بينما كنت أشاهد برنامجاً علمياً وثائقياً، قام أحد الباحثين بطرح فكرة علمية وتحليلها وترجيحها، لكنه اختتم هذا العرض بإشارة مفاجئة بيده اليمنى قائلاً: لكنني الآن لم أعد أؤمن بذلك!
حفّزني هذا المشهد للشروع فيما كنت قد عزمت عليه في الكتابة عن خاطر اختمر ذات تأمّل في موضوع: "اعتناق الفكرة" حيث تأمّلت حال الفكرة –أيّ فكرة- بالنسبة إلى الإيمان بها، ووجدت أن تتبّع سير ذلك لا يفضي بنا إلى خط مستقيم متنامٍ من الإيمان دائماً؛ بمعنى أننا لا نستمر بالإيمان بأفكارنا أكثر فأكثر مع الزمن، بل قد يكون خط سير الإيمان دائرياً يعود بنا من النقطة التي بدأنا بها، أي من الجحود بالفكرة إلى الجحود بالفكرة مرة أخرى كما في المشهد السابق، وهذا التحرّك يتسق مع قوله تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)، فإن هذه الآية الكريمة توحي أن الإنسان "حالة متغيرة" باستمرار وليست ثابتة، وأننا عندما ندعو "اللهم ثبتّنا على الإيمان" فإننا نقصد الثبات على حال الإيمان لا على درجته، فإننا مأمورون شرعاً بالسعي لزيادة "درجة" الإيمان الشرعي.
إذن؛ سأتحدث هنا إن شاء الله – عبر سلسلة مقالات- عن "دائرة الإيمان" بالفكرة سواء كان إيماناً إيجابياً أي بوجودها أو صحتها، أو إيماناً سلبياً أي بنفيها أوخطئها (الجحود)، وما الأطوار التي تمرّ بنا مع أفكارنا (أو تمر بها أفكارنا معنا!) خلال هذه الرحلة الدائرية؟ وما الذي يجعلنا نتوقّف عن تطوير إيماننا بأفكارنا؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على "رسوخ" إيماننا بحيث يهوي هذا الإيمان بمجرد أن يشمّ رائحة "الشبهات"، أو بمجرد أن يذوق طعم "الشهوات؟ وغير ذلك مما يتعلق بالفكرة من حيث كونها فكرة بغض النظر عن اندراجها تحت أي تصنيف شرعي أو علمي أو غير ذلك، لكنني سأطبّق بعض الأمثلة على أفكار مصنّفة حتى لا يكون الكلام تنظيرياً مملاًّ أو فلسفياً محضاً.
يمكننا أن نتناول هذه (الدائرة الإيمانية) بالنظر إلى محلّ تكوّن أو صدور الفكرة، فمثلاً تبدو الفكرة المتكوّنة أو الصادرة عن نصّ قرآني أنّها تنطلق من طور: (اليقين بصحتها) بالنسبة للمسلمين لأنه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، وأنّ الفكرة المختصة "بدوران الأرض" مثلاً الصادرة عن عالم فلكي تضع هذه الفكرة في طور (الظن برجحان صحتها) بالنسبة لغير المختصين وغير المباشرين لعلم الفلك، وهكذا سنجد أن النظر بهذه الطريقة لا يخدمنا هنا لتعلّقه بنسبية الإيمان لصفة الشخص: الإسلام في المثال الأول، أو تعلّقه بخبرة الشخص: عالم الفلك في المثال الثاني، ولأنها طريقة تُسقط بعض أطوار تطوّر الإيمان بالفكرة المستهدفة بالتأمّل هنا.
ويمكننا أن نتناول (دائرة الإيمان) بالنظر لسلوكنا مع الفكرة؛ فمثلاً يبدو لي أننا نقوم بسلوك "الإثارة الذهنية" التي هي أحد الاحتياجات الفطرية، فنحن نُثار ذهنياً بفطرتنا بل نحتاج لذلك! ثم أجد أن هذه الإثارة تنتقل إلى "اهتمام جادّ"، ثم يوجد "التساؤل"، ثم نقوم بسلوك "البحث" عن الإجابة وتقصّي الأفكار المُشبعة للسؤال، ثم "المقارنة" بين هذه الأجوبة/الأفكار، ثم "الحكم" عليها: هل نؤمن بها أم لا؟! ثم "الاختبار المستمر" هل نستمر في إيماننا بها أم لا، وهذا الاختبار المستمر نحتاج إليه أكثر كلما ظهر مُخالف أو مناقض للفكرة التي آمنّا بها أو لم نؤمن بها.
وهذا النظر للدائرة الإيمانية أفضل من السابق، لكنه لا يخدم النواحي التطبيقية التي أحب أن أشير إليها، والتي تحمل الرسالة التي أريد إيصالها كما تحملها الطريقة التي أريد انتهاجها وهي: النظر إلى "طبيعة حال الفكرة"، وهذا معروف لنا جميعاً؛ فإن الأفكار تنطلق وفق أحوالها إلى أطوارٍ هي على الترتيب: الشكوك، الأوهام، الظنون، اليقينيات، على فوارق يسيرة في التفريع على هذه الأطوار بين الباحثين، وإذ استخدم هنا لفظ "دائرة" فإن ذلك يعني أن الفكرة التي أتناول أطوارها ستمرّ بالطريق التالي: الشك، الوهم، الظن، اليقين، الظن الثاني، الوهم الثاني، الشك الثاني، ثم نقطة الصفر، وهي الجحود بالفكرة، نقطة: لكنني الآن لم أعد أؤمن! وهي التي تختلف عن قولنا: لا أؤمن! لذلك أردفت القطر الثاني للدائرة بلفظ: الثاني! فعندما تشك في فكرة ابتداءً ليس هو كالشك الذي تفعله بعد أن تؤمن بها؛ فالخبرة السابقة تلعب دوراً مؤثراً. ألا ترون ذلك؟
ما سبق ملمحٌ مهم لما سأتناوله في المقالات التالية إن شاء الله، لكن يهمني أن أختم هذا المقال التقديمي بالتأكيد على أهمية هذه الدائرة في حياتنا الفكرية؛ فإنه من الأكيد أن كل ماحولنا هو عبارة عن "أفكار" مطوّرة، هذا المصباح، وتلك اللعبة، وهذا الكتاب، وذلك الحزب والحركة السياسية، وهذه التحديات المعنوية في حياتنا هي أفكار مضادّة لآمالنا وطموحاتنا التي هي أيضاً أفكار، ومحطّ التكليف الشرعي للإنسان هو "العقل" مولّد وممحّص الأفكار؛ فالعقل هو الذي يصنع فارقاً حقيقياً بين إنسان معماري ماهر متقِـن(بكسر القاف) وبين عنكبوت يصنع بيتاً متقَناً (بفتح القاف). العقل الذي "يدور" بالأفكار هو الذي يجعلنا ننسب الإتقان للإنسان في الأول، وننسبه للبيت في الثاني!
تثبت الإحصائيات العلمية أن العقل يومياً يحوك بلايين الأفكار، لكن الإنسان لا يستثمر إلاّ العشرات منها! هذا المبدع، كما أن العناية بدرجات (أطوار) الأفكار يصنع فارقاً في أداء رسائلنا في هذه الحياة.
هل تجدون أنّه من العار على الإنسان أنه يؤمن بالجنة مثلاً بنفس الدرجة التي يؤمن بها بشهوته؟! لذلك دعونا نلتق مجدداً خلال المقال التالي: مزلق الأوهام!
شكراً للجميع.