثمرت لهم من القيم والرؤى والأفكار والأخلاق ما سادوا به العالم .... ... أمر أخير قيمة الولاء ليست ناتجة في نظري عن تلك الأمور الأربعة بل هي مخرج من مخرجات العقيدة مثلها مثل غيرها قد تتقاطع وتتشابك في بعض الصور ولكنها قيمة مخرجة كغيرها ... نفع الله بك وبفكرك

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم