|
|
|
|
|
|
|
|
الاربعاء 8 رمضان 1423
الموافق 13 نوفمبر 2002
|
|
|
|
|
|
|
الصحافة من أكبر القوى الاجتماعية المؤثرة في مسيرة التاريخ وصناعة الحضارة وتنمية الملكات وإيجاد الحق بصورته دون رتوش أو خلط في الألوان يقودان إلى غبش في الرؤية الصادقة للواقع ورهبة في التصور، والصحافة الواعية رابط حر بين الحاكم والأمة يوضح ويبين ما يدور من الخفاء وتنطوي عليه الأضلاع وما تتحدث به الألسنة في الخفاء وما يدار في المجامع الخاصة أو العامة من نقد بناء أو احتياج شديد أو مطلب سديد، مما يؤدي إلى تفهم عميق للأخطاء الواقعة ويقود إلى الالتصاق الحميم بين الحاكم والمحكوم فيولد الخير وتعم البركة، يقول الفيلسوف توسكا " إن الخبر لا يتحقق في الطبقة الحاكمة إلا بفضل القوة الاجتماعية" وليس هناك من قوة أقوى وأكبر من الصحافة الحرة وهي التي تستطيع بشيء من الجهد وتوحيد الهدف وإخلاص النية أن تحي روح الأمة وتملأها بمعالي الأمور وتكون شمعة مضيئة تبعد الظلام إلى ما وراء ضوئها، إن روح الأمة يسيطر على مصيرها ومستقبلها وما لم تتعاون الجماعات والأفراد والمؤسسات والهيئات وأبرزها الصحافة في صنع هذه الروح فلن تكون هناك أمة وسيصبح حالها كحال من جرد من هويته وترك للرياح تتلاعب بثوبه، لا بد من روح جديدة طاهرة مطهرة من ذكريات الأسى والفشل تبعثه الأمة وتمده بالرؤى و الأفكار عن طريق الصحافة الواعية ليتغلب على ضرورات الحاضر وتحديات الأعداء .
ومن هنا كان أول واجب على الصحافة أن تنطلق من الحقائق غير عابثة بمن ترضي أو من تسخط إن أردنا أن نكون على قدر من المسؤولية وتحمل التبعات، ولعل قوة الصحافة في الغرب ناتج من هذه القضية ولذلك استطاعت أن تغير مجرى الأحداث في كثير من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأن قوتها من قوة الحق ونشاطها من نشاط المجتمع واستمراريتها من فهم قارئيها وثقافتهم ... إنك لن تحبس الإعصار في فنجان قهوة وكذلك لن تحبس الكلمة المشرقة الصادقة النافعة للأمة إن صدرت من نفس مؤمنة وعقل زكي ... هذا واقع يجب أن يكون ونحن نسير في ركب الحضارة القلق المليء بالأعاجيب والغرائب والمليء بالأحزان والمخاوف، ولكن هل هذا هو الواقع الذي نعيشه اليوم؟ هل وصلت صحافتنا العربية إلى الحد الذي تفرض فيه مادتها وفكرها وحقائقها على المجتمع بكل طبقاته؟
هل وصل محرروها إلى المستوى المطلوب من الجرأة والثقافة والدين والعقل؟ أسئلة ملحة تدور في رأس الإنسان وتسبب له داء الشقيقة كلما قلب نظره في صحافتنا العربية ..
لقد وقعت الصحافة العربية في أخطاء علمية ودينية واجتماعية وأخلاقية أكثر من أخطائها الطباعية وجرت على الأمة ويلات ومصائب لم يكن يطمع أكابر المفسدين بنصفها ... وذلك لشدة أثر الصحافة في نفوس الناس ولأن أكثر من يقرؤها من كانوا يقولون بأن الصحافة صاحبة جلالة لسطوتها بين الناس ولتحكمها في الرأي العام المؤثر في القرارات الرئاسية ولحب الأمة بكل طبقاتها، بل إن كثيراً من الناس يستمدون ثقافتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية من الصحف، وهو وإن كان دليل نقص وقصور وضعف إلا أنه حقيقة يجب أن نعترف بها إني أعتقد بأن الصحافة اليوم ليست صاحبة جلالة، بل هي جلالة تجمع ما يدور في هذا الكون دون تبصر ودون تبين لما هو نافع أو ضار هذا من ناحية عامة أما من الناحية السياسية فإنها تجمع في الأعم والأغلب ما يتبقى في زبالة مخابرات الدولة العظمى.. وحتى عند وجود صحيفة أو إذاعة ذات تميز معين فإنه يسمح لها بهذا التميز في وقت السلم دون وقت الحرب وواقع الأحداث يدل على ذلك بل تكون هدفاً أولياً وإن كان تحطيمها ناتجاً عن طريق الخطأ.. إننا نأنف أن نسير على طرقات مليئة بالطين والحصى والقاذورات مدعين بأنها دليل تخلف وهمجية ولأنها تؤذينا فتوسخ ثيابنا وتمزق جلودنا وتزكم أنوفنا ولا نأنف من أن نسير على رؤوسنا في طرق فكرية وسياسية واقتصادية وعرة مليئة بالأذى والحصى مما تصنعه صحافتنا المدجنة .
ما السبب يا ترى ؟ هل هو غباؤنا؟ اعتقد بأن غبائنا كبير جداً ولكنه ليس بالحجم الذي يسمح بهذا الكم الهائل من التناقض ...
هل هو خوفنا؟
إن خوفنا عظيم ولكنه ينقلب أحياناً إلى شجاعة مفرطة لغيبة الشعور وفقد الإدراك كما تتحول الهرة الضعيفة عند الهلع إلى نمر متوحش.
إذن ما السبب وراء ذلك كله؟
اعتقد أن السبب لا يمكن أن يكون أمراً واحداً، بل هو ترسبات وتراكمات تزداد مع مرور الوقت وتحكم العادة وبلاده الحواس والانغماس في التيار والرضى بالدون، تحتاج إلى دراسة متعمقة متفحصة تسبر أغوار التاريخ وأغوار النفس الإنسانية.
إن قضية الصحافة العربية قضية مهمة يجب دراسة آثارها على المجتمع والأفراد والدين والأخلاق والعادات، كما يجب دراسة نفسيات من يقوم عليها ودراسة تاريخهم وتطوره مع مرور الأيام وتعقد القضايا الحساسة. وأنت أيها القارئ الكريم محتاج إلى شيء من الدلائل على ما فعلته الصحافة في حياتنا وسأذكر لك شيئاً فاسداً من ذلك فأجعله كالإطار العام وطبقه على الصورة التي تريد. لقد ساعدت الصحافة العربية على استمرار الحكم الاستبدادي الذي يمنع من التفكير الحر ويسلب إرادات الشعوب ويحكم عليها بالعبودية الشاقة ... وهذا الأمر – ولا شك- يقود إلى خضوع الشعب وخنوعه، وبالتالي إلى موت النخوة والحمية فيعجز عن نصرة نفسه أو نصرة بلده أو معاونة من أذلوه، وكم طاغية هب يستنجد الشعب لما استبيح ملكه فلم يجد على ذلك أعواناً، يقول جوستاف لو بون الفيلسوف الفرنسي " .. ولكما كانت جيوش الثورة الفرنسية تصطدم بأمم أذلها الملوك المستبدون ولم يلق لها خيال تذب عنه كان النصر يحالفها ...." .
ومن جهة أخرى لقد جنت الصحافة على الأدب فحولته إلى سوق شعبي يباع فيه أردأ الأنواع بأغلى الأسعار وكأننا أعاجم لا يفقهون شيئاً ويحسبون كل خردة لها تاريخ طويل في عالم الشجاعة والبسالة والتضحيات .
وجنت على الفكر المتعمق الجاد فحولته إلى غانية لا ترى منها إلا أصباغها ولو حملت كوبا من الماء وألقيته عليها لتحولت إلى قطعة من الليل المظلم كحال كثير من المغنيات في هذا العصر الأبيض .
وحولت الكتاب الجادين المرموقين إلى مأجورين يكتبون بحسب السعر، فالصفحة لها تسعيرة والموضوع له تسعيرة وقلة الأخلاق لها تسعيرة حتى أصبح أكثرهم إذا رأى خياله رمى إليه بعظمة !!
لقد عملت الصحافة اليوم على إماتة الصفحات المقاتلة أي الصفات الصانعة لمجد الإنسان ومجد الأمة ومكنت حب الذات من السيطرة على النفوس فانصرف الناس عن المصالح العامة إلى المصالح الشخصية، وهذا سيقود إلى تفكك في البنية الصلبة مما ينتج عنه انهيار عاجل لا يمكَّن أهل النظر والرأي من إعادة الأمور إلى نصابها فتضيع أمة ويبدأ التاريخ دورة جديدة ..
كما هاجمت الصحافة معتقدات الأمة وآدابها وهما لب نظامها الاجتماعي وبذهابهما وتلويثهما يتغير المجتمع تغيراً سيئاً يعقب ضعفاً في الأنفس والأفكار بحيث تكون كالحصون المفتوحة للأعداء تدعو من يغزوها ويملؤها بما يريد، وفي هذا قضاء مبرم لروح الأمة وكيان الدولة..
هذا جزء يسير من كل مليء بالأسى والهوان قد دفن في جسد الأمة وأخذ يبلور نفسيتها وثقافتها ومواقفها مثل : العجز السياسي والضعف العسكري والهزال الفكري والتخلف الاقتصادي والانهيار الخلقي والفساد الإداري والحريات المصادرة والأموال المنتهبة والأرواح المزهقة واستغلال الدين وبث الأفكار المهجورة والتعلق بالرؤى والأحلام تعلقاً وصل حد التكهن من طرف المعبرين وحد التسليم والانطراح بين يدي المعبر من جهة الرائين، وتخلف التفكير ومصادرة الإبداع والجري وراء لقمة العيش والخوف من لا شيء .. وكل هذا البلاء إن لم يتم السيطرة عليه فإن وضع الأمة سيكون في خطر ماحق، إننا كأفراد نملك قوة عظيمة كامنة في قلوبنا وأرواحنا إن نحن ملكناها وعلمنا كيف نغذيها ونرفدها بالعلم النافع فإننا نستطيع أن نقف بها أمام وجه الصحافة مهما كانت قوتها وبطشتها أما إن التغيير العام الكلي يبدأ بالفرد وتربيته وتهذيبه ثم يطرد وينمو حتى يشمل الأمة كلها ولكن هذا التغيير لا بد له من إرادة عامة تشمل علية القوم وسفلتهم وبغير هذا سنكون لقمة سائغة في أفواه لم تعرف طعم النظافة.
|
|
|
|
|
|