|
كثيرة هي الأشياء التي تحتاج إلى تجديد وما لا يُجدّد يفنيه البَلاء. ليس المسكن والمركب والملبس الذي يحتاج إلى تجديد فحسب، بل كل شيء في حياتنا يحتاج إلى التجديد؛ حتى علاقتنا مع الله ـ تعالى ـ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم". صحيح الجامع.
نحن نعيش في زمن تتجدد فيه المعرفة والتحديات بسرعة مذهلة، وتتقادم فيه المعلومات والأفكار والاجتهادات والحلول، وبهذا تكون الحاجة ملحة للتجديد والتعامل الحسن مع ظروف المرحلة ومستجداتها؛ فليس اليوم كالأمس، ولا غد كاليوم، ومن الطبيعي إذن أن يبحث الإنسان عما يلائم يومه الذي يعيشه، وليس أمسه الذي انقضى.
فالدعوة إلى التجديد ليست هوساً ولا تجديفاً ضد التيار، بل ضرورة في كثير من الأحيان؛ فالأمة تعيش تخلّفاً مفجعاً، والهوة بينها وبين الأمم المتقدمة واسعة. لست أقول هذا تشاؤماً، ولكنه حقيقة؛ فنحن على أبسط الأشياء نتقاتل، وقد رأينا ما فعله الأفغان بعد خروج السوفييت، وما يجري اليوم في الصومال، وما يدور من معارك فكرية طاحنة، ليس لها سبب إلاّ الاختلاف في وجهات النظر؛ فإن لم توافقني في الرأي فأنت ضالٌّ مبتدع تغريبي أو أصولي متخلف رجعي، وما أن ينشب خلاف بين القادة إلاّ ويتلوها حرب ضروس بين الأتباع... أليس هذا من ثمار التخلّف؟!
الأمة الإسلامية كانت رائدة في شتى المجالات عندما كانت تتطلع، و تبحث عن الجديد، وتستفيد من تجارب الآخرين، وتدير خلافاتها بحرفية متناهية (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
وما تلك المؤلفات التي تزخر بها المكتبة الإسلامية والعربية إلاّ ثمرة من ثمار النظرة التجديدية المتطلعة إلى المعرفة في شتى مجالاتها؛ تطويعاً لحاجات العصر، ولو أن السابقين تهيبوا من التجديد، ونظروا إليه نظرة سلبية -كما يفعل بعض المتأخرين- وكبلوا العقول بالسلاسل والأغلال لما رأينا تلك الإبداعات التي برزت في جوانب شتى، وكان للجوانب الشرعية منها نصيب الأسد.
إن الخوف من الجديد طبيعة بشرية لا تختص بها أمة دون أخرى، لكن الأمة الواعية تعرف كيف تتكيف مع هذا الوافد، وتطوّعه ليخدم مصالحها، بينما الأمة المتخلفة تحاربه حرباً ضروساً، وفي النهاية تضعف أمامه؛ فيغرقها بطوفانه، وتبقى ردحاً من الزمن تعالج آثاره وسلبياته، ولدينا تجارب كثيرة في هذا المضمار، لست بحاجة الآن إلى ذكرها، لكن الكل يعرف أنها انتهت بهزيمة الرافضين.
ليست الدعوة للتجديد تعني رفض الماضي والتنكر له وإلغاءه؛ فهذا غير ممكن، فهناك ثوابت لا يمكن المساس بها، وهناك أشياء قيمتها في قدمها، لكن هناك أشياء كثيرة متروكة للاجتهاد والتأمّل.
ليس التجديد مقصوراً على الجانب الشرعي، بل نحن نحتاج إلى نهضة شاملة، والنهضة الشاملة تحتاج إلى تجديد شامل؛ فتعليمنا مازال يمارس التلقين... ومشايخنا يدرسون بطريقة الكتاتيب، وأساتذتنا لم يسمعوا بالحوار قط... وحكامنا لا يعترفون بحرية الشعوب في اختيار من يحكمها... و الأموال العامة يديرها أناس لا رقيب عليهم ولا حسيب... وهلم جرّا.
هل بعد هذا يأتي من يدعي أننا لسنا بحاجة إلى المراجعة والنقد، ومعالجة ما لدينا من تشوّهات فكرية وحضارية؟!
|