الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
العامةُ (فلا ترُ) على عقولِ علمائِهم
الخميس 26 رجب 1423 الموافق 03 أكتوبر 2002
 
العامةُ (فلا ترُ) على عقولِ علمائِهم

يوسف الحجيلان

قال عليٌ -رضي الله عنه-: (حدَّثوا الناس بما يعرفون, أتريدون أن يكذبَ الله ورسوله! ) كلام حلو, وتوجيه رائع , ومنطق محنّك؛ اقتبس من هدي النبوة نوره وجمالـه .
ولا غرو! إنه قول أبي الحسن -رضي الله عنه - وقد قال هذه المقولة حينما تهوّك رجال في التحديث على عامة الناس عن مسائل من دقائق الاعتقاد، التي ربما شط فهم كثير من الناس في فهمها. هذا من جهة .
ومن جهة أخرى: مندوحة رحبة, ومفر وملاذ آمن, ومِشجب يعلق عليه عشرات من مفكري وعلماء الأمة سر تخلفهم عن النصح للأمة, بما فيه خيرها وقوام أمرها, لا خذلاناً وخيانة, إنما خوفاً من تعارض بين حق بدا لهم, ومعتقد العامة المخالف له, والذي يصعب طرحه على بساط الأخذ والرد والإنكار والاستنكار؛ لأن شجرته شربت من دماء شرايينهم, فأصلها ثابت في عقولهم, وفرعها باسق في سماء عقائدهم الموروثة غير المؤصلة بأكثر من إنا وجدنا آباءنا.
إن الإبداع والتجديد عالم ربما تصادم مع قناعات المساس بها مساس بالدين عند طائفة من المقلدين؛ لكن هذا لا يجعل الدين وأحكامه حمى محاطاً بسياج الكهنوت, وعصى الولاية العظمى, لا ينظر إليها إلا من طرفٍ خفي , على أنها ليست كلأً مباحاً, ونهباً مشاعاً لكل من هبّ ودبّ ونطق وكتب .
غير أن من نافلة القول أن للنجباء من مجتهدي الأمة حق الإبداع والتجديد, واشتقاق البرامج والحلول لفهم دقيق للإسلام, وجعله قادراً على التعايش مع الواقع ومستجداته, إذ هو كذلك لو سلم من شطط أهله، وكل ذلك وفق الضوابط والأصول, وفي حدود الدليل والقاعدة المؤصلة, وبناءً على خلفيات علمية قادرة على الإحاطة والاستحاطة .
وهنا : إما شجاعة عند هذا المجتهد ينفذ من خلالها؛ ليطرح نتاج بحثه ودينه الذي يدين الله به .
أو فلاتر وأسوار، تضربها العامة على عقله وتفكيره ومنطقه؛ فيشيب وهو يخشى قولهم .
إن صفحات التأريخ الإسلامي والسير تزخر بمواقف ناصعة لأولئك الذين خرجوا على مألوفات العامة وتراكمات السنين على عقولهم التي قلبت العادات بل والابتداعات إلى عبادات!
وما نسي أن يسجل لنا أن أولئك المبدعين والمجددين ضُربوا وأُوذوا حتى أتاهم نصر الله .
وهنا ملحوظة مهمة, هي : أن صمت العلماء وطلاب العلم, وموافقتهم لبعض العامة خشية منهم ليست مشكلة إلى حد ما؛ إن المشكلة هي مساهمتهم في صنع أمم تعيش البيات الشتوي في أغسطس, وترى في التقوقع حماية لمقدرات الأمة, بل أن يعبد الله بما لم يَشرع .
ناهيك عن أن هذا كله يقتل أعز ما يملكه الإنسان وهو الفكر, ويقضي على أجمل ما في العالِم وهو الإبداع, ويحرق أنفَس ما في ورقات الأرشيف وهي دروس الماضي والعبر .
بل ويعطي مسوغاً قوياً وتبريراً لأطروحات عفنة, وجَدَت في مجتمعات الكنيسة وعصور الظلام الأوروبي أرضاً خصبة, وأدلة ناصعة, يمكن من خلالها إقناع العالمَ: أن قيادة الدين للحياة قتل لمعطيات العقل, وإبداعات التصنيع والابتكار والاستكشاف .
إن العامة -ومن سار في فلكهم من العلماء وطلاب العلم - ما سمعوا بجديد إلا ونظروا إليـه بعين الريبة، وما حل بأرضهم اكتشاف أو ابتكار أو استنتاج؛ إلا ووضعوه تحت مجهر الشك والتساؤل, لا وفق عقلية عالمة واعية قادرة على السبر والإحاطة؛ بل وفق منهجية الرفض المطلق لما هو جديد .
وليت الأمر اقتصر على وضع المجهر فوق الراديو والبرقية من قبل, أو الدعوة من خلال الفيديو والبث المباشر والإنترنت اليوم؛ لأمكن التسويغ إلى حد ما .
الحقيقة المرة: أن الأمر يتعدى إلى أحكام شرعية عاش العامة على قناعات راسخة تقليدية حيالها .
فإذا قيض الله للأمة من وهبه ربه آلة البحث والاستنتاج, واكتشف خلاف ما ترسّخ في أذهانهم ؛ ثارت ثائرتهم, واستخدمت التهم المعلبة أصلا .
وليست قضية دعاء ختم القرآن في صلاة التراويح, وصلاة التراويح ثلاث عشرة ركعة, وعدم وجوب المبيت في منى عند عدم وجود المكان المناسب, وعشرات من أمثالهن؛ ليس هذا منا ببعيد!
كل هذا في مجتمع لم يمض على ثورة التجديد فيه قرنان من الزمن, فما بالك بمجتمعات تتعبد الله بالشرك, وترى في دعاء الموتى, بل والحجر والشجر زلفى عند الله .
والحق يقال يالجرأة ذلك المفكر! أو العالم ! حينما يكتشف أن الدليل يتعارض مع مألوف قوم؛ فيبوح به, غير ملتفت إلى ما يصيبه في هذا السبيل، وتلك قمة الإخلاص والتدين لله, وترك حظ النفس .
إنه بحق يبدأ المعركة, والله أعلم كيف تكون النهاية .
كل ما سبق طرف من الواقع، وهناك واقع أشنع وأبشع يتجاذب طرفيه:
- عاميٌّ لا تتجاوز رؤيته للأحداث حدود ما ورث عن أبيه وجده .
- وعالمٌ أسكتته عيون العامة وألسنتهم عن البوح بالحق .
وليت - لسانه يوم عجز عن البوح بالحق - باح بنصرة من نطق به, إنه يعطي بصمته دليلاً يستدلون به على أن ذلك الحق غلط وقع فيه من وقع بجهل أو قصور, ولو كان حقاً ما سبق شيخَهم إليه .
والوجه الثالث في القضية: طلاب علم وعلماء أحياناً ليسوا على استعداد لأن يقولوا لا نعلم أو ينأوا بأنفسهم عن التهوك في قضايا, آلة الاجتهاد والإحاطة بها عندهم قاصرة.
إنهم على استعداد لأن يصدروا بيانات وأحكاماً وردوداً في كل نازلة, وإن كانوا غير محيطين بها, سواءً في ذلك عندهم : الحكم في مسألة فرعية يسيرة (بصلة أو بيضة أو دجاجة), أو الحديث عن شائكة من شوائك السياسة والاقتصاد ونوازل العصر, التي لو كانت في زمن الفاروق لجمع لها أهل بدر .
المهم ألا يقولوا في ناديهم: لا نعلم، أو ينأوا بأنفسهم عن الحديث فيما جهلوا, على اختلاف في مبررات عدم الصمت .
ناسين أن سيد البشر قال (( أنتم أعلم بأمور دنياكم )) .
ثمة أمر مهم وهو أن الحرية الحقيقية هي انعتاق العالم من سلطة النفس وحكمها أولاً, ثم من سلطة العوام الذين يملون أهواءهم وإراداتهم بحسن نية ربما؛ ولكن بسذاجة وعفوية أو تقليد, ثم من السلطة الزمانية التي تملك أزمة الأمر, ويظن أنها تغني وتفقر وتخفض وترفع .
إن العالم الحر هو من ينعتق من هذا وهذا وهذا, مع الاعتدال والتوازن والهدوء ليتبوأ مقعده في الأمة ناصحاً وموجهاً وأميناً, وفي الوقت نفسه رحيماً رفيقاًَ (آتيناه رحمة من عندنا, وعلمناه من لدنا علما) .
وهذا النمط هو الذي يحقق التغيير, ويحتفظ بألمعيته ورسوخه, والله المستعان .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم