آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أمريكا ونهاية عهد التشريعات الأخلاقية (( إطلالة سريعة على (1) التحول والانفلات الأخلاقي و (2) الاستبداد القضائي على حساب الديمقراطية في أمريكا ))

الجمعة 22 ذو الحجة 1437 الموافق 23 سبتمبر 2016
أمريكا ونهاية عهد التشريعات الأخلاقية   (( إطلالة سريعة على (1) التحول والانفلات الأخلاقي و (2) الاستبداد القضائي على حساب الديمقراطية في أمريكا ))
 

القاضي انتونيو سكاليا – المُتوفى قبل أسابيع – هو عضو المحكمة العليا الأمريكية لمدة ثلاثين عاماً، حيثُ لم يسبق لقاضٍ في تاريخ القضاء الأمريكي  أن قضى هذه السنوات الطويلة في المحكمة العليا.

وقد أحدثت وفاته عاصفة من ردود الأفعال والتنبؤات على جميع الأصعدة ، حيثُ يُعد هذا الرجل المعقل الأخير – ربما – الذي يلتجئ إليه المحافظون والكنيسة على حد سواء ، كما أنه بمثابة حائط صد لا يكل ولا يمل أمام حالة الانفلات الأخلاقي للمجتمع الأمريكي ، ولهذا ؛ فليس من المُستغرب أن تنعته حكومة ولاية تكساس الأمريكية في بيان العزاء بـ رجل الله!

الحقيقة ، لا يهمني أن أكتب عن هذا القاضي ، ولكن أهمية الإشارة إليه صادرة عن أهمية مُتعلِقِه وليس عن ذاته ، وبما أن للقاضي سكاليا أثره الكبير في قضيتين من أهم وأكبر قضايا المجتمع الأمريكي وبالتالي العالمي ، فإن للكتابة عنه جدواها ، وهاتان القضيتان هما (1) الأخلاق أو التشريعات الأخلاقية في أمريكا  و(2) الديموقراطية الأمريكية.

وتأتي أهمية القضية الأولى في كون البعض يرى في القوانين الأمريكية قوانين مثالية وعادلة ينبغي أن تسير المجتمعات في ركبها إذا أرادت أن تتطور ، وتأتي أهمية القضية الثانية لعلاقتها بالديمقراطية التي ُيروجُ لها كحل مثالي وبديلٍ وحيدٍ – كما يتصور البعض – للاستبداد والديكتاتورية.

(1-2)

نهاية عهد التشريعات الأخلاقية

العنوان أعلاه ليس من كلام الكاتب ولا هو صادرٌ من قلم ذي خلفية إسلامية ، بل هو مأخوذ من تعليق طويل للقاضي نفسه – أنتونيو سكاليا – في قضية شهيرة صدرت في عام 2003 وهذه القضية هي القضية المعروفة بـ LAWRENCE V. TEXAS وهي القضية التي حكمت فيها المحكمة العليا الأمريكية بالأغلبية بإلغاء قانون ولاية تكساس وإحدى عشر ولاية أمريكية أخرى ، وهذا القانون الملغي كان ينص على تجريم فعل فاحشة اللواط والسحاق وأي ممارسة جنسية خارج المفهوم الإنساني والفطري الذي يكون بين ذكر وأنثى ، وقد علق القاضي سكاليا على حكم المحكمة العليا هذا بتعليق يتضمن شيئاً من الحزن والغضب على ما آل إليه المجتمع الأمريكي وكيف أصبحت الأخلاق والقيم مُهملة عند اتخاذ القوانين ، وهو في تعليقه يتحدث بلسان الأقلية من قضاة المحكمة العليا الذين صوتوا ضد الإلغاء:

This effectively decrees the end of all morals legislation

إن قرار المحكمة العليا ، عملياً ، يُعلن نهاية عهد التشريعات الأخلاقية!

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن القانون أعلاه المتعلق بقضية  LAWRENCE V. TEXAS قد ألغى حكماً سابقاً في ولاية جورجيا في قضية أخرى شهيرة ، وهي قضية Bowers V. Hardwick   بتاريخ 1968 حيث أصدرت المحكمة في جورجيا حكماً بالعقوبة على اثنين من الجناة قاما بممارسة اللواط.

في عام 2015 أصدرت المحكمة العليا الأمريكية بالأغلبية  قرارها الذي ينص على السماح بزواج اللوطيين والساحقيات من بعضهم البعض ، واعتباره حقاً شرعياً لا يحق لأي ولاية من الولايات رفضه!

وكان القاضي انتونيو سكاليا حاضراً في المشهد  – كالعادة – ورافضاً للقرار ومتحدثاً باسم الأقلية الرافضة من أعضاء المحكمة ، وفي هذه المرة كان غاضباً بشكل أكبر حيث اعتبر أن القرار بطريقته المُتخذة يُشكل خطراً حقيقياً ليس على الأخلاق هذه المرة ، كلا فالتشريعات الأخلاقية انتهت منذ زمن ؛ وإنما القرار يُشكل خطراً كبيراً على الديمقراطية الأمريكية ، ومنذراً بعهد جديد من الاستبداد! وهو ما سنتطرق إليه في الجزء الثاني من الورقة وهو الجزء المتعلق بالديمقراطية.

كما لاحظنا أعلاه أن فاحشة اللواط كانت تُعد جريمة جنائية عند بعض الولايات ولها قانون عقوبات خاص يُسمى Sodomy Law  وبقي هذا القانون معمولاً به إلى عام 2003 حيث ألغته المحكمة العليا ، واعتبرت جريمة اللواط حقاً شخصياً لا يحق لأي ولاية أن تُحرمه على رعيتها ، هذا من حيث العلاقة خارج مسمى الزواج   ، أما أن يتزوج اللوطية والساحقيات فقد كان ممنوعاً في كل الولايات  إلى عام 2003 ، وأول ولاية سمحت به هي ولاية ماساشوستس الأمريكية في عام 2003 ثم ارتفع العدد منذ عام 2003 إلى عام 2015 إلى 36 ولاية تسمح بزواج اللوطيين ، بينما باقي الولايات تمنع هذا النوع من الزواج ، ثم أًصدرت المحكمة العليا حكمها المُشار إليه سابقاً بالسماح بزواج اللوطيين في كل الولايات الأمريكية واعتباره حقاً دستورياً لا يحق لأي ولاية أن تنص على خلافه.

نأتي إلى الملتحقين بالجيش الأمريكي ، في خمسينات القرن العشرين ، وفي ولاية الرئيس الأمريكي ترومان ، صدر القانون الموحد للقضاء العسكري الأمريكي وهو  ينص على منع اللوطية والساحقيات من الالتحاق بالجيش الأمريكي لأسباب عديدة منها: أن الإلتحاق بالجيش يتطلب أخلاقاً مُعينة وهو مالا يتوفر لدى الشاذين!

استمر العمل بهذا القانون إلى عام 1994 ، فمنذ الخمسينيات إلى 1994 كان اللوطية ممنوعين من الالتحاق بالجيش ، والاستبعاد يواجه من التحق بالجيش ثم اتضح شذوذه ، وفي عام 1994 أصدر الريئس الأمريكي بيل كلينتون قانوناً يسمح للوطية والساحقيات بالالتحاق بالجيش بشرط ألا يُفصح الملتحق عن شذوذه وسُمي القانون بـ Do not ask, Do not tell  “لا تسأل، لا تُخبر”  حيث صدر هذا القانون كحل وسط بين الرافضين لإلحاق الشاذين بالجيش وبين الداعمين فصدر بهذه الصيغة ، واستمرت الحال على هذا إلى أن أُلغي هذا القانون في عام 2011 في ولاية باراك أوباما ، حيث أصبح من حق اللوطية والسحاقيات الملتحقين بالجيش الإفصاح عن شذوذهم!

وهنا بعض النقاط :

الأولى : أن القانون الأمريكي متذبذب ، فما كان بالأمس محرماً ربما يكون اليوم جائزاً بل ربما يكون حقاً دستورياً كحق الحياة! وما هو اليوم جائزاً أو حقاً دستورياً ربما يكون غداً محرماً وجريمة يُعاقب عليها القانون ، وبالتالي فليس هناك معايير مطلقة للخير والشر والحق والباطل والصواب والخطأ ، بل المعيار الوحيد هو ما تُقرره الأغلبية ، فما رأته الأغلبية خيراً فهو خير وما رأته شراً فهو شر ، فلا عبرة بما ينطوي عليه ذلك الفعل أو التصرف من خير أو شر في ذاته ،  وهذا عائدٌ إلى النظرية النفعية في الأخلاق للفيلسوف البريطاني بنثام ، حيث وضع قاعدته الشهيرة ” السعادة الأكبر للعدد الأكثر” وهذا ظلم كبير ، فما هو ذنب مرتكب اللواط قبل ثلاثين سنة ؟ وكيف واجه أشد العقوبات ثم نرى أشباهه اليوم يفعلون ما يحلو لهم وبتأييد القانون نفسه الذي عاقب صاحبهم قبل ثلاثة عقود؟! وماذا لو اتفقت الغالبية مثلاً على إبادة عرق من الأعراق أو على منع الزواج وتشريع الزنا ، هل هذا يعني أن القتل حق ؟ وأن الزواج ذنب ؟

الثانية: من السرد أعلاه نُلاحظ أيضاً ، حجم الانفلات السريع والسقوط الأخلاقي المريع في الأمة الأمريكية ، التي تُعتبر أكثر تديناً من الدول الأوروبية في الجملة ، فكما أسلفنا كانت أول ولاية تسمح بزواج المثلين هي ولاية ماساشوستس في عام 2003 ثم ارتفع العدد خلال إحدى عشر سنة إلى ستة وثلاثين ولاية ثم أصدرت المحكمة حكمها بالسماح به في جميع الولايات في 2015 ، أي أنه فقط اثنا عشرة سنة منذ سماح أول ولاية بزواج المثليين إلى أن أصبح هذا حقاً دستورياً ، بينما كان بين معاقبة مرتكبي جريمة اللواط في ولاية جورجيا وإلغاء عقوبة اللواط في أمريكا أكثر من ثلاثة عقود!  وهذا يعني – بالتالي – تهاوي المجتمع الأمريكي لأنه باختصار أحدث شرخاً كبيراً في اللبنة الأولى من لبنات المجتمع وهو ” الأسرة ”

ولأن الأسرة هي اللبنة الأساس لكل أمة من الأمم ، فقد سعى الغيورون على أمتهم الأمريكية عبر الكتابة والتصريحات والدراسات للتحذير من مغبة إضعاف هذه اللبنة في المجتمع الأمريكي ، ولكن كلامهم لم يؤخذ على محمل الجد ، فعلى سبيل المثال ، نجد فوكوياما المفكر الأمريكي الشهير صاحب كتاب ” نهاية التاريخ ” نشر كتاباً بعنوان “الإنفجار العظيم” ، يتحدث فيه عن هذا الخطر ، خطر تفكك الأسرة الأمريكية وبالتالي تفكك المجتمع الأمريكي ، وهكذا صرح الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش بتصريحات أشبه بصيحات النذير ضد تشريع زواج الشاذين ولكن بلا جدوى ، وتصريحات أمثال هؤلاء لا يعني بالضرورة حرصهم على الاخلاق ، بل هم من أخبث الناس أخلاقاً وإنما يعني معرفتهم بحقيقة دور الأسرة والاخلاق في نهضة المجتمعات ، ولهذا فهم يحاريون الانفلات الأخلاقي في مجتمعاتهم وينشرونه بالقوة تحت اسم الحريات في المجتمعات الأخرى!

الثالثة : شريعة الله هي الوحيدة التي لا تتناقض ، والتي تناسب الجميع – المسلم والكافر – وتعدل معهم في كل زمان ومكان ، فما كان حراماً قبل مئات السنين سيظل حراماً ، وما كان جائزاً فهو جائز ، وقانون الشريعة يمارس كل هذا بطريقة كاملة شاملة تستحضر حاجات البشر كلهم بلا استثناء وتتعامل مع حاجة النفس البشرية روحاً وجسداً ، وتعطي للإنسان قيمته التي أعطاها الله له وكرمه بها ، ولا يمكن لأي تشريع غير شريعة الله أن يقترب من هذا الكمال فضلاً عن أن يوازيه ، بل كل التشريعات البشرية تشهد على نفسها أنها قاصرة ظالمة حتى بمعاييرها ذاتها ، وقضية منع اللواط وتجريم من يمارسه ومعاقبته ثم تجريم من يمنع من ممارسته = دليلٌ كاف على التخبط البشري إذا أقام البشر أنفسهم مقام الإله ، وحجة دامغة على قصور المصنوع إن توهم قدرته على بلوغ كمال صانعه.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - أبو يوسف ًصباحا 01:43:00 2016/09/25

    أتمنى ان لا اسمع مقولة أمريكا اسلام بلا مسلمين بعد اليوم خصوصا من يكثرون الخطب الفلسفه في الخطب الدينيه. ان الله يمهل ولا يهمل سترون حالهم عما قريب. فلن يطول بهم هذا الذنب البغيض لله وعباده اكثر من قوم لوط. فلقد نبهتهم الاديان جميعها من هذا بعد ما بدأوه قوم لوط .فليكن كل راع رشيدا لأهله ودعوا امريكا لربها فسترون قدرة الله عز وجل فيها. وأضنه خسف المغرب والله أعلم

  2. 2 - طارق مساءً 08:27:00 2016/09/25

    مقال رائع جدا.

  3. 3 - sami مساءً 05:51:00 2016/09/26

    جميل

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف