الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
عائشة الطاهرة العفيفة
الثلاثاء 26 شوال 1431 الموافق 05 أكتوبر 2010
 
عائشة الطاهرة العفيفة

د. علي محمد الصلابي

عائشة أم المؤمنين هي الصديقة بنت الصديق أبي بكر عبد الله بن عثمان، وأمها أم رومان بنت عويمر الكنانية، وُلدت بعد المبعث بأربع سنوات أو خمس، تزوجها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي بنت ست، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى، وقيل في السنة الثانية من الهجرة، وهي المبرَّأة من فوق سبع سماوات، وكانت أحب أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق، فكان الأكابر من الصحابة، -رضي الله عنهم- أجمعين، إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها، وقد تُوفّي عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي في الثامنة عشرة من عمرها، وكانت وفاتها -رضي الله عنها- في سنة ثمان وخمسين ليلة السابع عشر من رمضان، وصلّى عليها أبو هريرة رضي الله عنه، ودُفنت في البقيع رضي الله عنها وأرضاها([1])، ومناقبها، رضي الله عنها، كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن وأرضاهن- منها:

1- مجيء الملك بصورتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة([2]) من حرير قبل زواجها به صلى الله عليه وسلم: فقد روى الشيخان من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فاكشف عن وجهك، فإذا أنت هي فأقول: إن يك هذا من الله يمضه([3]).

2- أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: وقد صرح بمحبتها لما سُئل صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه، فقد روى البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه على جيش ذات السلاسل([4])، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: فمن الرجال؟ قال: أبوها([5]). قال الحافظ الذهبي: وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان عليه الصلاة والسلام ليحبّ إلاّ طيبًا، وقد قال: «لو كنت متخذًا خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل»، فأحب أفضل رجل في أمته، وأفضل امرأة في أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضًا إلى الله ورسوله، وحبه عليه الصلاة والسلام لعائشة كان أمرًا مستفيضًا([6]).

3- نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها دون غيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام: فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: «يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل عليّ الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها»([7]). وقال الذهبي: وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها، وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها([8]).

4- أن جبريل -عليه السلام- أرسل إليها سلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم: فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا: «يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام»، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى – تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم-([9]).

5- بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بتخييرها عند نزول آية التخيير، وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة؛ فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم، فقد روى الشيخان بإسنادهما إلى عائشة، رضي الله عنها، قالت: لما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. قالت: وقد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله – جل ثناؤه- قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا). [الأحزاب:28، 29] قالت: فقلت: ففي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت([10]).

6- نزول آيات من كتاب الله بسببها، فمنها ما هو في شأنها خاصة ومنها ما هو للأمة عامة: فأما الآيات الخاصة بها والتي تدل على عظم شأنها ورفعة مكانتها شهادة الباري -جل وعلا- لها بالبراءة مما رميت به من الإفك والبهتان، وهو قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ). [النور:11] إلى قوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّؤونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ). [النور:26]. قال ابن القيم: ومن خصائصها أن الله سبحانه وتعالى برّأها مما رماها به أهل الإفك، وأنزل في عذرها وبراءتها وحيًا يُتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة، وشهد لها بأنها من الطيبات، ووعدها المغفرة والرزق الكريم. وأخبر سبحانه وتعالى أن ما قيل فيها من الإفك كان خيرًا لها، ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شرًا لها ولا خافضًا من شأنها، بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها، وصار لها ذكرًا بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها! وتأمّلْ هذا التشريف والإكرام الناشئ عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت: لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رؤيا يبرئني الله بها([11]). فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تعلم أنها بريئة منه مظلومة، وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها، وقد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الهأ صلى الله عليه وسلم([12]). قال ابن كثير: ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان غار الله فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تُتلى على الزمان.. وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها([13]).وأما ما نزل بسببها من الآيات وهي للأمة عامة فآية التيمم وكانت رحمة وتسهيلاً لسائر الأمة، فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة، رضي الله عنها، أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناسًا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلاّ جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرًا([14]).

7- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يمرض في بيتها: فقد كانت وفاته صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها وفي يومها، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا، وأول ساعة من الآخرة، ودفن في بيتها([15])، فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: أين أنا غدًا؟ حرصًا على بيت عائشة، قالت: فلما كان يومي سكن([16])، وعند مسلم عنها أيضًا قالت: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتفقد يقول: «أين أنا اليوم، أين أنا غدًا؟» استبطاء ليوم عائشة، قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري([17])، وروى البخاري أيضًا بإسناده عنها: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول: «أين أنا غدًا، أين أنا غدًا؟» يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه بأن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها. قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري، وخالط ريقه ريقي، ثم قالت: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه مسواك يستن به، فنظر إليه رسول الله، فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقصمته، ثم مضغته، فأعطيته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستن به، وهو مستند إلى صدري. وفي رواية أخرى بزيادة: فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة([18]).

8- إخباره صلى الله عليه وسلم بأنها من أصحاب الجنة: فقد روى الحاكم بإسناده إلى عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، من أزواجك في الجنة؟ قال: أما إنك منهن؟ قالت: فخُيّل إليّ أن ذاك أنه لم يتزوج بكرًا غيري([19]). وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين، تقدمين على فرط صدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أبي بكر([20]). وفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة، رضي الله عنها، حيث قطع لها بدخول الجنة؛ إذ لا يقول ذلك إلاّ بتوقيف([21]).

9- فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام: ما رواه الشيخان بإسنادهما إلى عبد الله بن عبد الرحمن أنه سمع أنس بن مالك -رضي الله عنه- يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»([22]).قال النووي: قال العلماء: معناه: أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق، فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه، والمراد بالفضيلة نفعه والتشبع منه وسهولة مساغه، والالتذاذ به وتيسر تناوله، وتمكن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك، فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة، وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة. وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء هذه الأمة([23]).

هذه بعض الأحاديث التي أشارت إلى فضل السيدة عائشة ومكانتها وسبقها؛ وعلو شأنها في الدين، وعظيم مكانتها، ومع هذا فقد تعرضت السيدة عائشة أم المؤمنين للطعن والتجريح والكذب والافتراء من قبل الشيعة الرافضة ومن تأثر برواياتهم المختلفة، وآثارهم الموضوعة، وجاؤوا لآثار صحاح، وأحاديث مسندة صحيحة وأوّلوها على غير حقيقتها ومرادها، كما فعل ذلك صاحب كتاب «ثم اهتديت» وهو لم يأت بجديد، وإنما سار على منهج أسلافه ممن سبقوه من الشيعة الروافض، وطعن في أم المؤمنين عائشة بقول عمار: والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم بها ليعلم إياه تطيعون أم هي([24]). وليس في قول عمار هذا ما يطعن به على عائشة – رضي الله عنها – بل فيه أعظم فضيلة لها، وهي أنها زوجة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، فأي فضل أعظم من هذا؟! فإن غاية كل مؤمن رضا الله والجنة، وعائشة – رضي الله عنها – قد تحقق لها ذلك بشهادة عمار – رضي الله عنه – الذي كان مُخالفًا لها في الرأي في تلك الفتنة، وأنها ستكون في  أعلى الدرجات في الجنة بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم([25])، وبهذا قد جاء الحديث الصحيح المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، على ما روى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة – رضي الله عنها – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة؟ قالت: بلى والله، قال: فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة([26]). فيكون هذا الحديث من أعظم فضائل عائشة – رضي الله عنها – ولذا أورد البخاري الأثر السابق عن عمار في مناقب عائشة رضي الله عنها([27])، وأما قوله في الجزء الأخير من الأثر: ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها([28]). فليس بمطعن على أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – وبيان ذلك من وجوه:

أ- أن قول عمار هذا يمثل رأيه، وعائشة – رضي الله عنها – ترى خلاف ذلك، وأن ما هي عليه هو الحق، وكل منهما صحابي جليل، عظيم القدر في الدين والعلم، فليس قول أحدهما حجة على الآخر([29]).

ب- أن غاية ما في قول عمار هو مخالفتها أمر الله في تلك الحالة الخاصة، وليس كل مخالف مذمومًا حتى تقوم عليه الحجة بالمخالفة ويعلم أنه مخالف، وإلاّ فهو معذور إن لم يتعمد المخالفة، فقد يكون ناسيًا أو متأوّلاً فلا يُؤخذ بذلك.

جـ- أن عمارًا – رضي الله عنه – ما قصد بذلك ذم عائشة ولا انتقاصها، وإنما أراد أن يبين خطأها في الاجتهاد نصحًا للأمة، وهو مع هذا يعرف لأم المؤمنين قدرها وفضلها([30])، وقد جاء في بعض روايات هذا الأثر عن عمار أن عمارًا سمع رجلاً يسبّ عائشة، فقال: اسكت مقبوحًا منبوذًا، والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها([31]). وأما قول الشيعة الروافض؛ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام خطيبًا، فأشار نحو مسكن عائشة فقال: ههنا الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان، وطعنهم على عائشة – رضي الله عنها- بذلك، وزعمهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أراد أن الفتنة تخرج من بيتها. فهذا الكلام فيه تضليل وقلب للحقائق، وتدليس على من لا علم عنده من العامة، وذلك بتفسيره قول الراوي: فأشار (نحو مسكن عائشة) على أن الإشارة كانت لبيت عائشة وأنها سبب الفتنة، والحديث لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه، وهذه العبارة لا تحتمل هذا الفهم عند من له أدنى معرفة بمقاصد الكلام، فإن الراوي قال: أشار نحو مسكن عائشة، ولم يقل: إلى جهة مساكن عائشة، والفرق بين التعبيرين واضح وجليّ، وهذه الرواية التي ذكرها أخرجها البخاري في كتاب فرض الخمس([32])، وهذا الحديث قد جاء مخرجًا في كتب السنة من الصحيحين وغيرهما من عدة طرق وبأكثر من لفظ، وجاء النص فيها على البلاد المشار إليها بما يدحض دعوى الشيعة الروافض، ويغني عن التكلف في الردّ عليهم بأي شيء آخر، وها هي ذي بعض روايات الحديث من عدة طرق عن ابن عمر – رضي الله عنهما -، فعن ليث عن نافع عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مستقبل المشرق يقول: «ألا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان»([33])، وعن عبيد بن عمر قال: حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: «الفتنة من حيث يطلع قرن([34]) الشيطان». قالها مرتين أو ثلاثًا، وعن سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وهو مستقبل المشرق: «ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا، ها إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان»([35]). وفي هذا الروايات تحديد صريح للجهة المشار إليها وهي جهة المشرق، وفيها تفسير للمقصود بالإشارة في الرواية التي ذكرها الشيعة الروافض([36])، كما جاء في بعض الروايات الأخرى للحديث تحديد البلاد المشار إليها، فعن نافع عن ابن عمر قال: ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا: يا رسول الله وفي نجدنا([37])، فأظنه قال في الثالثة: هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان([38]).

وعن سالم بن عبد الله بن عمر أنه قال: يا أهل العراق، ما أسألكم عن الصغيرة وأَرْكَبكم للكبيرة، سمعت أبي عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الفتنة تجيء من ههنا وأوْمَأ بيده نحو المشرق، من حيث يطلع قرنا الشيطان([39]). وفي بعض الروايات جاء ذكر بعض من يقطن تلك البلاد من القبائل ووصف حال أهلها، فعن أبي مسعود قال: أشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده نحو اليمن فقال: «ألا إن الإيمان ههنا، وإن القسوة وغلظ القلب في الفدادين([40])، وعند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر»([41]). فدلت هذه الروايات دلالة قطعية على بيان مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- من قوله: الفتنة (ههنا) وأن المقصود بذلك بلاد المشرق، حيث جاءت الروايات مصرحة بهذا، كما جاء في بعضها وصف أهل تلك البلاد وتعيين بعض قبائلها، مما يظهر به بطلان ما ادّعى الشيعة الروافض من أن الإشارة كانت إلى بيت عائشة، فإن هذا قول باطل، ورأى ساقط، لم يفهمه أحد، وما قال به سوى الشيعة الروافض([42]).

10- المفاضلة بين عائشة وخديجة وفاطمة رضي الله عنهن: قال ابن تيمية: وأفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة، وفي تفضيل بعضهن على بعض نزاع([43])..وسُئل ابن تيمية عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين أيهما أفضل؟ فأجاب: بأن سبق خديجة وتأثيرها في أول الإسلام ونصرها وقيامها في الدين لم تشاركها فيه عائشة ولا غيرها من أمهات المؤمنين، وتأثير عائشة في آخر الإسلام وحمل الدين وتبليغه إلى الأمة وإدراكها من العلم ما لم تشاركها فيه خديجة ولا غيرها مما تميزت به عن غيرها([44])، وقال ابن حجر: وقيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة، وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة([45])، وقال في شرح حديث أبي هريرة أن جبريل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يقرئ خديجة السلام من ربها وفيه قال السهيلي: استدل بهذه القصة أبو بكر بن داود على أن خديجة أفضل من عائشة؛ لأن عائشة سلم عليها جبريل من قبل نفسه، وخديجة أبلغها السلام من ربها، وزعم ابن العربي أنه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة، ورد بأن الخلاف ثابت قديمًا، وإن كان الراجح أفضلية خديجة بهذا وبما تقدم([46]). عند التحقيق والنظر في النصوص الواردة في تفضيل كل واحدة منهن – رضي الله عنهن- نجد أنها تدل على أفضلية خديجة وفاطمة ثم عائشة رضي الله عنهن، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لقد فضلت خديجة على نساء أمتي»([47])، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية»([48])، قال ابن حجر: وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل([49])، وقال صلى الله عليه وسلم: «حسبك من نساء العالمين: مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون»([50]).وهذا نص في أن خديجة -رضي الله عنها- أفضل نساء الأمة، ثم إن اللفظ الوارد في تفضيل فاطمة -رضي الله عنها- وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟» ([51]). وفي لفظ:«سيدة نساء أهل الجنة»([52])، فهو صريح لا لبس فيه ولا يحتمل التأويل، وهو نص في أنها أفضل نساء الأمة وسيدة نساء أهل الجنة، وقد شاركت أمها في هذا التفضيل فهي وأمها أفضل نساء أهل الجنة، وهي وأمها أفضل نساء الأمة، بهذا وردت النصوص([53])، وأما ما ورد في تفضيل عائشة، رضي الله عنها، في قوله صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» فهو لفظ لا يستلزم الأفضلية المطلقة كما قال ابن حجر([54]): وليس فيه تصريح بأفضلية عائشة، رضي الله عنها، على غيرها؛ لأن فضل الثريد على غيره من الطعام إنما هو لما فيه من تيسير المؤونة وسهولة الإساغة، وكان أجلَّ طعمتهم يومئذ، وكل هذه الخصال لا تستلزم ثبوت الأفضلية له من كل وجهة، فقد يكون مفضولاً بالنسبة لغيره من جهات أخرى([55]). فالحديث إذًا دال على أفضلية عائشة، رضي الله عنها، على سائر نساء هذه الأمة ماعدا خديجة وفاطمة، رضي الله عنهما، لورود الدليل على ذلك مما قيد تلك الأفضلية لعائشة، رضي الله عنها([56])، وأما ما ورد من حديث عمرو بن العاص لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي النساء أحب إليك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: عائشة([57]). فقد أشار ابن حبان إلى أنه مقيد في نسائه صلى الله عليه وسلم؛ إذ عقد عنوانًا في صحيحة فقال: ذكر خبر وهم في تأويله من لم يحكم صناعة الحديث، وساق تحته حديث عمرو بلفظ: قلت: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: إني لست أعني النساء وإنما أعني الرجال، فقال: أبو بكر أو قال: أبوها. ثم قال ابن حبان: أذكر الخبر الدال على أن مخرج السؤال كان عن أهله دون سائر النساء من فاطمة وغيرها، وأخرج بسنده عن أنس قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة قيل له: ليس عن أهلك نسألك، قال: فأبوها([58]). وبهذا يتبين أن عائشة تلي خديجة وفاطمة في الفضل، رضي الله عنها. إذًا فكل ما ورد من دليل على عموم تفضيلها رضي الله عنها مقيد بالنص الوارد في خديجة وفاطمة، رضي الله عنهما، ولا ينكر أن لعائشة، رضي الله عنها، من الفضائل كالعلم مثلاً ما تختص به عن خديجة وفاطمة رضي الله عنهن، إلاّ أنه لا يلزم من ثبوت خصوصية شيء من الفضائل ثبوت الفضل المطلق([59])، وعلى كل حال فليس فضل إحداهن على الأخرى بمطعن على المفضولة، بل في هذا أكبر دليل على علوّ مكانة هؤلاء النساء الثلاث فاطمة وخديجة وعائشة رضي الله عنهن؛ حيث إن الخلاف لم يخرج عنهن في أنهن أفضل نساء الأمة، فما الذي يضر أم المؤمنين عائشة لو كانت ثالثة نساء الأمة في الفضل؟! وهل هذا مدعاة لاحترامها وتقديرها أم للنيل منها والطعن فيها، كما يفعل الشيعة الروافض؟! ([60]).

* هل استباحت السيدة عائشة أم المؤمنين قتال المسلمين في معركة الجمل؟: قد تقدم أنها ما خرجت لذلك وما أرادت القتال، وقد نقل الزهري عنها أنها قالت بعد موقعة الجمل: إنما أريد أن يحجز بين الناس مكاني، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال، ولو علمت ذلك لم أقف ذلك الموقف أبدًا([61]). وهذا القول بأن السيدة عائشة استباحت قتال المسلمين باطل لا يثبت أمام الروايات الصحيحة التي بينت أن عائشة ما خرجت إلاّ للإصلاح كما مر معنا، وإنما هذه الأقوال من الروايات التي وضعتها الشيعة الروافض، والتي شوّهت تاريخ صدر الإسلام، وجعلت مما حدث بين علي وطلحة والزبير وعائشة -رضي الله عنهم- حربًا أهلية، وتأثر بعض الباحثين بتلك الروايات حتى قال بعضهم: وأسرت عائشة، ويصورون المسألة كحرب أهلية مخطط لها، وهو قول طبيعي من باحثين لا يستقون معلوماتهم في هذا الشأن إلاّ من الروايات المقدوحة، ومن المصادر غير الموثوق بها مثل الإمامة والسياسة، والأغاني، ومروج الذهب، وتاريخ اليعقوبي، بل وتاريخ التمدن الإسلامي لجورجى زيدان([62]).

* هل يصح هذا الحديث: تقاتلين عليًا وأنت له ظالمة؟ إنه لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبة أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعًا، فإن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين الناس.. لا قاتلت ولا أمرت بقتال، هكذا ذكر غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار([63]).

* أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- يردّ عائشة إلى مأمنها معززة مكرمة: جهز أمير المؤمنين علي عائشة بكل شيء ينبغي لها من مركب وزاد ومتاع، وأخرج معها من نجا ممن خرج معها إلاّ من أحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات وقال: تجهز يا محمد «ابن الحنفية»، فبلغها، فلما كان اليوم الذي ترتحل فيه جاءها حتى وقف لها، وحضر الناس، فخرجت على الناس، وودعوها وودّعتهم وقالت: يا بني، تعتب بعضنا على بعض استبطاء واستزادة، فلا يعتدين أحد منكم على أحد بشيء بلغه من ذلك، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القديم إلاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الأخيار.. وقال علي: يا أيها الناس، صدقت والله برّت، ما كان بيني وبينها إلاّ ذلك، وإنها لزوجة نبيك صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة. وخرجت يوم السبت لغرة رجب سنة ست وثلاثين، وشيعها عليّ أميالاً وسرح بنيه معها([64]) يومًا. وبتلك المعاملة الكريمة من أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- نراه قد اتبع ما أوصاه به نبي الأمة -صلى الله عليه وسلم- عندما قال له: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر. قال: أنا يا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أنا؟ قال: نعم. قلت: فأنا أشقاهم يا رسول الله. قال: لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها»([65]). وقد خالف الصواب من ظن أن خروج أم المؤمنين إلى البصرة كان لشيء في نفسها من علي -رضي الله عنه- لموقفه منها في حديث الإفك حين رماها المنافقون بالفاحشة فاستشاره النبي -صلى الله عليه وسلم- في فراقها. فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك([66]). وهذا الكلام الذي قاله علي إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي صلى الله عليه وسلم، لِما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان شديد الغيرة، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويُستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهاب أشدها([67]). قال النووي: رأى علي أن ذلك هو  المصلحة في حق النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة، لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه وسلم([68]). وعلي -رضي الله عنه- لم ينل عائشة رضي الله عنها بأدنى كلمة يفهم منها أنه قد عرض بأخلاقها أو تناولها بسوء، فإنه على الرغم من قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: لم يضيق الله عليك([69])، إلاّ أنه عاد فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ناصحًا: وسلِ الجارية تصدقك([70]). فهو قد دعاه إلى التحري أولاً قبل أن يفارقها، أي أنه قد رجع عن نصيحته الأولى بالمفارقة إلى نصيحة أخرى بسؤال الجارية، وتحري الحقيقة([71])، وقد سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجارية التي كانت أكثر التصاقًا بعائشة، فأكدت أنها ما علمت من أمر عائشة إلاّ خيرًا، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه الذي سأل فيه الجارية، واستعذر من عبد الله بن أبي قائلاً: يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيرًا([72]). لقد كانت نصيحة علي في صالح عائشة، فقد ازداد صلى الله عليه وسلم قناعة بما علم من خير في أهله([73]). ولم يكن موقف علي في حادثة الإفك هو الذي جعل عائشة تغضب منه -رضي الله عنه- لأجله، أو تحقد الحقد الذي يجعلها تتهمه زورًا بقتل عثمان، وتخرج عليه مؤلبة الأعداد الهائلة من المسلمين، كما زعم كثير من الباحثين ممن تورط في روايات الشيعة الرافضة التي لفقوها ووضعوها.

* ندمهم على ما حصل منهم: قال ابن تيمية:..وهكذا عامة السابقين، ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزّبير وعليّ وغيرهم، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم([74]).

أ- فأمير المؤمنين علي ورد عنه عندما نظر وقد أخذت السيوف مأخذها من الرجال، أنه قال: لوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة([75]).

ب- وروى نعيم بن حماد، بسنده إلى الحسن بن علي، أنه قال لسليمان بن صرد: لقد رأيت عليًا حين اشتد القتال وهو يلوذ بي، ويقول: يا حسن، لوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة([76]).

جـ- وعن الحسن بن علي قال: أراد أمير المؤمنين علي أمرًا، فتتابعت الأمور، فلم يجد منزعًا([77]).

د- وعن سليمان بن صرد، عن الحسن بن علي أنه سمع عليًا يقول – حين نظر إلى السيوف قد أخذت القوم-: يا حسن، أكل هذا فينا؟ ليتني مت قبل هذا بعشرين أو أربعين سنة([78]).

هـ- وأما عائشة: فقد ورد عنها أنها كانت تقول حين تذكر وقعة الجمل: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي، وكان أحب إليّ أن أكون ولدت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعة عشر، كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومثل عبد الله بن الزبير([79]).

و- وكانت إذا قرأت قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) [الأحزاب:33] تبكي حتى تبل خمارها([80]).

ز- قالت عائشة: وددت أن لو كان لي عشرون ولدًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأني ثكلتهم، ولم يكن ما كان مني يوم الجمل([81]).

حـ- قال ابن تيمية: فإن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنّت أنّ خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أنّ ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلّ خمارها، وهكذا عامّة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعليّ وغيرهم، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم([82]).

ط- قال الذهبي: ولا ريب أن عائشة ندمت ندمة كلية على مسيرها إلى البصرة، وحضورها يوم الجمل، وما ظّنت أن الأمر يبلغ ما بلغ([83]).

([1]) سير أعلام النبلاء (2/135- 201) طبقات ابن سعد (8/58)، البداية والنهاية (8/95).

([2]) أي في قطعة من جيد الحرير، انظر: النهاية لابن الأثير (2/362).

([3]) مسلم رقم (2438).

([4]) مأخوذ من السلسل وهو العذب الصافي من الماء، والنهاية لابن الأثير (2/389).

([5]) البخاري رقم (4358).

([6]) سير أعلام النبلاء (2/143).

([7]) البخاري رقم 3775، ك فضائل الصحابة.

([8]) سير أعلام النبلاء (2/143).

([9]) البخاري، ك فضائل الصحابة رقم 3768.

([10]) البخاري، ك التفسير رقم (4789).

([11]) البخاري رقم (4141).

([12]) جلاء الإفهام: ص(124، 125).

([13]) البداية والنهاية (8/95)، تفسير القرآن العظيم (3/268).

([14]) البخاري، رقم (336).

([15]) سير أعلام النبلاء (2/189)، البداية والنهاية (8/95).

([16]) البخاري، ك فضائل الصحابة رقم (3774).

([17]) مسلم، ك الصحابة رقم (2443).

([18]) البخاري، رقم (4450، 4451).

([19]) المستدرك (4/13) صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

([20]) البخاري، رقم (3771).

([21]) فتح الباري، (7/108)، العقيدة في أهل البيت: ص(95).

([22]) البخاري، رقم 3770.

([23]) شرح صحيح مسلم (15/208، 209).

([24]) البخاري، ك فضائل الصحابة رقم (3772).

([25]) الانتصار للصحب والآل ص: (448).

([26]) المستدرك (4/10)، الصحيح المسند لمصطفى العدوى: ص(356).

([27]) البخاري رقم (3772).

([28]) البخاري رقم (3772).

([29]) الانتصار للصحب والآل: ص(448).

([30]) الانتصار للصحب والآل: ص(450، 451).

([31]) البداية والنهاية (7/248).

([32]) البخاري رقم (3104).

([33]) البخاري رقم (7093)، مسلم رقم (2905).

([34]) مسلم، ك الفتن (4/2229).

([35]) مسلم، ك الفتن (4/2229).

([36]) الانتصار للصحب والآل: ص(453).

([37]) نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق.

([38]) البخاري رقم (7095).

([39]) مسلم، ك الفتنة من المشرق (4/2229).

([40]) الفدادون: الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم.

([41]) البخاري رقم (3302)، الانتصار للصحب والآل ص(455).

([42]) الانتصار للصحب والآل: ص(455).

([43]) مجموع الفتاوى (4/394).

([44]) المصدر نفسه (4/393).

([45]) فتح الباري (7/109).

([46]) فتح الباري (7/139).

([47]) فتح الباري (7/135)، مجمع الزوائد (9/223).

([48]) الإحسان لابن حبان (9/73)، صحيح الجامع للألباني (1/371).

([49]) فتح الباري (7/135).

([50]) فضائل الصحابة (2/755) رقم (1325) وصححه الألباني في تخريج المشكاة (3/1745).

([51]) البخاري رقم (6285).

([52]) فتح الباري (7/105).

([53]) العقيدة في أهل البيت: ص(97).

([54]) فتح الباري (7/107).

([55]) المصدر نفسه (6/447).

([56]) العقيدة في أهل البيت: ص(97).

([57]) البخاري رقم (4358).

([58]) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (9/11).

([59]) فتح الباري (7/108)، العقيدة في أهل البيت: ص(98).

([60]) الانتصار للصحب والآل: ص(461).

([61]) المغازى للزهري: ص(154).

([62]) انظر: دراسة وتحليل للعهد النبوي الأصيل، محمد جميل، الحزبية السياسية، رياض عيسى، الحريم السياسي، النبي والنساء، الدولة العربية فلهاوزن، نقلاً عن دور المرأة السياسي، ص(442).

([63]) منهاج السنة (2/185).

([64]) تاريخ الطبري (5/581).

([65]) مسند أحمد (6/393) إسناده حسن.

([66]) البخاري رقم (4786).

([67]) دور المرأة السياسي: ص(462).

([68]) شرح النووي على صحيح مسلم (5/634).

([69]) البخاري رقم (4786).

([70]) البخاري رقم (4786).

([71]) دور المرأة السياسي: ص(462).

([72]) البخاري رقم (4786).

([73]) دور المرأة السياسي: ص(462).

([74]) المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال، ص(222).

([75]) الفتن لنعيم بن حماد (1/80).

([76]) الفتن لنعيم بن حماد (1/80).

([77]) المصدر نفسه (1/81).

([78]) أحداث وأحاديث فتنة الهرج. ص(217).

([79]) الفتن، نعيم بن حمّاد (1/81).

([80]) سير أعلام النبلاء (2/177)، الطبقات (8/81).

([81]) التمهيد للباقلاني: ص(232)، عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان من نبلاء الرجال، وهو من أشرف بني مخزوم، توفي قبل معاوية.

([82]) المنتقى من منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض: ص(222، 223).

([83]) سير أعلام النبلاء (2/177).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- مـــــــــــــجـــــــــاهــده   |  
مساءً 04:58:00 2010/10/05
رضي الله عنك وارضاك يا امي...والله انك لتاج رؤسنا...وجزى الله الكاتب الصلابي كل خير...خاصة في ايراد ماروي عن الشيعه في ذم عائشه الصديقه والشبه التي اثاروها عليها...مره اخرى استفدت الكثير من مقالك الرائع د محمد...اسأل الله ان يجزيك بكل حرف اجرا..

2- محمد رفيق العربي   |  
مساءً 06:36:00 2010/10/05
في يقين يقيني ان امنا عائشة ام المؤمنين -رضي الله عنها- هي الان في جنة الفردوس مع زوجها النبي الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي احبها بعطف ودفءوهي التي احبته في حياته ومماته بعقلها وقلبها بصدق ويكفي عائشة -رضي الله عنها- ان من يسلم لايصدق في اسلامه حتى يسلم ان عائشة امه حقا وليس مسلما من يعق امه فيسبها او يطعن فيها فان عقها فالنار بالمرصاد مثواه واي مثوى -اعاذنا الله من النار- صحيح ان افضل النساء فاطمة الزهراء لانها بضعة منه ثم خديجة ثم عائشة ولكني احسب ان الله يسالني يوم القيامة عن حبهن واحترام مقامهن لمكانهن منه -صلى الله عليه وسلم-والترضي عنهن ولن يسالني عن ايهن افضل لاني مسكين على الله لااعرف أإلى الجنة اصير فاكون مع المؤنين ام الى النار اسير فاكون مع المجرمين وانا حقا دوما أسال الله تعالى ان ينفعني ببركة عباده الصالحين من رسله وانبيائه واوليائه وعندي ان عائشة ولية من اولياء الصالحين ولما احافظ على الصلوات فاؤديها على وقتها بخشوع لاسيما صلاة الصبح عند الفجر ولما التزم عند الاوامر والواجبات وانتهي عند النواهي فلا اتعداها اشعر حقا اني احب عائشة وانها حقا امي لاني اعرف انها لن ترضى ان تكون اما للعصاة والفاسقين انها عائشة ام الصالحين والاتقياء والمستغفرين بالاسحار اللهم انفعنا ببركة عائشة ام المؤمنين واجعنا صالحين حتى تكون لنا اما

3- أم عثمان   |  
مساءً 11:36:00 2010/10/05
بارك الله فيك شيخ الصلابي على هذا التوضيح القيم والسرد التاريخي النقي والموثق لسيرةأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سموات الطاهرة الفقيهة حبيبة حبيب الله التي لم يحب الرسول صلى الله عليه وسلم امرأة مثلها ، الفقيهة و العالمة بالدين والطب والشعر ولا يوجد في الأمة امرأة مطلقا أعلم منها ، وفوق كل هذه الصفات الخلقية العظيمة فقد كانت امرأة جميلة ،ومن ثم يقال لها: "الحميراء"معناها (البيضاء بشقرة) أحب كل أمهات المؤمنين وحبي لعائشة خاصة له مكانة في قلبي وأحب كل بنات الرسول صلى الله عليه وسلم فهن قدوة كل امرأة مسلمة في كل زمان ومكان أسأل الله أن يحشرنا مع النبي وأزواجه وذريته وصحابته اجمعين في جنات الفردوس أمين وختاما أهدي هذه القصيدة التي كتبها الشيخ عائض القرني انتصارا لأمنا من الذي أساء لها يا أمنا، أنتِ أنتِ ذروة الكرمِ وأنتِ أوفى نساء العُرْب والعجمِ يا زوجة المصطفى، يا خير من حملت نور النبوة والتوحيد من قدمِ أنتِ العفاف فداك الطهر أجمعه أنت الرضى والهدى يا غاية الشَّممِ نفديك يا أمنا، في كل نازلةٍ من دون عِرْضِك عرضُ الناس كلهمِ وهل يضر نباحُ الكلب شمسَ ضحى لا والذي ملأ الأكوان بالنعم الله برَّأها والله طهرها والله شرفها بالدين والشِّيمِ الوحي جاء يزكِّيها ويمدحُها تباً لنذلٍ حقيرٍ تافهٍ قزمِ والله أغيرُ من أن يرتضي بشراً لعشرة المصطفى في ثوب متَّهمِ في خِدْرها نزلت آياتُ خالقنا وحياً يبدِّد ليلَ الظُّلمِ والظُلَمِ عاشت حَصَاناً رَزَاناً همها أبداً في الذكر والشكر بين اللوح والقلمِ صديقةٌ يُعرف الصِّديقُ والدُها صان الخلافةَ من بغْيٍ ومن غشمِ مصونة في حمى التقديس ناسكةً من دون عِزِّتها حربٌ وسفك دمِ محجوبةٌ بجلال الطُّهر صيّنةٌ أمينة الغيب في حِلٍّ وفي حرمِ كل المحاريب تتلو مدحها أبداً كل المنابر من روما إلى أرمِ وكلنا في الفدا أبناء عائشةٍ نبغي الشهادة سبّاقين للقممِ مبايعين رسولَ الله ما نكثت أيماننا بيعةَ الرِّضوان في القسمِ يا أمنا، قد حضرنا للوغى لُجباً نصون مجدكِ صونَ الجندي للعلمِ عليك منا سلام الله نرفعه بنفحة المسك بينَ السِّدر والسَلمِ لا بارك الله في الدنيا إذا وهنت منا العزائمُ أو لم نوفِ للقممِ فالموتُ أشرفُ من عيشٍ بلا شرف والقبرُ أكرمُ من قصرٍ بلا كرمِ

4- أم عثمان   |  
ًصباحا 01:13:00 2010/10/06
توضيح للقصيدة***ياأمنا أنت أنت ذروة الكرم**وأنت أوفى نساء العرب والعجم**يازوجة المصطفى ياخير من حملت **نور النبوة والتوحيد من قدم **أنت العفاف فداك الطهر أجمعه**أنت الرضى والهدى ياغاية الشمم**نفديك ياأمنا في كل نازلة**من دون عرضك عرض الناس كلهم**وهل يضر نباح الكلب شمس ضحى**لا والذي ملأ الأكوان بالنعم**الله برأها والله طهرهاوالله شرفهابالدين والشيم**الوحي جاء يزكيها ويمدحها**تبا لنذل حقير تافه قزم**والله أغيرمن أن يرتضي بشرا لعشرة المصطفى في ثوب متهم **في خدرها نزلت آيات خالقنا وحيا يبدد ليل الظلم والظلم**عاشت حصانارزانا همما أبدا** في الذكروالشكر بين اللوح والقلم**صديقة يعرف الصديق والدها**صان الخلافة من بغي ومن غشم**مصونة في حمى التقديس ناسكة**من دون عزتها حرب وسفك دم**محجوبة بجلال الطهر صينة أمينة الغيب في حل وفي حرم**كل المحاريب تتلو مدحهاأبدا**كل المنابر من روما إلى أرم**وكلنا في الفداء أبناء عائشة نبغي الشهادة سباقين للقمم**مبايعين رسول الله مانكثت أيماننا بيعة الرضوان في القسم **يا أمناقد حضرنا للوغي لجبا نصون مجدك صون الجندي للعلم**عليك منا سلام الله نرفعه بنفحة المسك بين السدر والسلم **لابارك الله في الدنيا إذا وهنت منا العزائم أو لم نوف للقمم**فالموت أشرف من عيش بلا شرف والقبر أكوم من قصر بلا كرم **

5- ali   |  
ًصباحا 03:08:00 2010/10/06
بارك الله فيك شيخ الصلابي على هذا التوضيح القيم والسرد التاريخي النقي والموثق لسيرةأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق

6- ابو ابراهيم   |  
ًصباحا 09:11:00 2010/10/06
على رغم أنوف الروافض، هي ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن الصحابة اجمعين

7- جل الأحاديث ضعيفة   |  
ًصباحا 11:01:00 2010/10/06
بارك الله في الشيخ، لكن أكثرت من الإعتماد على أحاديث ضعيفة أو موضوعة. وهدا مما يفقد البحث قيمته.

8- فارس الغامدي   |  
مساءً 05:34:00 2010/10/06
جزاكم الله خير نسأل ان يجمعنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة

9- عبدالرحمن النويصر   |  
ًصباحا 11:45:00 2010/10/07
ماشاء الله تبارك الله الشيخ الصلاََبي قرأت له كتبا رائعة يتميز بالتنقيح وكشف كل شبهة حول تاريخنا المجيدوالعقيدة الصافية وقد تأثرت من هذا المقال الذي حقا يبكينا لأننا مقصرون مع أمهاتناأولا بالتعرف على سيرهن والترضي عنهن والذب عن أعراضهن فجزاك الله خيرا ياشيخ علي

10- عبدالرحمن النويصر   |  
مساءً 12:43:00 2010/10/07
الأخ رقم 7 المراجع مذكورة وياليت تفيدنا بالأحاديث الضعيفة والموضوعة لعل عندك علم ووقت جزيت خيرا

11- جل الأحاديث ضعيفة   |  
مساءً 12:52:00 2010/10/07
الأخ عبد الرحمن، قد فعلت مثل هذا من قبل عند تعليقي على سلسلة مقالات للشيخ بعنوان : الجمل..وصفين. لكنها حذفت، آسف أنه ليس لدي وقت لتكرار المحاولة من جديد الآن. لكن الضعف الوارد في كثير مما أورد الشيخ من أحاديث بين ويمكن أن يدلك عليه طالب علم مبتدئ. بالتوفيق.

12- عبدالرحمن النويصر   |  
مساءً 01:00:00 2010/10/07
أخ 11بارك الله فيك وإن شاء الله تبلغك أجرالعمل

13- عبد الله بن مسعود   |  
ًصباحا 01:29:00 2010/10/08
يا الاخ 11 انك ان قلت ضعبفة فلا يجب ان تترك الامر كذلك ولو ان المراجع المذكورة من حفاظ لهم الباع واليد الطولى في هكذا اختصاص اعني الحديث فلا تتفوه ما ليس لك بحق يا اخي. اما المستر رفيق الذي تفوه ابتداءا بما يثلج الصدر فانه تفوه بما يمكن ان يكون من غير المشروع. يا اخي اذا كان المبارك بإذن الله تعالى يقول عن نفسه "انما البركة من الله" وهو الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم فكيف تسأل البركة من الله تعالى فإذا سألت الله تعالى فلا تتعدى في المسألة كما قال جل في علاه ((ادعوا ربكم تضرعاً وخُفْيَةً إنه لا يحب المعتدين)) سورة الأعراف فهذه الآية تضمنت الأمر بالـدعــــاء بالوصفين المذكورين أولاً، كما تضمن ما يدل على النهي وذلك في قوله (إنه لا يحب المعتدين) فهذا يدل على النهي عن الاعتداء في الدعاء. وحقيقة الاعتداء: مجاوزة حدٍ ما. وقيل: تجاوز الحد في كل شيء(3). وقد تقاربت أقوال العلماء في بيان معناه هنا - أي الـمـتـعلق بالدعاء - وذلك عند تفسيرهم لقوله تعالى (إنه لا يحب المعتدين) (2). فقال ابن جرير رحمه الله: »إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حده الذي حده لبعاده في دعائه وفي غير ذلك من الأمور«(4). وقال الطرطوشي: »يعني المجاوزين في الدعاء ما أُمروا به«(5). وقال القرطبي: »والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر«(6). وقال ابن القيم بعد أن ذكر بعض أنواع الاعتداء في الدعاء: »فكل سؤال يناقض حكمة الله، أو يتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله«(7). ولما كان هذا الأمر - أعني الاعتداء في الدعاء - يكثر وقـوعــــه، رأيت أن الحاجة ماسة للحديث عن هذه الآفة ليحذرها المسلم. والاعتداء في الدعاء تارة يكون في الأداء والطريقة، وتارة يكون في الألفاظ والمعاني، ويتفرع عن ذلك أمور كثيرة، وسوف أذكر في هذا المقام عشرين نوعاًً مـــــن أنواع الاعتداء التي يدخل تحت كل نوع منها صور كثيرة: النوع الأول: أن يشتمل الدعاء على شيء من الشرك: وهذا من أسوأ الاعتداء وأشنعه كما لا يخفى لأن الدعاء عبادة لا يجوز صرفه لغير الله عز وجل. النوع الثاني: أن يطلب نفي مادل السمع على ثبوته: كأن يدعو لكافرٍ أن لايُـعـذب أو يُخلد في النار، أو يسأل ربه أن لا يبتليه أبداً، أو لا يبعثه، أو أن لا يُدخــــل أحـداً من المسلمين النار، أو أن لا تقوم الساعة...، ونحو ذلك. النوع الثالث: أن يطلب ثبوت ما دل السمع على نفيه. كأن يدعو على مؤمن أن يخلده الله في النار، أو يدعو لكافر أن يدخله الله الجنة، أو يدعوا لنفسه أو لغيره - غير النبي -صلى الله عليه وسلم- - أن يكون أول من تنشق عنه الأرض، أو أول من يدخل الجنة. أو يسأل ربه الخلود إلى يوم القيامة، أو يطلب الاطلاع على الغيب، أو يسأل العصمة من الخطأ والذنوب مطلقاً. النوع الرابع: أن يطلب نفي ما دل العقل على ثبوته. النوع الخامس: أن يطلب إثبات ما دل العقل على نفيه، كأن يسأل ربه أن يجعله في مكانين في وقت واحد، أو كأن يشهد الحج وفي نفس الوقت يكون مرابطاً في الثغور، أو يدعوا على عدوه أن يكون غير موجود ولا معدوم، أو غير حي ولا ميت »أعني الحـيــاة والموت الحقيقية«. وهذا النوع والذي قبله ذكرتهما تكملة للقسمة في مقام التفصيل والتبيين الذي يغتفر فيه ما لا يغتفر في مقام الإجمال، ولا يخفى ما بين العقل والنقل من الموافقة. النوع السادس: أن يسأل ما هو من قبيل المُحال عادة: كأن يطلب ربه أن يرفع عنه لوازم البشرية بأن يستغنى عن الطعام والشراب، أو النفس،. أو يطلب الولد ولم يتزوج أو يتسرى، أو يسأل الثمر من غير زرع، أو يدعو ربه أن يعطيه جبلاً من ذهب، أو يمطر عليه السماء ذهباً وفضة، أو يسأل الطيران دون فعل أسبابه العادية المعروفة، أو النصر على الأعداء (وأن يجعلهم الله غنيمة للمسلمين) ولم يُعد لذلك العدة، وكأن يسأل النجاح دون دراسة. النوع السابع: أن يطلب نفي أمر دل السمع على نفيه، فهذا من قبيل تحصيل الحاصل. كـــأن يـقـــول: اللـهـم لا تهلك هذه الأمة بعامة، ولا تسلط عليها عدواً من سوى أنفسها فيستبيح بيـضـتـهـا فهذان أمران دعا بهما النبي -صلى الله عليه وسلم- وأجيبت دعوته وأخبرنا بذلك، فإن دعــوت بذلك كان من قبيل ما ذكرت والله أعلم، ومن ذلك أن يدعو ربه أن لا يدخل الكفار الجنة إن ماتوا على كفرهم. النوع الثامن: طلب ثبـوت أمرٍ دل السمع على ثبوته(8)، وهذا مثل الذي قبله، لكن يفرق في صور عدة بين الدعاء لمعين وبين الدعاء العام. النوع التاسع: أن يعلق الدعاء على المشيئة(9)، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: »باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له« وذكر تحته حديثين: الأول: حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : »إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ولا يقولن اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له(10) والثاني: حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت -، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له (11). النوع العاشر: الدعاء عـلـى مـــن لا يستحقه. (أي: يظلم في دعائه): أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضـــي الله عنه مرفوعاً: »لا يزال يُستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم«(12). وقد جاء في دعاء النبي -صلى الله عـلـيــه وسلم- - كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: »رب أعني ولا تُعِن علي - إلى أن قال - وانصرني على من بغي علي..«(13). قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: »فقوله: وانصرني على من بغى علي« دعاء عادل لا دعاء معتد يقول: انصرني على عدوى مطلقاً. ومن الاعتداء قول الأعرابي: »اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً« فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : »لقد تحجرت واسعاً« يريد رحمة الله«(14). النوع الحادي عشر: طلب تحصيل المحرم شرعاً: كأن يسأل ربه أن ييسر له خمراً يشربها، أو خنزيراً يأكله، أو امرأة يزني بها، أو مالاً يسرقه، أو وقتاً ومالاً ليسافر إلى بلاد الكفر أو الفسق بلا حاجة معتبرة. النوع الثاني عشر: رفع الصوت فوق الحاجة (15). فإذا كان الإنسان يدعو بمفردة فالأصل في ذلك الإسرار بالمناجاة كما قال تعالى: ((ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ))»(2). لكن إن كان معه من يُؤمن على دعائه، كالإمام في القنوت، أو الاستسقاء أو نحو ذلك، فإنه يرفع صوته على قدر الحاجة، ويُؤمن من خلفه على دعائه دون صياح ورفع زائد على القدر المُحتاج إليه؛ لأن ذلك قد يتنافى والأدب مع الله عز وجل. وقد فسر بعض السلف قوله تعالى: (إنه لا يحب المعتدين) (2) بالذين يرفعون أصواتهم رفعاً زائداً على الحاجة (17). قال ابن المُنيّر رحمه الله: »وحسبك في تعين الإسرار في الدعاء اقترانه بالتضرع في الآية، فالإخلال به كالإخلال بالضراعة إلى الله في الدعاء، وإن دعاء لا تضرع فيه ولا خشوع لقليل الجدوى، فكذلك دعاء لاخفية ولاوقار يصحبه. فائدة: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلمـيــذه ابن القيم رحمهما الله فوائد كثيرة تتعلق بخفض الصوت والإسرار بالدعاء(18). النوع الثالث عشر: أن يدعو ربه دعاءً غير متضرع، بل دعاء مُدل كالمستغني بما عنده المدلّ على ربـه بـه. قال ابن القيم رحمه الله: »وهذا من أعظم الاعـتــــداء الـمنافي لدعاء الضارع الذليل الفقير المسكين من كل جهة في مجموع حالاته، فمن لم يسأل مسألة مسكين متضرع خائف فهو معتد«(19). النوع الرابع عشر: أن يسمي الله بغير أسمائه، ويثني عليه بما لم يثن به على نفسه ولم يأذن فيه، وهذا ظاهر لا يخفى. النوع الخامس عشر: أن يسأل ما لا يصلح له: مثل أن يسأل منازل الأنبياء، أو أن يكون مَلَكاً لا يحتاج إلى طعام ولا شراب، أو أن يُعطى خزائن الأرض، أو يُكشف له عن الغيب، أو غير ذلك مما هو من خصائص الربوبية أو النبوة. النوع السادس عشر: تكثير الكلام الذي لا حاجة له، والتطويل في تشقيق العبارات، والتكلف في ذكر التفاصيل، كأن يدعو ربه أن يرحمه إذا وضع في اللحد تحت التراب والثرى، وبين الصديد والدود، وأن يرحمه إذا سالت العيون وبليت اللحوم، وأن يرحمه إذا تولى الأصحاب، وقسم ماله وترك دنياه، أو يدعو على عدوه أن يخرس الله لسانه، ويشل يـده، ويجمد الـدم في عـروقه وأن يسلب عقله فيكون مع المجانين.. إلخ. أخرج أبو داود وغيره عن أبى نعامة عن ابن سعد »ابن ابي وقاص« أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها، وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، وكذا وكذا، فقال: يابُني: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: »سيكون قوم يعتدون في الدعاء« فإياك أن تـكـــون منهم، إن أُعطيت الجنة أُعطيتها وما فيها، وإن أعذتَ من النار أُعذت منها وما فيها من الشر«(20). وأخرج أيضاً عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: »اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بُني، سل الله الجـنـــــة، وتعوذ به من النار، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: »إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء«(21). ولا شك أن هذا مـخــالــف لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتخير من الدعاء أجمعه. أخرج أبو داود من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: »كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستحب الجوامع من الدعاء، ويدعُ ما سوى ذلك«(22). وأخرج أيضاً عن قتادة رحمه الله أنه سأل أنساً رضي الله عنه: أي دعوة كان يدعو بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها. »اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار«(23). وجاء عند البخاري من حديث أنس: »كان أكثر دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- : »ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار«(24). النوع السابع عشر: أن يتقصد السجع في الدعاء ويتكلفه. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: »باب ما يكره من السجع في الدعاء« ثم ذكر أثراً عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: »حدث الناس كل جمعة مــــــرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقـص عليهم فـتـقـطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه. فانظر السجع في الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لا يفـعلون إلا ذلك الاجتناب«(25). قال الحافظ: »ولا يرد على ذلك ما وقــع في الأحاديث الصحيحة؛ لأن ذلك كان يصدر من غير قصد إليه، ولأجـل هذا يجيء في غـــايـة الانسـجام كقوله -صلى الله عليه وسلم- في الجهاد: »اللهم منزل الكتاب، سريع الحـســـاب، هازم الأحزاب« وكقوله -صلى الله عليه وسلم- : »صدق وعده، وأعز جنده« الحديث، وكـقـوله: »أعوذ بك من عين لا تدمع، ونفس لا تشبع، وقلب لا يخشع« وكلها صحيحة، قال الـغـزالي: »المكروه من السجع هو المتكلف، لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثـــورة كلمات متوازية لكـنـهــا غـيــر متكلفة«(26). ثـم ذكــر كلامـــــاً قال بعده: »وقد تتبعت دعوات الأنبياء والمرسلين، والمصطفين من عبادة المخـبـتـيـن، واسـتـخرجت ما وجدت في القرآن من ذلك فوجدت جميعها: (ربنا ربنا) أو »رب«، ثم أورد جملة من الأدعية الواردة في القرآن ليدلل على ذكره(27) النوع الثامن عشر: قصد التشهق كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بحيث لا يكون ذلك بسبب غلبة البكاء وإنما هو أمر يعتمده ويطلبه. النوع التاسع عشر: أن يتخذ دعاءً من غير الوارد في الكتاب والسنة بحيث يصير ذلك شعاراً له يداوم عليه (28). كمن يخصص دعاء معيناً بقوله عند ختم القرآن أو غير ذلك. النوع العشرون: التغني والـتـلـحـيـن والمطيط، قال المناوي: »قال الكمال ابن الهمام: ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط، والمبالغة في الصياح، واالاشتغل بتحريرات النغم إظهاراً للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية، فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الـــرد، وهذا معلوم إن كان قـصـده إعجاب الناس به، فكأنه قال أعجبوا من حسن صوتي وتحريري(29). هذا ما تيسر انتقاؤه من كـتــب أهل العلم، والله أسأل أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كما أريد أن أنبهك وأنصحك بالتوضع من أنت أمام الإمام ابن تيمية الذي سئل عن تفضيل الطاهرات الصديقات العفيفات. فأجاب وأجاد رضي الله تعالى عنه راجع ما ذكره الصلابي غفر الله تعالى له وأحسن إليه. فالزم نفسك وأنزلها مكانها هداك وهدانا الله تعالى جميعا

14- عبد الله بن مسعود   |  
ًصباحا 01:35:00 2010/10/08
أقصد فكيف تسأل البركة من غير الله تعالى

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم