الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
فلسفة المكان
الاثنين 06 ذو الحجة 1430 الموافق 23 نوفمبر 2009
 
فلسفة المكان

أروى البراهيم

مجبورون نحنُ على القيام بكثيرٍ من الأفعال دون رغبة ملحةٍ كانت أم غير ملحة! تمامًا كحين تدعونا الأماكن َ إليها، ولا نقوى إلاَّ أن نذعنَ لها ونسلّم أمرنا لدعوتها، فنجيءُ طوعًا وكرهًا.

اليوم كنتُ في مكانٍ ما، وصدقًًا أمقتُهُ ليسَ حدَّ الموت، ولكن إلى حدٍ يشبهه جدًا! ربما أبعدتني عنهُ الدروب فجهلتهُ، كجهلهِ هو بموطئ أقدامي! ببساطة اعتدنا أن نكره الجديد بكافة أشكالهِ وألوانه؛ لأننا بطبيعة الحال نتشبثُ -ولا نزال- عاطفيًا وفكريًا بما اعتدنا عليه، و نرى شيئًا منّا يُجتذب دون أدنى إرادة لإبطال مفعول المغناطيس الساكن فينا. كل الأشياء قابلة للعطل إلاّ المغناطيس. فهل بالإمكان إعمال مفعوله بطريقة راجعة؛ كي نحقق الفائدة الجليلة لنا منه، مادام أنه واقع لا يمكن محوه أو تجاهله أو إلغاؤه؟!

لنلقِ نظرة على ساحة الأحداث هذا اليوم، ولنقرأ في صفحاتها بعضَ العناوين التي تترجمها وجوه وأرواح من يعايشها عن قرب، واختر ماتشاء من فاكهة هذه الأحداث، ولنضرب على سبيل المثال (قضية الحوثيين وتسلّلهم إلى الحدود السعودية)، والنقطة التي أستهدف في هذه القضية هي: التغيير الواقع لا محالة وتبعاته الحتمية إثر الحدث. كيف يمكن لنا مواجهة هذا الحدث الجديد في أرضنا والتعايش مع حيثياته؟!

المغناطيس الذي ذكرته بدءًا يجذبنا إلى أشياء معدودة في حياتنا لا نرغب عنها بديلاً، ومن الممكن أن نجعلهُ يجذبنا إلى المستجدات والتحديات في حياتنا وبمحض إرادتنا .

عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- قال كلمةً شفيفة وفيها دلالة عظيمة على محور الهدف (تَحْدُثُ للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور)؛ بالطبع ثمّة علاقة بين قضايانا وبين توجه سلوك البشر، وآثار ونتائج ذلك السلوك هي القضايا التي في الميدان. فالطريقة إذن للاستفادة من ذلكم المغناطيس الجاذب هي بتكرار النظر منا إلى السلوك مؤثر القضايا؛ فالسلوكيات الخاطئة هي ما يجبهنا بقضايا تبدو لوهلة أنها معضلة ومستعصية على الحل، أو على أقل الأحوال هي قضايا لا يجب أبداً أن تكون، وتقويم السلوك لابد وأن يكون بمقاييس وقيم الحكمة؛ بمعنى عودتنا الحقة لمحكم الكتاب والسنة النبوية، وفهمنا وإيماننا يقينًا وتطبيقنا الوافي لما هدانا إليه ربنا من الحكمة.

هذه المراجعة لو لم تكن إلاّ لتجديد إيماننا بالحكمة لكفى ذلك لوجوبها وقدسيّتها. ويكفينا برهانًا على أن التجديد مفهوم إسلامي شامل وأصيل، على الرغم من عدم ذكرهِ بلفظهِ الصريح، إلاّ أن الإشارات إليه عديدة وجليّة لمن كان لهُ عقلُ وقلب، وعلى سبيل المثال لا الحصر يقول الله تعالى: (كنتم خيرَ أمةٍ أخرجت للناس). ويقول عزَّ شأنه: (اليوم أكملتُ لكم دينكم). فالأولى تحملُ إشارة الخيرية على جميع الأمم، والثانية تحمل إشارة الكمال، وكلامهما يعبران وغيرهما الكثير عن مفهوم التجديد وعدم الجمود في الفكر الإسلامي، وتبقى الحكمة ضالّة المؤمن ودليله وهداه في مختلف الأمكنة والأزمنة والطوارئ والمستجدات.

إنَّ الأوضاع التي يعيشها المسلمون اليوم لا بدّ وأن تكون مشفوعة بأمرين لاينفصل أحدهما عن الآخر، وبهذا يتحقق التجديد الذي ينهض بأمتنا، و نروم إليه في أحلامنا وأعلامنا: الواقع المعيش، ووعي الإنسان، ومعرفته بما يدور حوله، وبالطبع لايتحقق هذا إلاّ على ضوء نبراس الحكمة المنزل من السماء .

ولكن ما المكان وما فلسفته التي أقحمتها هنا؟! إنّ المكان الذي يجرنا إليه -ولنكن جميعًا ذاك الجندي المرابط في حدود وطننا حبًا ودفاعًا - هذا المكان لم نشعر إلاّ ونحن بين أشرعته تكمنُ في تفاصيلهِ العديد من الهدايا والمفاجآت التي لم نلقِ لها بالاً ولم تزرْ أذهاننا بدءًا. حين نقتحمُ أسوار المكان الذي لم نحبذهُ وطفقنا مراراً نبتهلُ إلى ربنا أن يباعد بيننا وبين دروبه، لكنه بات هذا اليوم واقعًا! الأزمات تحلُّ بنا يلازمها تلقائيًا مفهوم التفاؤل، بل هو أحد مطالبها الملحة، فدونه توصدُ الأبواب أمام الحراك الفكري والإبداع التفكيري، وهنا حتمًا سنصافحُ أطراف "التجديد" الذي مافتئنا نبحثُ عن لافتاته.

المكان يدعونا إلى صناعة أرواح تتمازج مع النص والدين، وتتعايش مع العصر والتحديث. إنها دعوة لتمكين نفوسنا وإعدادها لكل ما قد يطرأ، ودعوة لتأسيس نفوسٍ تستشعر أن المفاجآت واردة، وبات غير المتوقع هو الأقرب توقعاً. ومع هذا لقد باتت دعوة رسولنا عليه السلام: "يا مقلب القلوب" وردًا نحافظ عليه مع كل شهيق وزفير؛ فالأمر توسّع توسّعاً يكاد يفقد العاقل توازنه، فكيف بمن هو دون ذلك؟!

إن تنشئة المكان الآمن هي الأقوى والأجدى وهي المؤثرة، لكن علينا أن نحسن التربية على المتغيرات، وكيف نتعامل مع القضايا الطارئة .

خلاصة القول: حياتنا واحدة لن تتكرر، ولكنَّ التاريخ هو من يكرر ذاته، والدروس تقرأُ نفسها على أوراق السنين، والمعاني خالدة لا يمحوها جهلُ بني البشر، وديننا الحنيف شجرةٌ طيبة أصلها ثابتٌ في السماء وفرعها في الأرض في شتّى البقاع. فكلما أعيتنا مدلهمات الحياة وجدنا ظلال أوراقها ممدودة تطوقنا من كل جانب، وثمار الحكمة يانعة متدلية تنتظرُ عطفَ أحد المارين بجانبها ليقطفها!

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- يوسف الهذلول   |  
مساءً 03:45:00 2009/11/23
" حياتنا واحدة لن تتكرر، ولكنَّ التاريخ هو من يكرر ذاته، والدروس تقرأُ نفسها على أوراق السنين، والمعاني خالدة لا يمحوها جهلُ بني البشر، " خلاصة أراها مُخلصةٌ . شكرا أ.أروى .

2- نفسي تضيء   |  
مساءً 08:53:00 2009/11/23
أضم صوتاً إلى الأستاذ الهذلول :) وشكراً أديبتنا أروى

3- أجنادين   |  
مساءً 10:38:00 2009/11/23
الانجذاب للأماكن انجذابا مشحونا بعدة عوامل وليس انجذابا مجردا ، فالزمن الحاضر أو الماضي أو حتى نبؤات المستقبل هي التي تعلقنا به لتعلقه بقيم نحبها أو مفاهيم أو ذكريات معينة ، فجميل جدا التشبيه بالمغناطيس فهو يجذبنا لنلتصق به لوجود مادة فاعلة وغالبا تكون ( نفسية ) لا ظاهرية إلا إن كان المكان في اسكتلندا من الحين نهج له :)... ... ... ننتظر سيل قلمكِ القادم يا ست أروى

4- لطيفة العميـر   |  
ًصباحا 01:12:00 2009/11/24
.. لستُ أراها فلسفة مكان وحسب ، التفاعل مع الكثير من المتغيرات الحاصلة ، تُرسخ فلسفة زمانية قادمـة ، نحن لا نجد الاشياء على ظاهرها دائمـا و انمـا نتتبع الكثير حتى نجد تفاصيلها اللي تغرقنا في عمق الفكرة.. فنفهم الواقع المكاني / الزماني حيث أنهما وإن انفصلا لا ينفصلان ، ! ، مقال ثريّ ، مُبهر يا أروى ، بارك الله بك / قلمك .

5- طفلة الشتاء   |  
ًصباحا 05:32:00 2009/11/24
هاقد قذفني مقالك على ضفة التعليق... الله يديم علينا الأمن ليس لدي الكثير لأقوله ، فقط لاتحرمينا من وقع أقلامك

6- طلال العولقي   |  
مساءً 02:02:00 2009/11/24
أحسنتم ودامت فوائدكم.. النفس البشرية عند الأزمات تفزع إلى ركن شديد - إن كان هناك هذا الركن-..ولا أجد أمثل من هذا الركن الشديد الاعتقاد السليم الذي يستمد الحكمة من الآثار الإيمانية في أسماء الله الحسنى..وهذا مغيب عند كثير من عقلاء الناس ؛ بل لو ذكرت هذا المعنى لا ستغربه الكثير. للعلامة ابن بيه تعليقٌ نفيس على مقولة عمر بن عبدالعزيز أعلاه في كتاب (حوار مع الآخر)..يحسن الاستضاء بنوره والإفادة من علمه. دمتم موفقين أينما كنتم. طلال ليدز

7- د/ محمد العليان   |  
مساءً 05:55:00 2009/11/24
مقال جميل ورائع، حلق بين المعاني والاقتباس والتاريخ والصورة والإنشاء... أهنئك (أروى) على هذا الإبداع ... أتمنى أن أقرأ المزيد :)

8- مها   |  
مساءً 07:34:00 2009/11/24
علامة تعجب ...!!! أيام فاضلة ...أتمنى تكف الناس من تهجمك وتطاولك ..ومن شرّك الأخت أروى البراهيم .....تعرف جيدا كتاب التوحيد ...ولاتتطاول رجاء على عقائد الناس! فهل شققت على قلبها؟؟؟؟ حسبنا الله ونعم الوكيل ولا أراك إلا شخص تكثر الإساءة للمسلمين والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وأنت تزرع في زوايا هذا الموقع كلامك السيء ....فأعوذ بالله من هذا المنطق الذي تحمله

9- عندي حنين   |  
مساءً 10:11:00 2009/11/24
نعم قد نجد أنفسنا وقد جذبنا المغناطيس إلى مكان لا نريد البقاء فيه! والسؤال الذي يجب أن يطرح: ماذا عملنا قبل أن تخطفنا جاذبية ذلك المغناطيس إلى ذاك المكان؟ هل معنا ما يجعلنا قادرين على التعايش مع ظروف المكان الجديد أم أن كل ما نعرفه هو أننا بتنا في مكانٍ لم نألفه وحسب، وننتظر القدر يحكم علينا؟ هناك أمم تنتظر مستقبلها وأخرى تصنعه! أ. أروى بداية موفقة...وفقك الله للخير وكفانا وإياك شر كل مغناطيس يأخذنا حيث لا نريد المقام. :)

10- خلاصة الكلام   |  
مساءً 02:40:00 2009/11/25
الإنسان بدون عقيدة صحيحة يدين الله بها ويدعوا إليها ويموت من أجلها في سبيل الله يصير إمعة بل بهيمة يُفْرَضُ عليه كل شيء من زمان ومكان ... بل حتى في اللباس الذي يرتديه وطريقة قص الشعر ، تتحكم فيه الأيادي الخفية (الماسونيين) ب"الريموت كنترول" ، فالإعلام الذي يتحكم فيه الماسونيون من خلف الستار هو عبارة عن "ريموت كنترول" يتحكمون به في القُطْعان البشرية ويقودونها حيث شاؤو وإلى المجزرة التي يريدونها.

11- أمنية بدارى   |  
مساءً 02:43:00 2009/11/25
"المغناطيس الذي ذكرته بدءًا يجذبنا إلى أشياء معدودة في حياتنا لا نرغب عنها بديلاً، ومن الممكن أن نجعلهُ يجذبنا إلى المستجدات والتحديات في حياتنا وبمحض إرادتنا ." "إن تنشئة المكان الآمن هي الأقوى والأجدى وهي المؤثرة، لكن علينا أن نحسن التربية على المتغيرات، وكيف نتعامل مع القضايا الطارئة ." مقتطفات واعدة من المقال الأول مبارك لنا ولك غاليتى..وهدى الله أمتنا لما فيه الخير والرشاد..

12- صوت   |  
مساءً 08:18:00 2009/11/25
السلام عليكم ورحمة الله أرى مثال اعتداء الحوثيين على جنوب المملكة نقلة بعيدة عن الموضوع تردين توصيل فكرة الاستعداد للتجديد؟ الامر هنا لا يحتاج إلى تجديد إذ أطياف المجتمع كله متفقة على ما اتفق عليه الأسلاف حتى من قبل الإسلام وهو دفع الغاصب اما فكرة المغناطيس والانجذاب الى الاشياء المعروفة قد تصلح في مسائل نعتقد أنه لا بديل عنها وعندما نفاجئ بالبدائل نحن إلى ما تعودنا عليه. شكرا لك أروى

13- مـُنجذب   |  
ًصباحا 01:02:00 2009/11/27
كـل شيئ قابل للتجديد عندما يكفل للمرء مايسمو به كفرد وكمنظومه أيضاً مقتضى هذا التجديد هـو التوزان وكلما كان وقع الخطب أكثر شـدة ويحمل من التجني الكثير زاد معدل الإنتماء وبلغ مبلغه فيعود الأمـر للأصـل كشجرة طيبة أصلها ثابت في السماء وفرعها في الأرض وعلى جهاتها الأربع ويكفينا ماروي عن النبي (صلى الله عليه و سلم) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال:قال رسول الله (صلى الله عليه و سلم) "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمى" وخلاف ذلك هـو السفور والفجور والأنسلاخ من أغلى قيم الأنسان والخروج من الفطـرة والتنكر لها

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم