آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

لم أعدْ أؤمن..!!

الاحد 05 ربيع الثاني 1431 الموافق 21 مارس 2010
لم أعدْ أؤمن..!!
 

بينما كنت أشاهد برنامجاً علمياً وثائقياً، قام أحد الباحثين بطرح فكرة علمية وتحليلها وترجيحها، لكنه اختتم هذا العرض بإشارة مفاجئة بيده اليمنى قائلاً: لكنني الآن لم أعد أؤمن بذلك!

حفّزني هذا المشهد للشروع فيما كنت قد عزمت عليه في الكتابة عن خاطر اختمر ذات تأمّل في موضوع: "اعتناق الفكرة" حيث تأمّلت حال الفكرة –أيّ فكرة- بالنسبة إلى الإيمان بها، ووجدت أن تتبّع سير ذلك لا يفضي بنا إلى خط مستقيم متنامٍ من الإيمان دائماً؛ بمعنى أننا لا نستمر بالإيمان بأفكارنا أكثر فأكثر مع الزمن، بل قد يكون خط سير الإيمان دائرياً يعود بنا من النقطة التي بدأنا بها، أي من الجحود بالفكرة إلى الجحود بالفكرة مرة أخرى كما في المشهد السابق، وهذا التحرّك يتسق مع قوله تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ)، فإن هذه الآية الكريمة توحي أن الإنسان "حالة متغيرة" باستمرار وليست ثابتة، وأننا عندما ندعو "اللهم ثبتّنا على الإيمان" فإننا نقصد الثبات على حال الإيمان لا على درجته، فإننا مأمورون شرعاً بالسعي لزيادة "درجة" الإيمان الشرعي.

إذن؛ سأتحدث هنا إن شاء الله – عبر سلسلة مقالات- عن "دائرة الإيمان" بالفكرة سواء كان إيماناً إيجابياً أي بوجودها أو صحتها، أو إيماناً سلبياً أي بنفيها أوخطئها (الجحود)، وما الأطوار التي تمرّ بنا مع أفكارنا (أو تمر بها أفكارنا معنا!) خلال هذه الرحلة الدائرية؟ وما الذي يجعلنا نتوقّف عن تطوير إيماننا بأفكارنا؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على "رسوخ" إيماننا بحيث يهوي هذا الإيمان بمجرد أن يشمّ رائحة "الشبهات"، أو بمجرد أن يذوق طعم "الشهوات؟ وغير ذلك مما يتعلق بالفكرة من حيث كونها فكرة بغض النظر عن اندراجها تحت أي تصنيف شرعي أو علمي أو غير ذلك، لكنني سأطبّق بعض الأمثلة على أفكار مصنّفة حتى لا يكون الكلام تنظيرياً مملاًّ أو فلسفياً محضاً.

يمكننا أن نتناول هذه (الدائرة الإيمانية) بالنظر إلى محلّ تكوّن أو صدور الفكرة، فمثلاً تبدو الفكرة المتكوّنة أو الصادرة عن نصّ قرآني أنّها تنطلق من طور: (اليقين بصحتها) بالنسبة للمسلمين لأنه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)، وأنّ الفكرة المختصة "بدوران الأرض" مثلاً الصادرة عن عالم فلكي تضع هذه الفكرة في طور (الظن برجحان صحتها) بالنسبة لغير المختصين وغير المباشرين لعلم الفلك، وهكذا سنجد أن النظر بهذه الطريقة لا يخدمنا هنا لتعلّقه بنسبية الإيمان لصفة الشخص: الإسلام في المثال الأول، أو تعلّقه بخبرة الشخص: عالم الفلك في المثال الثاني، ولأنها طريقة تُسقط بعض أطوار تطوّر الإيمان بالفكرة المستهدفة بالتأمّل هنا.

ويمكننا أن نتناول (دائرة الإيمان) بالنظر لسلوكنا مع الفكرة؛ فمثلاً يبدو لي أننا نقوم بسلوك "الإثارة الذهنية" التي هي أحد الاحتياجات الفطرية، فنحن نُثار ذهنياً بفطرتنا بل نحتاج لذلك! ثم أجد أن هذه الإثارة تنتقل إلى "اهتمام جادّ"، ثم يوجد "التساؤل"، ثم نقوم بسلوك "البحث" عن الإجابة وتقصّي الأفكار المُشبعة للسؤال، ثم "المقارنة" بين هذه الأجوبة/الأفكار، ثم "الحكم" عليها: هل نؤمن بها أم لا؟! ثم "الاختبار المستمر" هل نستمر في إيماننا بها أم لا، وهذا الاختبار المستمر نحتاج إليه أكثر كلما ظهر مُخالف أو مناقض للفكرة التي آمنّا بها أو لم نؤمن بها.

وهذا النظر للدائرة الإيمانية أفضل من السابق، لكنه لا يخدم النواحي التطبيقية التي أحب أن أشير إليها، والتي تحمل الرسالة التي أريد إيصالها كما تحملها الطريقة التي أريد انتهاجها وهي: النظر إلى "طبيعة حال الفكرة"، وهذا معروف لنا جميعاً؛ فإن الأفكار تنطلق وفق أحوالها إلى أطوارٍ هي على الترتيب: الشكوك، الأوهام، الظنون، اليقينيات، على فوارق يسيرة في التفريع على هذه الأطوار بين الباحثين، وإذ استخدم هنا لفظ "دائرة" فإن ذلك يعني أن الفكرة التي أتناول أطوارها ستمرّ بالطريق التالي: الشك، الوهم، الظن، اليقين، الظن الثاني، الوهم الثاني، الشك الثاني، ثم نقطة الصفر، وهي الجحود بالفكرة، نقطة: لكنني الآن لم أعد أؤمن! وهي التي تختلف عن قولنا: لا أؤمن! لذلك أردفت القطر الثاني للدائرة بلفظ: الثاني! فعندما تشك في فكرة ابتداءً ليس هو كالشك الذي تفعله بعد أن تؤمن بها؛ فالخبرة السابقة تلعب دوراً مؤثراً. ألا ترون ذلك؟

ما سبق ملمحٌ مهم لما سأتناوله في المقالات التالية إن شاء الله، لكن يهمني أن أختم هذا المقال التقديمي بالتأكيد على أهمية هذه الدائرة في حياتنا الفكرية؛ فإنه من الأكيد أن كل ماحولنا هو عبارة عن "أفكار" مطوّرة، هذا المصباح، وتلك اللعبة، وهذا الكتاب، وذلك الحزب والحركة السياسية، وهذه التحديات المعنوية في حياتنا هي أفكار مضادّة لآمالنا وطموحاتنا التي هي أيضاً أفكار، ومحطّ التكليف الشرعي للإنسان هو "العقل" مولّد وممحّص الأفكار؛ فالعقل هو الذي يصنع فارقاً حقيقياً بين إنسان معماري ماهر متقِـن(بكسر القاف) وبين عنكبوت يصنع بيتاً متقَناً (بفتح القاف). العقل الذي "يدور" بالأفكار هو الذي يجعلنا ننسب الإتقان للإنسان في الأول، وننسبه للبيت في الثاني!

تثبت الإحصائيات العلمية أن العقل يومياً يحوك بلايين الأفكار، لكن الإنسان لا يستثمر إلاّ العشرات منها! هذا المبدع، كما أن العناية بدرجات (أطوار) الأفكار يصنع فارقاً في أداء رسائلنا في هذه الحياة.

هل تجدون أنّه من العار على الإنسان أنه يؤمن بالجنة مثلاً بنفس الدرجة التي يؤمن بها بشهوته؟! لذلك دعونا نلتق مجدداً خلال المقال التالي: مزلق الأوهام!

شكراً للجميع.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أحمد مساءً 07:23:00 2010/03/21

    تناول جيّد وهدف نبيل ، واصلي بارك الله فيك

  2. 2 - ابو محمد مساءً 08:58:00 2010/03/21

    شكراً لك اختي

  3. 3 - حنصالى بن تاشفين مساءً 10:32:00 2010/03/21

    مقال جيد ورائع .. واريد ان ان اضيف بخصوص فكرة تم طرحها مع عنوان الدكتور بكار عن التفكير المجرد ..وبعد دراسة الفكرة جيدا وبنضرية الدائرة التى ذكرتموها وجدت ان التفكير المجرد شيئ والتفكير التلقائى شيئ اخر لا يلتقيا والاول لاسند له اما الثانى فله اطره العلمية ومعاييره الخاصة ..وربما الاخت الكريم لمحت لهذا الاسلوب فى التفكير اي التفكير التلقائى واوافقكم مئة بالمئة ان العقل بمجرد ان نطلق له العنان بمعايير وضوابط محددة مبرمجة وضمن مخطط الخارطة الذهنية تلقائيا هو بنفسه سيبدعنا وتصبح من سماته الابداع وعادة قد تصبح من بعد ادمان على الابداع والجديد .. لاكن الملفت وطبعا الحمد لله نضرب النخب العربية والحكوماتهم بملايين السنين الضلامية فى مهارات التفكير والابداع ..فهل التفكير التلقائى هو فلسفة جديدة لم يسبق لها ان تناولها انس ولا جان .. انا متاكد لو اقل لاي مثقف عربى تنطبق عليه سمات الثقافة ان نقول له ان العقل اذا ما برمج ودرب تلقائيا سيتحرك بمفرده وباستقلالية تامة ومسؤولية ايضا .. وعندى دليل على ان التفكير التلقائى مكمون فى نفسية الانسان من الصغر لاكن غير مفعل او متحكم فيه جيدا ..والدليل ان لى بنت مدللة جدا "سهيلة" لاتفارقنى ولا افارقها الا نادرا ولا اخفى انها تنام فى حضنى دائما قبل ان تحول للفراش والمدهش ان هته البنت جائت من بعدها بنت اخرى جميلة واسمها "شروق " الغريب ان "سهيلة" لاتتكلم الا الفاضا بابا وماما تغير كل شيئ فيها وصارت تنادينى بابايا وتشير الى نفسا باصبعها وكان ابوها ملكها لوحدها وصارت تضرب اختها الصغرى فى بعض الاحيان واكثر من مرة صارت تعض اختها وبات الحذر والخوف هاجسا بالنسبة لنا نحن والديهما .. والسؤال كيف تغير اسلوبها تجاه والدها واختها وكيف تبلور هذا الخوف بداخلها وهى ذات 3 سنوات ولا تحسن حتى الكلام ..ولو تفضلتم ما هو الحل بالنسبة لهته الاشكالية مع الابناء وهى طبعا موجودة بكثرة ..اتمنى من الاخوة المختصين ان ينصحوننا .

  4. 4 - نورة من السعودية مساءً 11:49:00 2010/03/21

    ننتظر "مزلق الأوهام"... بس نظرية الدائرة جديدة ومفيدة، و السؤال، هل الفكرة إذا وصلت مرحلة الجحود، أو الصفر الذي ابتدأت منه و انتهت إليه، هل هي نفسها الفكرة لم تتغير، أم أنها تغيرت بأسلوب مضاد أيا كان هذا الأسلوب؟ أرجو الإجابة..:)

  5. 5 - بدران مساءً 12:38:00 2010/03/22

    ممتاز منال قلم رشيق ومبروك وجودك هنا

  6. 6 - د. سليمان أبا الخيل مساءً 04:19:00 2010/03/22

    فاتن هذا المقال وجميل بدأت أعيد حساباتي بطريقة ما هل بطريقة الدائرة المقلوبة أم بذات الاتجاه نحتاج فعلا لهزة عقلية كهذا المقال للغوص في ذواتنا وماحولنا شكرا منال

  7. 7 - البركاتي مساءً 09:25:00 2010/03/22

    الحقيقة أن أمثال هذه المقالات تصيب بالإزعاج والتشويش الشديد. فما الذي يضيفه مثل هذا الكلام؟. بل إن سلبياته واضحة جدا فهو يطرح بين طياته تشكيكا في كل الحقائق مهما كانت بناء على المثال الساذج الذي بدأته الكاتبة. ويبدو لي أيضا بأن الاستشهاد بالآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى ليس في محله فمثلا تقول الكاتبة: "تبدو الفكرة المتكوّنة أو الصادرة عن نصّ قرآني أنّها تنطلق من طور: (اليقين بصحتها) بالنسبة للمسلمين لأنه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)" فهل تريد الكاتبة أن يراجع المسلمون قناعتهم بيقين ما ورد في هذه الآية الكريمة. والعجيب أن الكاتبة تقول "بالنسبة للمسلمين" فهل يتحدث بهذه الطريقة مسلم يعي ما يقول؟!. وإذا أردتم معرفة سلبيات هذا الكلام فانظروا إلى رد د. سليمان أبا الخيل. وأرجو من أصحاب هذا الموقع التنبه لمثل هذه المقالات.

  8. 8 - رائع يا البركاتى ًصباحا 02:14:00 2010/03/23

    فعلالارررررررائع اخى البركاتى حتى انا اصابنى المقال بالازعاج والتشويش الشديد لكن لم اعرف ان اعبر عن نفسى حتى رايت كلامك ..............

  9. 9 - البركاتي مساءً 12:06:00 2010/03/23

    وهنا ملاحظة هامة جدا أيضا تتعلق بالعنوان الذي اختارته الكاتبة وهو "لم أعد أؤمن". فنحن المسلمون لا نستخدم مصطلح الإيمان إلا فيما يتعلق بمسائل الدين والعقيدة. وبالتالي فيتبادر إلى ذهن القاريء مباشرة أن محتوى المقال يتحدث عن ترك الإيمان بالكلية أو ترك أحد جوانبه. وبالتالي فكأن المقال يتحدث عن الردة والكفر.

  10. 10 - شكراًَ مساءً 03:53:00 2010/03/23

    المقال جميل ورائع. وناضج فكرياً. فقط للتثبّت من أين للكاتبة الزعم بهذا: "وأننا عندما ندعو "اللهم ثبتّنا على الإيمان" فإننا نقصد الثبات على حال الإيمان لا على درجته" ؟

  11. 11 - مجرد زائرة ًصباحا 01:35:00 2010/03/31

    اتفق مع البركاتي وقرأت للكاتبة اكثر من مقال وكلها مشتتة فقط حروف مرتبة لايوجد ربط وكأني في ورشة تبا لهذه المثاليات التي بدت واضحة ..!

  12. 12 - MOhammed Tarawneh مساءً 05:12:00 2010/04/07

    Great graet great ;I like the way you are writting because you change alot in my life.

  13. 13 - Dr.Google مساءً 06:23:00 2010/04/16

    مقال أكثر من رأئع .. شكرا لك منال الي الامام ولن يفهم ماتكتبين الا اناس مازالت عقولهم تفـــــكر ..!!

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف