الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
ملحمة المسير!
الثلاثاء 11 صفر 1431 الموافق 26 يناير 2010
 
ملحمة المسير!

د. مسفر بن علي القحطاني

منذ أن خلق الله تعالى الخلق، وكلف آدم بالاستخلاف في الأرض، ومسيرة الإنسان في صراع مستمر مع نزعات النفس الغلاّبة نحو التفرد البشري في الوجود، أو ملاحم صراع الإنسان مع أخيه الإنسان حول الزعامة والنفوذ، أو من خلال تعب الصناعة الفكرية أو إنشاء الحضارات والمحافظة عليها. كلها ملاحم اختلط فيها الدم بالعرق، والفرح بالحزن، والضيق بالفرج، و البناء بالهدم.

إنها ملحمة المدافعة الباقية بين كل القوى المسيطرة في الأرض؛ سواء أكانت قوى مادية أو معنوية، قوى للخير أو للشر، ولكن الدفع بينها صاغ تاريخ الإنسان و رسم حدوداً كثيرة متداخلة بين الحق والباطل، لم تكن لتُعرف لولا شدة تلك المعارك واقتراب ميادينها من جميع البشر، وقد ساهم الوحي وتعاليم الرسل والأنبياء بضبط تلك العلاقات المتصارعة، وتبيُّن حدودها، والحكم على صحتها بالرد أو القبول. يقول الله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). [البقرة:40].

وقال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ). [الحج:40-46].

هذه الآيات المحكمة العجيبة في معناها ودلالاتها على حقيقة هذا المسير الملحمي في حياة الإنسان، تؤكد حقائق مذهلة لمن يخوض هذه الغمار من الدعاة والمصلحين، أشير إليها بإيجاز، مع التأكيد أنها محاولة للفهم والاعتبار من دلالات تلك الآيات، وليس فيها جزم بالمعنى، والله العالم بالمراد:

أولاً: إن المدافعة التي يقوم بها المسلمون عن الحق ليست عن المسلمين بالخصوص، بل هي عن كل المظلومين المحرومين في الأرض على اختلاف أديانهم وبلادهم، فلولا دفع المسلمين عن الحق الذي يؤمنون به لهُدّمت الصوامع والبيع لليهود والنصارى وغيرهم، وهذا يجعل خندق المسلمين في المواجهة مع الظالمين والبغاة ليس مقصوراً على جنس ودين؛ بل هي جامع لمكونات عديدة تُظهر عالمية الشهود والريادة التي ينضوي تحتها الكثير.

ثانياً: إن الظالم الباغي قد يُقهر ويمكّن للمؤمن في الأرض، ليس بالعدد والعتاد المادي فقط، بل بقدر إقامتهم للصلاة، وهي تعني إقامة الدين –كما قال ابن عاشور – وأن إيتاء الزكاة يدل على الدور التكافلي بين المسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مدى تحويل الشريعة إلى روح تسري في مجالات الحياة المتنوعة، فهذه الأدوات هي أدوات النصر في المعركة الحقيقية مع المعتدين والجبّارين في الأرض..

إن هذا المعنى يُشعر أحياناً بالانكفاء عن المواجهة المادية والحسم الميداني، ولا أظن الآية تعني ذلك بدليل الإذن بالمدافعة المادية، ولكنها تدل صراحة أن التمكين غير الانتصار المادي؛ فقد ينتصر القوي في المعركة، ولكن ينهزم في البقاء منتصراً ومحافظاً على قوته ومطبقاً لمبادئه التي ضحّى من أجلها، لهذا جاءت معايير التمكين من خلال الفعل المجتمعي التكافلي الإصلاحي، بشهادة حال الأمم السابقة التي ورد ذكرها في الآيات (قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين..) التي وضعت تلك الحقيقة ظاهرة واضحة، ولكن ليس للأعيان اللاهية، بل للقلوب الواعية التي تسير في طريق الملحمة الشائك، وهي تعلم أنه طريق النجاة والأمان.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- سعيد بن علي الغامدي   |  
مساءً 05:13:00 2010/01/26
الدكتور الفاضل مسفر بن علي القحطاني ،،،،،،، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،،،، إن آية الحج تشير إلى أن التمكين سيكون من نصيب أولئك الذين يعلم الله صدق توجههم وهم يتعاطون الأسباب المادية للتمكين.....وهذا فيه تحذير للذين مكن الله لهم بسبب صدق من سبقهم إذا ما تخلووووووووووا عن النية الصادقة التي حملها سلفهم وعلم الله ذلك منهم فمكن لهم ،،،، فيه تحذير أن يبدلوا وغيروا فتحق عليهم وفيهم سنة الله :،،،،،،،، (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)

2- حنصالى بن تاشفين   |  
مساءً 09:24:00 2010/01/26
يا دكتور مسفر فى ضنى شهر رمضان لايزال لم يتضيف علينا بعد.. وكم هي جميلة تلك العنونة .. ملحمة المسير.. جميلة كجمال اشراقة وجهكم الكريم وهى دليل على صحة اخر تعليق لى وربما فيه بعض الصعلكة او سكر نتيجة افراط زائد فى شرب جرعات المنطق ..لاكن والله يا اخوة احيانا المصطلح يفرض نفسه فى سياق الجملة ولا تستطيع ان تلف عليه او تهمله رغم الحدة او الجرح الذى يخلفه النقد ولسنا من الصنف الذى يهلل ويكبر وبنى جلدته تنحوا عن مسار الطريق .. وكنت اقصد هذه المسلكية الحضارية او ملحمة المسير الا نستطيع دكتور ان نضبطها او نقننها ..والغريب دكتور وانتم تفهموننى جيدا الراسخون فى علم النهضات المجتمعية ياكدون على اهمية معرفة القاعدة ثم تليها المسلكية التى يضع فيها اي مجتمع ارجلهم للسير بخطى واضحة المعالم وهته هى ما تخلق عنصر الثقة وبنائها .. ليتم بعدها طريق النهضة الصحيح و بالله عليك دكتور احيانا حتى تتمكن من استعاب فكرة ما معقدة مضطر ان تنزلها على فكرة واضحة فى الذهن حتى تسهل تحليلها وفك الشيفرات ..فمعلوم ان الحضارة انثى كما قيل ورحم الحضارة هو الواقع وملقح الواقع هو المنطق حتى يحمل الشرعية والهوية .. وبالتالى الافكار نتيجة تزاوج المنطق بالواقع لتنجب لنا فى النهاية مولودة جديدة جميلة شرعية الابوين وهكذا دواليك ضمن نشئة الحضارات وموتها ..الولادة والعقم.. وايضا بالله عليك ورجاءا دكتور ماذا تسمى المولود الفكرى الذى يفرضه علينا اهل البيت ونحن نعلم ان العقم بنا وفينا والارحام مقطوعة.. واذا حلت هته المعادلة تم فك شفرات المنطق والنجاح وتعلم استاذى لانتكلم كثيرا ولاننزل تحت نسبة نجاح 80/100.

3- محبكم   |  
ًصباحا 02:58:00 2010/01/27
الحمد لله والصلاة والسلام علىرسوله ومن والاه أما بعد أخي قارئ هذه السطور يقول النبي صلى الله عليه وسلم "من كان يؤمن بالله و اليوم الأخر فليقل خيرا أو ليصمت " قال شيخي الدكتور عبدالكريم الخضير :(فليقل خيرا أو ليصمت مابه"بضم الهاء" خيار ثالث )وهذا الهدي النبوي يفتقر له كثير من المعلقين لمقالات الفضلاء أمثال كاتب هذه السطور الآنفة. اللهم أصلح الراعي والرعية واجعل الأعمال خالصة .

4- يوسف الحسيني   |  
ًصباحا 09:54:00 2010/01/27
جزى الله الكاتب على هذه اللفتة العلمية ولكن الفكرة كانت تحتاج إلى توضيح أكثر باصطلاحات مألوفة لدى القراء.--وفقكم الله

5- ابو الوليد العمري   |  
ًصباحا 11:12:00 2010/01/27
اخي العزيز الدكتور مسفر الظلم لي فقط بين البشر ،بل هو ايضاً بين المخلوقات الأخرى ودليل ذلك وفي مسند أحمد بسند صحيح من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رأى شاتين تنتطحان، فقال المصطفى لـأبي ذر : يا أبا ذر ! هل تدري فيم تنتطحان؟ قال: لا، قال المصطفى: ولكن الله يدري وسيقضي بينهما يوم القيامة). وفي هذا الحديث ترهيب من الظلم بين البشر إذا ما علمنا ان القصاص سيكون بين البهائم قبل بني البشر، وبعدها تكون الحسرة لمن ندم ولكن لا ينفع الندم حينها يقول الكافر ياليتني كنت تراباً،روى ابن جرير الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه -والصحيح وقفه على ابن عمرو- قال رضي الله عنه وأرضاه: (إذا كان يوم القيامة مد الأديم، وحشر الدواب والبهائم والوحش، ثم يحصل القصاص؛ فيقتص للشاة الجمّاء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص بين البهائم والدواب، قال الله جل وعلا: كوني تراباً، فعند ذلك يقول الكافر: يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]). الدفع بمفهوم البشر في القرن العشرين هو السيطرة للقوي على الضعيف وأنتحال الشخصيات بعكس مسمياتها والقوة والتمكين لمن غلب وعندها يدفع من شاء ويبرر لمن شاء ما دام متربعاً على قمة الشيطرة وامتلاك القدرة على الدفع بما يراه، فرعون قال: ما اريكم إلا ما ارى وما اهديكم إلا سبيل الرشاد، وهو من حاج موسى عليه الصلاة والسلام فحجه موسى وغلبت قدرة الله القوة التي امر بها فرعون وجمعها من كل البلاد لينتصر بالباطل ولكن الله دفع ودافع عن موسى وقومه وجعله لمن خلفه آية، خلاصة القول: ليعلم العباد أن الحقوق لا تضيع عند الله جل وعلا، فإذا كان الإستشهاد بـحال الحيوانات والبهائم والدواب في مطلع التعليق، فكيف بذوي الألباب والعقول، من الوضيع والشريف، والقوى والضعيف؟! وتلك الأيام نداولها بين الناس. اصدق تحية وتقدير لك على هذا المقال الرائع والمعلومة المباركة زادك الله علماً ونفع بك واثقل موازين حسناتك يوم العرض عليه.

6- جابر   |  
ًصباحا 03:27:00 2010/01/29
لسنا مذهباً أرضيا ندافع فقط عن المظلوم، هذا عمل الشرطة والأمن، نحن لدينا عقيدة أمرنا الله أن نصارع لكي تسود على العالم: ليظهره على الدين كله

7- صفية الجفري   |  
ًصباحا 11:46:00 2010/01/29
ماشاء الله..جزاكم الله خيرا .. ونفع بكم .. فكرت في معنى يصب فيما ذكرتموه يادكتور .. أننا بالرحمة نقيم العدل .. وذلك أن نقيم العدل بنفسية نقية لا تجبر يخالطها وإنما هو العدل على أساس حب الخير ، والشفقة ، والرفق الذي يتجاوز العامل الشخصي .. وبالنسبة للأخ جابر .. فإن العقيدة جاءت لإحقاق العدل ، ودفع الظلم ، وليس العنف ضرورة لتحقيق ذلك ، بل التصرفات المتزنة الحكيمة التي تبني ولا تهدم ، والتي تلمس الخير في نفوس الناس فتنميه ، ولسنا مطالبين فيما أفهم ان نصارع لكي نسود العالم بل مطالبين بأن نتحقق بالخلق الحسن ، ونسعى بالوسائل المناسبة التي لا تثير الفتن ، لكي نهدي السلام والعدل للعالم ليس على وصف الصراع بل على وصف المشاركة الإيجابية.

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم