الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
لم أعد أؤمن(2)
مزلق الأوهام
الثلاثاء 21 ربيع الثاني 1431 الموافق 06 إبريل 2010
 
مزلق الأوهام

منال الزهراني

كنت قد تحدثت في المقال التقديمي السابق (لم أعد أؤمن) عن خط سيرٍ دائري نقود به أفكارنا بالنسبة لإيماننا بها، وهذا يشمل الأفكار من حيث هي أفكار بغض النظر عن تصنيفاتها، هذه الدائرة (دائرة الإيمان/الجحود) تنطلق بالفكرة من نقطة الشك إلى الوهم إلى الظن إلى اليقين، ثم يعود هذا اليقين متزعزعاً عبر الظن الثاني، فالوهم الثاني، فالشك الثاني، وهذا الشك بحد ذاته إنهيار لليقين، والذي قد ينتقل إلى الجحود وهي نقطة (لم أعد أؤمن)، الفكرة لا تنتقل اعتباطاً عبر هذه المراحل بل عبر منهجية عقلية سواء تعمدها الإنسان أو لا، وهذا هو الفارق الحقيقي بين إنسان مفكّر وآخر، وهو "الوعي" بأفكاره وتطوراتها.

-       مع الشك:

إذا علمنا أن الشك هو تساوي طرفي الإيجاب والسلب، أو تساوي درجتي الإيمان والكفر، فإن الفكرة تمر بمرحلة الشكّ مرتين (وفق الدائرة السابقة): المرة الأولى هي التي أقصدها هنا، وهي بسبب عدم وجود الفكرة في الذهن، وإن وجدت خارجة عنه، وهو الذي لا يكون معه أي معرفة بدلائل ثبوت الفكرة أو نفيها، ودرجتا الإيمان والكفر فيها هي درجة صفرية، فإن العقل السليم لا يسلّم بفكرة غير موجودة بتمامها في ذهنه ومعروف أن الحكم (الصحيح!) على الشيء فرعٌ عن التصوّر (الصحيح التام!) له، وهنا ترون أنني أساوي تماماً بين عدم وجود الفكرة في الذهن أصلاً وبين عدم تصورها بشكل صحيح وتام؛ فإن الأمر إذا لم يكن موجوداً على حقيقته في أذهاننا فهو غير موجود حكماً؛ فالفكرة إذن عند الشك بها شَكّاً أولياً تُتصوّر في ثلاث صور: عدميتها، تصوّرها بشكل خاطئ، تصوّرها بشكل ناقص. ودعونا نقف بإيجاز مع كل صورة:

-       عدمية الأفكار:

تصوّروا كم يمكن أن نخسر لو توقف عقل الإنسان عن إنتاج المزيد من الأفكار؟ سيتثلج التاريخ! ويجمد كل شيء ولن يتحرك سوى الزمن! غير أن هذه النتيجة تحدث فعلاً عند البعض على الرغم من استمرار الإنسان في إنتاج الأفكار وذلك لأنهم لا يفيدون من إنتاج غيرهم، ولا ينفتحون على عقول الآخرين، والأهم هم لا يهتمون بإنتاج الأفكار لأنفسهم ولغيرهم، هذا جليّ جداً في الأشخاص غير المستقلين والخاملين فكرياً، والأسوأ عندما لا يكتفي الإنسان بعدميّته فكرياً، بل يسلّم عقله لغيره، ويظل يمنح الآخرين تصاريح الانتفاع (الكمّي!) من عقله.

إنّ العقل آلة لا بد من تدريبها على إنتاج الأفكار ببحث المشكلات –مثلاً- وتلمّس حلولها، أو بتطوير حلول سابقة أو تغييرها وتبديلها. إن السؤال (لماذا) وحده – مثلاً- يفتح لنا أفقاً واسعاً من التأمّل، وكما أقول دائماً: لا تسأل عن الأشياء: لماذا هي كذلك فحسب، بل اسأل: ماذا لو لم تكن كذلك؟، إنّ التساؤل الدائم يمرّن العقل على بحث الأفكار وإنتاجها دون أن يكون هذا التساؤل منغلقاً على ذاته؛ فالانفتاح الذهني تجاه الأفكار و "أصحابها!" عامل أهم في تكوين المزيد من الأفكار.

-       التصور الخاطئ (المعدوم حكماً):

الخطأ العَرضي غير المقصود لذاته أو الأصلي في طبيعة البشر أمر مفروغ منه ومُقدّرٌ التجاوز عنه، والعقل مهما حاز من دُربة وفهم وحكمة يظل غير معصوم، وما أقصده هنا هو التسبب في هذا التصوّر الخاطئ، فمن حقّ الفكرة المعروضة على الذهن – أيّ فكرة – أن تُمنح الفرصة الكاملة في العرض، بالإضافة إلى أهمية الاستعداد العقلي لدينا لاستيعاب الفكرة كما هي، دون أن نحاول تحويرها أو التدخل في تصويرها، هكذا تشهّياً واتباعاً للهوى.

كثيراً ما نرى من يتأهب للردّ على محدِّثه انتصاراً للنفس، فيقوم بتشويه كل فكرة، وإن لم يستطع قام بإلحاق الفكرة بمقاصد سلبية للمتحدث، وكأنما شق عن صدره. إن الهوى لاعب أساسي و(رأس حربة) التصور الخاطئ المقصود، نعم الحياد المطلق تجاه الأفكار ليس مطلوباً لكن العدالة مفروضة! وأيضاً قد ينتج هذا التصور الخاطئ عن التقصير في تقصي حقائق الفكرة، وكل ذلك لا يمكن التجاوز عنه، فلا بد أن نتعامل مع الأفكار (بمسؤولية!).

-       التصوّر الناقص (المعدوم حكماً):

وأسباب ذلك متضمنة لما ذكرته سابقاً، غير أنني أؤكد على أن العقل البشري يظل قاصراً عن الإحاطة التامة، والتمام المقصود هنا: هو تصوّر تمام الأوصاف المؤثرة في الإيمان بالفكرة، فمن المهم أن يتحلّى عقل كل منا بصفة التجدّد التصوّري. لا بد أن نكون مستعدين (دائماً) لإعادة تشكيل تصوراتنا وفق الحقائق، وأن نملك الشجاعة الكافية للاعتراف بجهلنا بجزئيات الفكرة، ساعين لإتمام تصوّرنا عنها. ومن ثم الانتقال بها من خط الشك الصفري إلى الترجيح السلبي (الوهم)، أو ما يقابله (الظن).

-       إلى الأوهام:

وهو الميل إلى نفي الفكرة وعدم الإيمان بها، ويقابل كما نعرف "الظن" الذي هو: الميل إلى إثبات الفكرة والإيمان بها، ويكون ذلك بعد تحصيل معرفة غير قطعيّة تجاه الفكرة، وهنا قدّمت الأوهام وعنونت المقال باسمها؛ لأؤكد على أمر أراه هاماً جداً: يجب أن نكون حذرين تجاه تلقّف الأفكار، وأن يكون نفيها أقرب إلينا من إثباتها.. هل يبدو ذلك غريباً؟

إن نفي الفكرة ليس سيّئاً دائماً بل يدفعنا إلى المزيد من التساؤل، ويدفعنا لطلب المزيد من البراهين، تأمّلوا قول الله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)!! إنهم قطعاً ليسوا صادقين، وطلب برهانهم هنا ليس لزيادة معرفة، بل للمحاججة والإفحام، لكننا في مقامنا كبشر وفي تطبيقات أفكارنا الدنيوية نميل للنفي لزيادة المعرفة، أما الميل للإثبات (الظن) فالنفس بطبيعتها تميل للاستقرار، وهذا ما يوفره الظن لها جزئياً تطئمن لما تعرفه من صحة الفكرة وثبوتها مما يجعلها تكفّ عن طلب المزيد، وبالتالي – لمن تدبّر بعمق- يكون الانتقال بالفكرة من الوهم لليقين انتقالاً أقوى وأشد رسوخاً من الانتقال بها من الظن إلى اليقين! إن لم تنزلق مجدداً إلى الشك.

تهمّني هذه الإشارة التي أكتفي بها عن تحرير المزيد في هذا المقال.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- قارئ   |  
مساءً 05:24:00 2010/04/06
بالله أهذا مقال أم وهم هل جاء القرآن والسنة بهذا الأسلوب؟

2- وفاء   |  
مساءً 09:25:00 2010/04/06
بعض الاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصه ليس لديهم القدرة على التعلم العرضي غير المقصود , وليس ليهم القدرة على حل المشكلات نتساوى معهم في هذه المحكات, ترى كم نسبة احتياجاتنا الخاصه في التصور الناقص والتصور الخاطيء منال شكرا لدعوتك لي أعذب التحايا

3- يوسف الحسيني   |  
مساءً 09:31:00 2010/04/06
المقال جيد ، وأضيف بأننا التربية الأسرية لها دور كبير في كل هذه الأمور فلو كان التوجيه صحيحا كانت آثاره جيدة والعكس بالعكس.....ززز

4- ما احب الفلسفة   |  
ًصباحا 05:22:00 2010/04/07
ما احب الفلسفة لانها طلاسم تختلق المواقف وتحوم حول الافكار بطريقة معقدة بينما يمكننا الوصول الى الفكرة دون هذا الدوران اللي يحول شوكرا للكاتبة ولك تحيات بنت عمك الغامدي

5- 1   |  
ًصباحا 09:10:00 2010/04/07
مقال يحتاج إلى ترجمة...!

6- الدهيش   |  
مساءً 01:03:00 2010/04/07
رائع ومذهل ، قرأت الجزء الأول وأعجبني أيضاً ، وبانتظار البقية أنت تمارسين عمليات إنعاش على عقول أنهكها التقليد مقال فكري يثير النشوة الفكرية ... تابعي أستاذتي الفاضلة وشكرا للإسلام اليوم *ملاحظة: أعانك الله اخترتِ الطريق الصعب (التفكير) بين مجتمعات تربت على الإتباع كما ترين، لوكانت مقالاتك بالانجليزية ، لكان وكان! لكن كما قالها جيفارا: إن الطريق مظلم وحالك ، فإذا لم نحترق أنا وأنت فمن سينير الطريق؟

7- أعتز بأني امرأة !! والحمدلله على حسن اختياره!!   |  
مساءً 08:30:00 2010/04/07
مسكين يا رفيق العربي!! عقلك على قدك!! بس طيب انك تتكلم بصراحة تدين نفسك بها

8- حنصالى بن تاشفين   |  
مساءً 10:10:00 2010/04/07
الله عيكم الاخت الفاضلة قمة فى الروعة ..والله انى احلم او فى اليقضة فينا من يصل لهذا المستوى من الفكر والرقي والابداع .. واختى لو سمختى لى اثراء فقط بسيط بصفتى غارق فى هذه البلوة حتى النخاع ول اتقنت هذا المدخل الفكرى .. اولا لنعترف انه ليس بالسهل ما نتناوله شبكة متشابكة مليئة بالتناقضات وتبدوا كذالك لغياب عنصر الادراك او لطبيعة هذا المنهاج العلمى بتراكيبه البنيوية .. المهم ان نحسن تسيير ذواتنا وتاطيرها حتى نستطيع ان نتناول فكرة ما بكل اتريحية وبلا عقدة خوف من الاخر ونتعامل من منطلق الندية والاحترام .. اولا يجب ان نفتح فى ذواتنا حقلين الاول هو حقل الشيفرات المنطقية او مايجب ان تكون عليه الامور وهذا فى مرحلته الاخيرة عين اليقين وهذا الحقل منه تنطلق تصرفاتنا ومعتقداتنا واماننا واهدافنا او البوصلة التى نتحرك ضمن اتجاهاتها ..او اذا ختى ان تمت صناعتها باحترافية عالية من خبرات وتراكمات معرفية يمكن لها ان تكون بمثابة نافذة نطل من خلالها على المستقبل وتتشكل تلقائيا الصورة النمطية.. والثانية حقل الشك الذى ذكرتموه هذا الحقل للاسف الاغلبية من العالم العربى نسبح فيه لاسباب معروفة وامراض اجتماعية وراثية ومستحدثة وهى تبقى مجرد شكوك لاتبنى عليها الاحكام او التصرفات حتى تثبت مصداقيتها هذا عند العقلاء وليست العامة والاخيرة لاتستطيع ان تفرق بين الحقلين وجهاز الاستقبال لديها كمى او بالجملة .. تبقى نقطة اخيرة وهى القلب يبقى الانسان مطالب باحياء قلبه هذا القلب منبع الايمان والطاقات المتجددة وصلاحه هو صلاح للمنضومة الفكرية برمتها وفساده فساد للمنضومة برمتها ايضا وكل ما بالوجدان مبنى على سراب واوهام نتيجة خلل وامراض من منبع التفكير "القلب" ..مشكورة الاخت الكريمة والله يوفكم ..وللاخ العربى فى النهاية علقت .. وان كانت الرجولة مستفحلة فيكم فلتتخلى على امك او زوجتك ان استطعت ..اتحتقر امك التى لاتنام الليل من اجلك والزوجة التى تحمل جنون الرجل و ابناءه وهى تستمتع بذالك .. فى السابق كنا لانعرف قيمة المرءة لاكن حين تزوجنا ورزقنا بالاولاد عرفنا جيدا قيمة المرءة ومكانتها .

9- المصرى   |  
ًصباحا 11:16:00 2010/04/08
سبحان الله أخى "رفيق العربى" _بعيدعن صلب المقال_الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ بمشورة أمنا أم سلمة فى صلح الحديبية ،وأنت ..أنت!! لا ترى ذلك ، هلا فكرت كثيرأ ..بل أنا أظن_ظن اعتقاد_أن كثيرأ من الصحابيات كانت لهن آرائا تفوق آراء الرجال من الصحابة الكرام "وعدم الورود لايدل على عدم الوجود" واقرأ إن شئت "أعلام النساء فى عالمى العرب والإسلام"لعمر كحالة ، والكتاب من مطبوعات مؤسسة الرسالة فإن أبيت إلا الجمود على رأيك ولم تقنع بما قلت فإليك حجتى ودليلى ؛ أوقل هديتى إليك : كتاب "جامع أخبار النساء من سير أعلام النبلاء"طبع منذ خمسة سنين أظن فى مكتبة الرشد السعودية ترى فيه إن شاء الله ماتقر به عينك ويتهدى به قلبك ..ثم نصيحتى أن تراجع نفسك فى فهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ..أسأل الله أن يهدينى والجميع لما فيه الحق والخير

10- أبو عبد الكـــريم   |  
ًصباحا 12:41:00 2010/04/11
بودنا -أيهاالرفيق العربي- أن تعلق أوترد على مقال الأخت منال إن كان لديك أثارة من علم لنعرف أين تقع منزلتك خلف الأطفال والنساء أم أمامهم؟ مع أني في شك من الثانية وعلى كل حال قد أخطأت الطريق في فهمك لبعض النصوص، فهذه عائشة رضي الله عنها -على سبيل المثال لا الحصر- أفضل من كثير من الصحابة بل وأعلم منهم، كما أن الأخت منال في ظني أعلم منك بمراحل. ولعلك تراجع نفسك ولا تهرف بما لاتعرف !!

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم