آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الهجرة النبوية لحفظ مبدأ الحرية

الاثنين 14 محرم 1432 الموافق 20 ديسمبر 2010
الهجرة النبوية لحفظ مبدأ الحرية
 

اعتاد النّاس على أن تكون رأس السنة الهجرية الجديدة مُناسبة للاحتفال الديني والتهنئة الإيمانية والتواصي الوَعظي بتجديد التوبة وتنقية جديد الصحائف من المعاصي والذنوب، فيما يستفتي آخرون عن حكُم الاحتفال فيه وتمييزه عن بقية الأيام، ويتناسى الكثيرون بأنّ رأس السنة المُوثِّقة لهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هي مناسبة إسلامية عقدية عُظمى لتوحيد الله تعالى وإفرادهِ بصنوف العبودية، وطاعته المُطلقة والخوف منه وحده، ورجاء ما عنده.. والتوكّل عليه وبذل الغالي والنفيس من الأسباب في سبيله، وإشهار للرفض القاطع في وجه الظلم والجبروت والطغيان .

هيَ مُناسبة للبذل والعطاء اللا محدود، مُناسبة للقابليّة والاستعداد الحقّ للتخلّي عن جميع المُكتسبات المادية والمعنوية في مقابل صيانة المُكتسب الأسمى وهو العبودية المحضة لله تعالى، مُناسبة للعمل الحثيث للتغيير والسعي الجاد للإصلاح بحسب ما تقتضيه المرحلة وتفرضه الظروف، مُناسبة تجسّدت فيها معاني الإعداد لمواجهة العدو المُستبدّ المالك لكل وسائل الغلبة والنصر، المُسيطر على كافة المداخل والمخارج اللوجستية والعسكرية .

إنّ تأمّل ما تكتنزه الهجرة النبوية من دروس وعبر هو ثروة معرفية ودليلٌ فكري وخارطةٌ عملية لإقامةِ مشروع حياة، تتجذّر فيه القيم والمبادئ، سالكة سبيل السُّنن الكونية، خاضعة للحِكَم الإلهية في سيرها، مُنتهيةٌ ببزوغ فجرها .

إنّ الهجرة جاءت كمرحلة ضمن مراحل إقامة مشروع الدولة الإسلامية الجديدة،

وكانَ مجيئها بعد أنْ سبقتها مرحلتا الدعوة للعقيدة السرية بكل ما حوتها من مخاطر في السعي ودقّة في التطبيق وانتقاء في الشخوص، على الرغم من اختلافهم وتنوّعهم في الجنس والعمر والمزايا، كانت الدعوة بحاجة إلى صدورٍ أمينة للسر، تعي جسارة المرحلة ووعُورة الطريق وحساسية التفاصيل وأصُول الفكرة، ومع ذلك نجد بأنّ الاختيارات لجنود المشروع الجديد تضمّنت الصبي والمرأة والرجل المُسن والشاب المُتحمّس، لتَلُف الثقة كافة أطياف المُجتمع، وتُلبسهم ثياب المسؤولية، وتُعطيهم الدليل القاطع على أهلية الجميع بمختلف صفاتهم وتفاوتها على حملِ الرسالة ودفع تكاليفها .

ثمّ تلتها المرحلة الجهرية وإنذار العشيرة القريبة، وما حملته تلكَ المرحلة من

قوّة في الحق، ومُلاطفة في العرض، ومُجابهة العدو وتضحية في سبيل الصدع به، ومُهاجمة موروثاته، وُمصادمة مشروعه التضليلي المُناقض للمشروع الجديد مع قريبِ الخسائر الظاهرة وهزيلِ الموانع الرادعة، والبراءة من جاهليّ الصِلات، ومُخاصمة كُبراء القوم وسُفهائهم، والصمود أمام وسائل التعذيب وطرائق التضييق المعنوي بالسخرية والهمز واللمز، والاقتصادي بحصار الشِّعب الذي استمر ثلاثة أعوام، ووفود تعود صفر اليدين من مفاوضاتٍ دنيوية لا ترقى إلى سموّ الرسالة ورُقيّها، وحلقات من التعذيب، يموت على إثرها ياسر وسمية ويُنتزع الكفر من عمّار كرهاً .

ثمّ تنتهي تلكَ المرحلة بكُل ما حوتها من مُكتسباتٍ اشتملت على تأسيس قاعدة عقدية قوية حملها رجالٌ قليلو العدد عميقُو الإيمان، بليغُو التضحية سريعُو الإقدام، أُعِدّوا لتكُون قلُوبهم مُعلّقة بالسماء، فما وُعِدوا بتمكينٍ سياسي ولا نصرٍ عسكري ولا عزٍّ دُنيوي، لتأتي بعدها مرحلة الهجرة الهجرة من أتون الظلم والجبروت وسراديب العبودية إلى فضاء الحرية والكرامة والعدل. الهروب من عبودية الشرك إلى مدنيّة الإسلام، وهي بمثابة القنطرة ما بين المرحلة التأسيسية العقدية للمشروع الإسلامي، وبين مرحلة تأسيس الدولة الفعلي على قاعدة "الوثيقة" الدستورية، مع ما تحتضنه الهجرة من تجردٍ كامل للفكرة وكلّ سبيلٍ يُؤدي إليها وإلى نُصرتها، ومن مُخاطرةٍ بالنّفس، وتوكّلٍ على الله عز وجل، وتضحيات واسترخاص كل شيء من مالٍ وأهلٍ وأرضٍ وعشيرة في مقابلِ إقامة شرع الله على أي جزءٍ من أرضه، التي هيّأ بها من أسباب الأمن والاستقرار ما تُعين رجال دينه على إقامةِ مدينةٍ جديدة تُجسّد مشروعهم العقدي على أرض الواقع، ويُقيموا شرائع الله، على أسسٍ إسلامية مستنيرة مستبينة عادلة، ليتكوّن مجتمع إسلامي متماسك، به من النضج والقوة ما يُؤهله ليعود إلى مكةَ فاتحاً ونصيراً .

المرأة كان حضورها واضحاً وقوياً منذُ بداية المشهد الإسلامي، بدءاً بخديجة

الزوجة وأمينة السرّ والمعينة على أعباء حمل الرسالة، والابنة التي تذود عن أبيها منتهزةً مكانتها الاجتماعية والحصانة التي يبذلها لها العرف، وناقلة  الغذاء والأخبار والمُستأمنة على أخطر الأسرار وأشدّها حساسيةً، والمستشارة والطبيبة والمجاهدة والتاجرة.. والكثير من الأدوار المتنوعة التي شغلتها المرأة، وكان لها أكبر الأثر في المسيرة الإسلامية، والصبية كان لهم دورهم وقد مُنحوا الثقة للمشاركة في الحروب العسكرية، والكفيف كان يُؤتمن على الآذان، وينوب في الإمارة إبّان غياب الجيش، فالجميع يُشارك ويُساهم في البناء بما حباه الله تعالى من مزايا وقدرات. فالثقة التي يُبنى عليها المسؤوليات تُنتج لنا مجتمعاً متماسكاً قوياً .

الكثير من المعاني والعبر في الهجرة النبوية يُستحسن بنا تأملها بتمعّن، واستخلاص فوائدها لبث الحياة في واقعنا المُتهالك، والسير في طريق الإصلاح على النهج المحمدي الوسطي الذي يُعطي كلّ ذي حقِ حقه، فلا يلين في موضع قسوة، ولا يقسو في موضعِ لين، فالهجرة مناسبة إسلامية عظيمة واجبٌ علينا اغتنامها لاستنهاض الهمم وإنارة الطريق، وتحمّل مسؤولية الاستخلاف في الأرض وحمل الرسالة ومواصلة المسير، لخلقِ مُناخٍ من الحرية تكون فيه العبودية خالصة لله تعالى.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - جزاكم الله خير ًصباحا 12:10:00 2010/12/21

    اذا الام والاخت والزوجه والابنه لم يدافعون عن ظهور الرجال ويقفلون الابواب التى تجلب علي امة محمد عليه الصلاة والسلام بعد أن تكالب الاعداء واصبح الرجال الصادقين فى حب الله ورسوله مشغولون اليوم بصد الهجوم الشرس الجهروي بعد أن شعر المنافقين بالامن والامان

  2. 2 - بورك فيكم مساءً 12:56:00 2010/12/21

    عرض بديع لجزء يسير ومهم من السيرة النبوية وذكر لمبدأ تحقيق الحرية والخلوص من أي عبودية إلا لله عز وجل قرأت المقال الآخر للكاتبة ورأيت في هذا وذاك حرفا كحرف الأديب الشهيد سيد قطب رحمه الله قلم مبدع وقادم بقوة

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف