الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
استقامة المعايير.. في معاملة الآخر
الاربعاء 06 محرم 1431 الموافق 23 ديسمبر 2009
 
استقامة المعايير.. في معاملة الآخر

د. محمد عمارة

المنهاجُ هو الطريق الواضح والبيِّن والمستقيم؛ ولذلك كان لا بدَّ للمنهاج الحق من استقامة المعايير ودقة التطبيقات على الحالات والمفردات.. وفي المنهاج القرآني إزاء التعامل مع "الآخر" -كل "آخر"- المتميز بين ألوان الطيف في مواقف فصائل وتيارات ومذاهب هذا "الآخر".. انطلاقًا من منهاج "ليسوا سواءً" وذلك لتحقيق العدل الذي يتنافى مع التعميم والإطلاق في الحكم على الآخرين..

لقد طلب القرآن الكريم مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، لكنه استثنى من ذلك الذين ظلموا من هؤلاء الكتابيين "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم" (العنكبوت:46).

ومع تصنيف القرآن لليهود بأنهم مع المشركين الأشد عداوةً للذين آمنوا "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا" (المائدة:81)، فلقد ميَّز في اليهود عندما قال: إنهم "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين" (آل عمران: 113-115).

كذلك ميز المنهاج القرآني في الموقف من النصارى بين الذين كفروا وأشركوا عندما اتخذوا من المسيح وأمه عليهما السلام إلهين من دون الله وبين الذين هم أقرب مودةً للمؤمنين "ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين" (المائدة: 82-83).

وكذلك حال المنهاج القرآني المستقيم في معاييره الصارمة في تطبيقاته حتى مع المشركين؛ ففي آيات سورة التوبة "براءة" التي زعم البعض أنها قد شرعت للعنف والقتل والقتال ضد الآخر.. وأنها لذلك قد خلت من "البسملة" التي تذكِّر بالرحمة! ففي آيات هذه السورة التي عرضت للموقف من المشركين نراها قد التزمت المنهاج القرآني في التمييز بين أنواع ومواقف هؤلاء المشركين.

1- فهناك المشركون المعاهدون "المحترِمون للعهود" وهؤلاء لهم –مع شركهم- الوفاء بالعهود والمعاهدات "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئًا ولم يظاهروا عليكم أحدًا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين" (التوبة: 4).

2- وهناك المشركون المحايدون الذين لم يتعرفوا على الإسلام.. "هؤلاء تقدم إليهم المعرفة، وتبلغ لهم الدعوة ثم يترَكون أحرارًا في أمان المسلمين حتى يحددوا مواقفهم في حرية ودون إكراه"، "وإن أحد من المشركين استجارك فأجرْه حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنَه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون" (التوبة: 6).

3- أما المشركون المعتدون الذين فتنوا المسلمين في دينهم وأخرجوهم من ديارهم ونقضوا العهود ولا عهد لهم ولا أمان فهؤلاء هم الذين يقاتلهم المسلمون درءًا لعدوانهم وكفًّا لشرورهم لأنهم "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون" (التوبة: 10)؛ ذلك أن هذا الصنف من المشركين هم الذين نقضوا العهود.. واعتدوا على المؤمنين واحترفوا نقض المعاهدات "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون" (التوبة 8-9).

هكذا ميَّز القرآن الكريم بين مواقف الآخرين -يهودًا ونصارى ومشركين- وحدد صفات كل فصيل، وهكذا تميز المنهاج القرآني باستقامة المعايير.. والعدالة في تطبيقات هذه المعايير حتى مع الأعداء من المخالفين.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- الشهيده باذن الله   |  
مساءً 01:15:00 2009/12/23
السؤال كيف نصنف القوم الان؟ وفى اى فئه نضعهم؟

2- محمد رفيق العربي الجزائري   |  
مساءً 01:45:00 2009/12/23
ان هذا المنهاج الذي ذكره الفيلسوف الجرئ والمفكر الحر العلامة محمد عمارة هو منهاج الصحابة -رضي الله عنهم- ومنهاج السلف الصالح -رحمة الله عليهم -وهو ان الآخر او غير المسلمين من اهل الكتاب والمشركين رغم انه يجب اعتبارهم اعداء للمسلمين بعداوتهم لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم- وللاسلام فانه لا يجوز معاملتهم بالعداون حتى يبادروا هم الى العداون على المسلمين ولا يحل للمسلمين الاعتداء عليهم الا دفاعا عن الارض والدين وانه يجوز ان يسكنوا في بلاد الاسلام دون ان يتعرض لهم احد بالعدوان ما لم يظلموا وما التزموا بشروط الجزية وهي شروط بسيطة لا تنتقص من حريتهم ومواطنتهم وكرامتهم بينها سيدنا عمر بن الخطاب في الوثيقة العمرية لنصارى الشام تلك الوثيقة التي كتبها عمر بموافقة كبار الصحابة مثل عثمان وعلي وطلحة والزبير وغيرهم من المهاجرين والانصار فهي وثيقة دستورية تحدد العلاقة والمعاملة بين المسلمين وغيرهم في بلاد الاسلام وتظهر الحقوق والواجبات ومعروف ان اهل الكتاب والمشركين عاشوا في ديار الاسلام قرونا وقرونا ولم يتعرض لهم احد بظلم وعدوان اما في عصرنا وهو الذي يهمنا ينطبق نفس المنهاج القرآني فامريكا واوروبا اهل كتاب ولكنهم ظلمونا باحتلال ارضنا ونهب ثرواتنا وارتكاب ابشع الجرائم في شعوبنا ومازالوا واليهود كذلك واما المشركون فمنهم الظالمون ومنهم المسلمون فمن سالم نسالم ومن ظلم يجب رد عدوانه بمثل ما اعتدى علينا وبالقسط وفي الاخير نتمنى على الشيخ محمد عمارة المشاركة في الاسلام اليوم حفظك الله تعالى

3- آه   |  
مساءً 11:31:00 2009/12/23
لا جديد إلا قلة الأدب في التعامل مع النصوص الشرعية ومحاولة تمييع شعيرة الولاء والبراء فسحقاً لقوماً قد أشربت قلوبهم حب أعداء الله

4- عبد الله   |  
مساءً 12:21:00 2009/12/24
لم يأت الكاتب بجديد فأئمة المسلمين بينوا الفروق بين أنواع المشركين غير أن الكاتب أحب أن يسميهم " الآخر " وتجاهل أن القرآن سمى الأمور بمسمياتهما : مشركين - كفار - أهل كتاب - يهود - نصارى

5- مطر   |  
مساءً 12:58:00 2009/12/24
شكرا جزيلا لاستناذنا الكبير: محمد عمارة. شكرا في عالم أعوج ، لا تكاد الاستقامة تلوح فيه إلا عرجاء !

6- الجديد لمن يفقهه   |  
مساءً 04:56:00 2009/12/24
الجديد يا إخواني هو توصيل الرسالة بلغة يفهمها من يتحدث بتلك اللغة. وللأسف البعض منا جاهز دائما للإهانة من قلة علمه وفقهه في الأمور. إنا لله وإنا إليه راجعون.

7- أيش الجديد   |  
مساءً 09:41:00 2009/12/24
الجديد التمييع يا من أسميت نفسك الجديد، أتعتقد يا فقيه أن القرآن وكلام المصطفى قد عجزا عن توصيل هذه الرسالة، ...

8- سلام الله عليكم ورحمته وبركاته   |  
مساءً 02:35:00 2009/12/25
ياإخوه الإسلام لم يأتي بالسيف ولم يستخدم السيف الا كدفاعا والله اعلم وكان اخر الوسائل, انه دين الرحمه والحكمة والكلمه, لنفقه ذلك ,فلنكن مبشرين يااخوه, الكثيرفي اوروبا وامريكا فهموا ان النبي صلى الله عليه وسلم اتى بالسيف وامن الناس به فقط تحت وطأة السيف, فلتصححوا ولاتكونوا اداه ليسى الناس الى ديننا ونبينا

9- مراقب   |  
مساءً 03:11:00 2009/12/25
يا ليت هذه المعايير تطبق مع الاتجاه السلفي أيضا .. أما أن يتم الحرص على تطبيقها مع البهود والنصارى ، ثم نهضم المنهج السلفي حقه فهذا هو عين اختلال المعايير. عمارة وغيره يصفون المنهج السلفي بانه نصي لا يستعمل العقل واقصائي ... وهذه التهم تفتقد المعايير المتزنة

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم