ثمة إجماع بين إسلاميي العالم العربي أن فرج فودة كان "كاتباً" سيئاً وطائشاً، ولكنّ قتله كان أكثر طيشاً وسوءاً وبشاعة، فرج فودة كان مستفزاً إلى أبعد الحدود، وجاهلاً يدّعي العلم؛ فيما لا يعرف من التاريخ الإسلامي إلاّ "ألف ليلة وليلة"، و"الأغاني" لأبي فرج الأصفهاني، يستقي منهما كل ما هو "مرذول" ليلصقه بالإسلام وتاريخه وحضارته. كان يُستخدم ـ بوعي أو بدون وعي ـ ليخوض "حروب الاستفزاز" بالوكالة، وقد شاهدته وهو يقدم دروساً دينية على التليفزيون التونسي قبيل أذان المغرب في شهر رمضان المبارك، وتقديمه للمشاهدين باعتباره "فقيهاً مصرياً"! وكان المشهد كاريكاتورياً إلى أبعد الحدود، وتذكرت ما يردده العرب في مثل هذا الموقف، حين قالوا: من تكلم في غير فنه قال عجباً! وفي السهرة أُستضيف في حلقة نقاشية مع عدد من أساتذة الجامعات بتونس، وكان شكله مثيراً للشفقة، حين صدم بقية الضيوف، بضحالة علمه، واستنكارهم لكل "حواديته" التي كان يرددها في مصر باعتبارها تاريخ الإسلام، وطالبوه أن يحدد مرجعاً واحداً يُسند إليه "أكاذيبه" فعجز، فنصحوه ألاّ يتكلم في أمر جلل إلاّ بعد أن يكون قد تسلح بعلومه وفنونه، وعرف مصادره الموثوق بها. فرج فودة ـ في تقديري ـ كان باحثاً عن الشهرة، أو عن "دور" بافتعال الأزمات والشوشرة والفرقعات الإعلامية، ومن حسن حظه ـ أو ربما من سوء طالعه ـ أن مشاغباته صادفت أوضاعاً أمنية قلقة ومتوترة، بسبب المواجهات العسكرية بين التنظيمات الإسلامية المسلحة والدولة، وهو المناخ الذي كان مواتياً لاحتضانه في الإعلام الرسمي، وتسمينه وتضخيمه وتقديمه باعتباره "مفكراً" إسلامياً كبيراً ومستنيراً؛ فالحاجة "الأمنية" في مصر والمواجهات المسلحة ـ آنذاك ـ هي التي أفرزت "فودة" وعشرات مثله لا يزالون يرفلون في نعيم المناصب الرسمية الرفيعة ويتفيّؤون ظلالها. ولذا كنت مستغرباً أن يشارك كبار العلماء والفقهاء والمثقفين الإسلاميين في عملية "هندسة" الرجل إعلامياً، وأن يقبل عالم كبير في وزن وحجم الشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ مناظرة فودة في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 1991، وفي حضور المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين ـ آنذاك ـ مأمون الهضيبي! فالرجل كان محض "ظاهرة إعلامية"، وليس مرجعية علمية حتى يستحق أن ينال شرف الوقوف على ذات الدرجة مع فقيه وعلامة عصره الشيخ الغزالي، والذي كان يوصف بحق بأنه "كان أمة"! و على الرغم من أن المناظرة انتهت كما كان متوقعاً، بدحض "مشاغبات" فودة الطفولية، إلاّ أن الرجل خرج منها فائزاً بشرف "مناظرة" واحد من أعظم علماء الإسلام في القرن العشرين، وحتى اللحظة الراهنة ما انفك يُذكر فرج فودة إلاّ وذُكر معه الشيخ الغزالي، وهو شرف ما كان يستحقه، ليس بسبب "طول لسانه" ولكن لأسباب تتعلق بوزنه العلمي الذي لم يبرح مستوى حلقات ألف ليلة وليلة التي كان يقدمها التليفزيون المصري في شهر رمضان من كل عام. في 8 يونيو من عام 1992 اغتيل فرج فودة، و كان بلا شك عملاً طائشاً بشعاً، لا تزال الحالة الإسلامية تسدد فاتورته حتى الآن، مثلما تسدّد ـ حتى هذه الأيام ـ حركة الإخوان المسلمين فاتورة قتل النقراشي باشا عام 1949، وحادث المنشية عام 1954. حيث استخدم حادث الاغتيال الذي ارتكبه متطرفون إسلاميون، على طريقة "السيئة تعم"، ذلك المبدأ "الميري" الذي لا يزال يعزز من ظاهرة "عسكرة الثقافة" في مصر، ويدفع ثمنه كافة القوى الفكرية والسياسية المصرية؛ خاصة تلك التي لم يخلُ جانب من تراثها الحركي والفكري من خطايا وكبائر ارتكبها "متطرفون"، ولكنها تظل مدرجة في ملفاتها لتُستدعى كلما أريد تصفية من كان عليه العين منها. إن جزءاً كبيراً من أزمة العالم العربي ـ وسمعته دولياً ـ لعلها ترجع إلى طريقة التعاطي مع مثل هذه "المشاغبات" التي قد تظهر هنا أو هناك في العالم الغربي وتتحرش بالإسلام وتجربته السياسية والحضارية؛ إذ تسفر عادة ـ دون قصد ـ عن تكبير "الصغار" وإنزالهم منزلة "الكبار"، ولينالوا "شرف" منازلة الأئمة في أجواء وبيئة عربية وإقليمية ودولية معادية لكل ما يتصل بالإسلام من قول أو عمل؛ فتأتي النتائج "إعلامياً" بما يؤذي المسلمين في دينهم وعطائهم الحضاري والإنساني.