الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
صورتان متقابلتان
الخميس 20 ذو القعدة 1431 الموافق 28 أكتوبر 2010
 
صورتان متقابلتان

د. عبد الكريم بكار

نستطيع القول: إن لكل شيء من الأشياء وجودين:

الأول: وجود ذاتي، طابعه العام الاستقلال.

والثاني: وجود (علائقي) طابعه العام الافتقار والاتصال، ونحن في العادة لا نهتم بالوجود الثاني، ولا نبحث فيه؛ لأن تركيزنا كثيراً ما يكون على الوجود الذاتي، مع أن الذي ثبت أن ما حولنا يؤثر فينا على نحو طاغٍ إلى درجة يصحّ معها القول: إن الشيء هبة علاقاته. ولا أريد الآن شرح هذه المسألة، وإنما أودّ الإشارة إلى شيء مهم هو تفاوت الناس في نظرتهم إلى الأشياء والمعطيات المحيطة بهم، وهذا التفاوت نابع من ارتباك الوعي في التعامل مع كل ما يتصل بعالم العلاقات؛ فإحساسنا بأننا مختلفون عمّا حولنا يجعلنا نشعر بالكثير من المشاعر المتناقضة. وإذا أردنا المضيّ مع الأمور إلى حدّها الأقصى، فإننا سنقول إن لدينا في تعامل الناس مع محيطهم صورتين متقابلتين: صورة طابعها التنافس وصورة طابعها المؤازرة والتعاون، ولعلي ألقي الضوء على كل منهما عبر المفردات الآتية:

1ـ صورة العداء والتنافس:

حين يتضخم الشعور بالوجود الذاتي على حساب الوجود العلائقي، فإن المتوقع حينئذ هو جنوح الإنسان إلى جعل علاقته بمحيطه وبيئته قائمة على التناقض والتنافس والعداء: إما أنا، وإما من حولي، وبالتالي فإنّ الهمّ الذي يسيطر عليه حينئذ هو كيفية استغلال علاقته بالأشياء لحسابه الشخصي. إنه إنسان مشغول بالأخذ والاستحواذ، ولا يمثل (العطاء) بالنسبة إليه أي همٍّ أو هاجس، بل هو الشيء الذي لا يحب أن يتذكره، ولا يحب من يذكِّره به. علاقة العداء والتنافس هذه تقوم على عدد من الأسس، منها:

1-  عقليّة الشحّ والضيق والتي تقوم على أساس محدودية كل شيء، وكون الطلب دائماً أكثر من العرض، والشيطان هو الذي  يدعم هذه العقلية، وهذا واضح في قول الله ـ تعالى ـ : (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). [البقرة: 268].

2-  الخوف من مكر القريب والبعيد والخوف من مفاجآت الأقدار، والخوف من غدر الموظفين والعمال، والخوف من تغيّر الظروف العامة.... الخوف من كل شيء، ولهذا فلا بد من الاستعداد، وخير استعداد لذلك هو تملّك كل ما يمكن تملّكه ومن كل شيء.

3-  يعتقد أصحاب هذه الصورة: أن الصراع هو العلاقة الأساسية في الوجود، ولاسيما في عالم الكائنات الحية، حيث لا تمر لحظة حتى يلتهم كائن حي كائناً آخر، ولا تمرّ لحظة حتى تحدث مئات من وقائع الظلم والعدوان، ولهذا فإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب.

إن نتائج هذا التصور لعلاقة الإنسان ببيئته وما يحيط به هي التدمير والإتلاف، وهذا ما بتـنا نلاحظه اليوم على نطاق واسع، فقد كان الآباء والأجداد يفخرون بحفاظهم على الأشياء واستخدامهم لها فترات طويلة، أما اليوم فالناس يفخرون بسرعة تخلصهم من الأشياء القديمة وسرعة إحلال أشياء جديدة محلها.

صورة التعاون والمؤازرة:

تقوم هذه الصورة على أساس أننا جميعاً مخلوقات لله ـ تعالى ـ ولهذا فنحن وكل ما يحيط بنا من حيّ وجماد عبارة عن مفردات في منظومة ضخمة، والعلاقة التي تربط بيننا هي (التسخير) وحتى يستمر التسخير، فإن العلاقة التي يجب أن تسود هي الرعاية والتعاون، والاهتمام المتبادل، وإن النصوص التي تدلّ على أهمية الحفاظ على الموارد والدالّة على الرفق بالحيوان كثيرة ومعروفة، والأكثر منها النصوص التي تحث على رحمة الإنسان بأخيه الإنسان، حيث إن مصير البشر واحد مهما باعدت بينهم الجغرافيا، وفرَّقتهم السياسة.

هذه الصورة هي الصورة الإسلامية، والأساس الفلسفي الذي تقوم عليه يؤكد على شيء جوهري هو: إذا أردت أن تتمتع بشيء، فاسمح لمحيطك أن يتمتع به؛ لأنك لا تستطيع أن تبني جزيرة للسعادة في بحر يموج بالشقاء والحرمان والظلم..

هل تريد أن تكون حراً مصون الكرامة؟

إذن ساعد غيرك ممن يحيطون بك على أن يكونوا أحراراً، وإذا انتهكت حرياتهم، فدافع عنها؛ لأنك بذلك تدافع عن حريتك.

هل تريد أن تكون ناجحاً؟

إذن فتقاسم النجاح مع من حولك، ولهذا فإن من المهم أن يعود شيء من نجاح الأب على أسرته، وشيء من نجاح رب العمل على عمّاله، وشيء من نجاح الدولة على شعبها ...

هل تريد أن تكون سعيداً؟

إذن أشركْ غيرك في سعادتك من خلال الابتسام والتقدير والإحسان...

هل تريد أن تكون عزيزاً؟

إذن لا تسحق من حولك، وساعدهم على أن يعيشوا أعزّاء ... بعض الناس يذلّون من حولهم حتى يتمتعوا بالعزة، ولكنهم لن يجدوها؛ لأن الذين سحقوهم هم الذين سيمنحونهم الاعتراف، ولا قيمة لاعترافِ مسحوق.

إنّ ما يُسمّى بـ (الكليات الخمس) يؤسس لهذا المعنى؛ فالمسلم مطالب بأن يحافظ على دينه وتديّنه، وعلى نفسه، وعقله، وعرضه، وماله، ومطالب كذلك بأن يساعد إخوانه المسلمين على مثل ذلك.

هذه الصورة تقوم على الآتي:

1-  علاقتنا ببعضنا وبالأشياء هي فرع من علاقتنا بالله ـ تعالى ـ والذي يأمرنا بالتعاون والتراحم والاقتصاد في الإنفاق والحفاظ على الموارد.

2-  الثقة في أن في فضل الله ـ تعالى ـ ما يكفي الجميع، بشرط أن نبدع ونعمل بجدية وإخلاص.

3-  ما في الأرض يكفي جميع الناس، لكنه ليس كافياً لتلبية رغبات رجل واحد، ولهذا فلا بد من وضع حدود لرغباتنا.

4-  نحن نعرف أن التنافس موجود في هذه الحياة، وهو في الغالب متصل بانحطاط المدنية، ولهذا فإن كل تنافس ينبغي أن يفضي إلى التعاون بين المتنافسين، وما لم نعمل على ذلك ونستهدفه، فإن التنافس يتحول إلى احتيال وبغي وعدوان.

5-  القاعدة العامة في علاقتنا بمحيطنا مختصرة ومركزة في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ــ: "من أحب أن يُزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس الذي يحب أن يُؤتى إليه". رواه مسلم. وقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". متفق عليه.

إذا أردنا لهذه الصورة أن تسود، فإن علينا أن ندعِّمها بالكثير من المبادرات والبرامج التطوعية والخيرية، وبالكثير من النظم والقوانين التي تحول دون بغي الناس بعضهم على بعض.

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- صدقت   |  
مساءً 03:53:00 2010/10/28
إذا أردت أن تتمتع بشيء، فاسمح لمحيطك أن يتمتع به؛ لأنك لا تستطيع أن تبني جزيرة للسعادة في بحر يموج بالشقاء والحرمان والظلم..

2- محبة الخير   |  
مساءً 04:46:00 2010/10/28
بارك الله فيك أستاذي الفاضل على هذا التحليل العميق والذي يستحق التأمل والتفكر في آثار استيعاب أبعاده على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة. كلمات قليلة لكنها تحمل عمقا بقدر تأملها ... زادك الله علما وحكمة ونفعنا وإياك بهما.

3- ابو سليمان   |  
ًصباحا 12:18:00 2010/10/29
كلام جميل بارك الله فيك ...

4- ام يوسف   |  
ًصباحا 02:04:00 2010/10/29
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام علي رسوله الصادق الامين مقالك جدا رائع وكلمات ذات معاني وليتنا نستفيد ونحاول تطبيقها ولكن عندي سؤال لشيخنا الفاضل كيف يرفع الضعيف عن نفسه الظلم كيف لاسير ان يقاوم ظلم اسره لمن تكون القدرة علي رفع الظلم فما احلي ان نحيا بامان حتي مع ازواجنا وفي اخص الاشياء لماذا يتلذذ بعض البشر بائذا من حولهم مع ان السلام هو سمة هؤلاء الضعفاء ببساطة لانهم لا يملكون حول ولا قوة

5- عبد الله الزهراني   |  
مساءً 09:52:00 2010/10/29
لايسعني إلا أن أقدم شكري وتقديري لشيحنا، وقدوتنا د. عبد الكريم بكار، فإن له فضل علي؛ فقد استفدت ذات ليلة من برنامج حواري بينه وبين الشيخ محمد يعقوب عرض في قناة الناس... فجزاه الله عني كل خير... ونفع بعلمه، وكثر من أمثاله...

6- أبو عمر   |  
مساءً 10:05:00 2010/10/29
لايسعني إلا أن أقدم أعظم آيات الشكر والتقدير لشيخنا وقدوتنا د. عبدالكريم بكار؛ فإن له فضل عليّ؛ فقد استفدت فوائد جمة من برنامج حواري لسعادته عرض في قناة الناس - فك الله أسرها -كان يشاركه فيه الشيخ محمد يعقوب... فجزاه عني كل خير، ونفع الله بعلمه، وكثر من أمثاله...

7- عبد الله   |  
مساءً 10:08:00 2010/10/29
لايسعني إلا أن أقدم أعظم آيات الشكر والتقدير لشيخنا وقدوتنا د. عبدالكريم بكار؛ فإن له فضل عليّ؛ فقد استفدت فوائد جمة من برنامج حواري لسعادته عرض في قناة الناس - فك الله أسرها -كان يشاركه فيه الشيخ محمد يعقوب... فجزاه عني كل خير، ونفع الله بعلمه، وكثر من أمثاله...أبوعمر

8- زوجة   |  
ًصباحا 07:34:00 2010/10/30
لبت الازواج الذين لايفكرون الا في السفر والسهر امام الحرام في هذه المعاني

9- ابو إبراهيم   |  
ًصباحا 08:23:00 2010/10/30
كل الشكر والتقدير لشيخنا الفاضل وهي كلمات ( كلها مبادىء ) راقية تحتاج إلى توظيف في واقع الحياة (( ومن يوق شح نفسه فقد فاز ... ))

10- مسلم من أستراليا   |  
ًصباحا 10:27:00 2010/10/30
إبداع يا دكتور ، لقد تأثرت بفكرك كثيرا لقد نورت أفكارنا والدليل من كتابنا الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لا يفارق مقالاتك نفع الله بك وثبتك على الحق وزادك من كل بر وحفظك من كل شر، أحسن الله إليك كما أحسنت لنا أي والله

11- عبير   |  
مساءً 12:05:00 2010/10/30
سبحان من أعطاك الحكمة يا دكتور...نفع الله بك العباد والبلاد

12- المبادره   |  
ًصباحا 10:13:00 2010/11/06
بالفعل كم نحن محتاجون إلى أن يحب الإنسان لأخيه مايحبه لنفسه

13- عمر الأسود   |  
ًصباحا 11:11:00 2010/11/10
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم

14- من بلاد الغربة   |  
مساءً 07:58:00 2010/12/07
جزاك الله خيرا

15- سامى المصرى   |  
ًصباحا 09:17:00 2011/03/08
بارك الله فيك اخى الفاضل ونفع فيك جميع المسلمين - تحية لك من ابن غزة المحاصرة

16- أبو عبدالرحمن   |  
ًصباحا 08:31:00 2011/07/20
جزاك الله عنا وعن الاسلام خير الجزاء

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم