لا يخفى على أحد من المهتمين بالحالة الإسلامية الدور الذي تلعبه السيرة في تكوين العقل المسلم، ذلك العقل الذي يسعى دائماً إلى استشارة تراثه في الملمات التي تمر به؛ لاستعادة مكانة الأمة لتعود إلى ممارسة دورها الحضاري الريادي، كأمة تمتلك رسالة الرحمة للعالمين.
والمستقري لأغلب ما كُتب في السيرة سيجده ما بين كتابات عرضت أصول النصوص، مثل "سيرة ابن هشام" التي ركزت على جمع الأحاديث التي تشكل نصوص السيرة، أو استعراض للمغازي مثلما فعل المباركفوري في "رحيقه المختوم"، أو التناول من منظور حركي مثلما فعل الغضبان في منهجه الحركي للسيرة، أو مقارباته التربوية في المنهج القيادي والتربوي في السيرة، وهناك الكثير والكثير ممن سعوا لخدمة السيرة من أكثر من زاوية، وسنلحظ أنها في مجملها ركزت على المعالجة من المنظور العسكري، على أساس أن السيرة مجموعة من المغازي.
وقد وجدت أهمية استعراض السيرة من منظور آخر، وزاوية أحسب أنها تمثل قيمة مضافة على الجهد العظيم الذي بُذل لخدمة السيرة، وهو المنظور الحضاري والإستراتيجي في إدارة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لمشروعه الحضاري، لنرى بذور الحضارة التي غرسها مشروع الرسول -عليه الصلاة والسلام- في تأسيس الدولة المسلمة حينها. وتحرّكه الإستراتيجي لإنجاز مراحل من هذا المشروع.
نظرات في السيرة
وتأتي هذه السلسلة في إطار نظرات في السيرة؛ إذ إننا لن نتناول كل أحداث السيرة، ولن نعيد التأريخ لها من جديد؛ فحسبنا هنا أن نتشارك مع القارئ الكريم في هذه النظرات، التي تسعى إلى قراءة السيرة من منظور حضاري.
المحاور الثلاثة
وستشمل نظراتنا في السيرة محاور ثلاثة وهي:
أولاً: نظرات حول المنهج الذي تُقرأ من خلاله السيرة
ثانياً: نظرات حول أهم الاستنتاجات التي تولدت من قراءة السيرة، وشاعت لدى المسلمين، ونراها تحتاج إلى إعادة نظر.
ثالثاً: نظرات حول القراءة الحضارية للسيرة.
أولاً: مقدمة حول المنهج الذي تُقرأ من خلاله السيرة
تعريف السيرة
السيرة لغة هي السُّنَّة والطريقة، واصطلاحاً هي قصة الحياة وتاريخها، والسيرة النبوية تعني مجموع ما وصلنا من وقائع حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
كيف وصلتنا السيرة؟
وقد كان من فضل الله على الأمة الإسلامية أن انتبه نفر منها إلى أهمية تدوين السيرة في عصر مبكر، مما قلل من احتمال ضياعها أو تحريفها، فحين اهتم المسلمون الأوائل بتدوين الحديث في مرحلة مبكرة كانوا بذلك يضعون البذور الأولى لكتابة السيرة النبوية. لذلك يعود الفضل في حفظ السيرة من التحريف ابتداء للمُحدِّثين الذين عُنوا بالحديث ورعايته. فقد حوت بعض مصنفات الحديث قسماً للمغازي والسير مثل صحيح البخاري.
ثم توالت جهود لإفراد كتب في السيرة النبوية مثل كتاب "دلائل النبوة" للفريابي، و"أعلام النبوة" للأصفهاني، و"أعلام رسول الله" لابن قتيبة، وهناك الكثير من المصنفات التي تخصصت في السيرة النبوية.
كيف تكون صورة متكاملة للسيرة؟
لقد كان القرآن والحديث هما المصدرين الأساسين لكتابة السيرة، والقرآن مشهود بصحته، أما الحديث فتختلف درجات صحته، وقد جمعت بعض كتب السير الأحاديث الصحيحة فقط، ونجد في البعض الآخر الأحاديث الصحيحة والضعيفة، ويرى الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه "السيرة النبوية الصحيحة" أن المطلوب هو "اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها ثم الحسنة، ثم ما يعتضد من الضعيف لبناء الصورة التاريخية لأحداث المجتمع الإسلامي في عصر صدر الإسلام ... وعند التعارض يُقدّم الأقوى دائماً.. أما الروايات الضعيفة التي لا تقوى أو تعتضد فيمكن الإفادة منها في إكمال الفراغات التي لا تسدها الروايات الصحيحة والحسنة، على ألاّ تتعلق بجانب عقدي أو شرعي".
وهنا يجب التمييز بين إمكانية استخدام الضعيف لبناء الصورة التاريخية، وخطورة اعتماده كأساس لفهم السيرة، أو استخدامه كدليل على سمات حركية لمرحلة ما من السيرة، يمكن أن يُبنى عليها فعل إستراتيجي. فالإشكالية في التعامل مع النص ليست في الجانب العقدي والتشريعي فقط، بل فيما تلقيه النصوص من ظلال على الفهم، قد تجر في اتجاهات حركية كارثية، وبذلك نقول:
"يمكن اعتماد الرواية الضعيفة في إكمال الفراغات التي لا تسدها الروايات الصحيحة والحسنة، على ألاّ تتعلق بجانب عقدي أو تشريعي أو استنتاج تصور إستراتيجي".
أداة تحتاج إلى ضوابط:
والسيرة بالنسبة للمسلم تُعدّ إحدى الأدوات المهمة التي يرتكز عليها، وأية أداة لا نحسن استخدامها فإنها لا تفيدنا إن لم تضرنا، لذلك من الضروري جداً أن نعي كيفية استخدامها حتى تعمل لصالحنا، وتكون سبب تفوقنا بالفعل لا سبب انتكاستنا. وسنقسم ضوابط التعامل مع السيرة إلى قسمين:
أولاً: ضوابط التعامل مع النص.
ثانياً: ضوابط التعامل العملي مع المضمون.
وسنتحدث عن هذين القسمين في الحلقة القادمة