آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

أمريكا ونهاية عهد التشريعات الأخلاقية (2-2) الديمقراطية وحقيقتها في الواقع الأمريكي

السبت 30 ذو الحجة 1437 الموافق 01 أكتوبر 2016
أمريكا ونهاية عهد التشريعات الأخلاقية (2-2) الديمقراطية وحقيقتها في الواقع الأمريكي
 

الاشتياق والتسويق  للديمقراطية يلوح في أعين الكثير وفي أقلامهم وعلى ألسنتهم ، حتى على مستوى الإنسان العادي الذي ربما لا يعرف معنى الديمقراطية ولكنه يقول عند احتدام النقاش أو الخلاف مع رفيقه ” كن ديمقراطياً ” وهكذا ، فأصبحت الديمقراطية عند الكثير مثالاً منشوداً يُطمح إليه ، ويرون فيه الحل الوحيد للخروج من أزمة الاستبداد والظلم والتسلط ، بل وصل الحال ببعضهم إلى إفناء عمره تأليفاً وتصريحاً في إثبات أن الديمقراطية ركنٌ أصيلٌ من أركان الشريعة الإسلامية ، وأنها والشورى لا تختلفان إلا لفظاً! وهذا نوعٌ من الوهم طغى على بعضهم حتى تحول في عينيه إلى اليقين المطلق الذي لا يقبل النقاش!

وعند استحضار الديمقراطية في الحوار تلوح الديمقراطية الأمريكية في الأفق كمثالٍ حيٍ واقعيٍ لدولةٍ يعيش فيها كل أطياف الناس من شتى الملل والنحل والتوجهات ..

الحقيقة أن الديمقراطية عموماً تمر بمرحلة انتقالية ممكن أن تُسمى استبداد القضاء ، حيثُ أن السلطة القضائية في العقود الأربعة الأخيرة أخذت تتوسع في سلطاتها لترتفع  ليس فوق السلطة التشريعية والتنفيذية فحسب ، بل فوق الشعب الذي تزعم الديمقراطية أنها إنما تأتي بالقانون الذي يصنعه الشعب نفسه وتُعطي الكُرسي لمن يختاره الشعب نفسه !

ومع أن هذه الدعوى – أعني دعوى الحكم الديمقراطي – لا تعدو أن تكون شعاراً يُلوح به ولا تتفق مع الواقع ، لأن المسيطرين على الحكم معروفون ، والمال والإعلام – الذي هو ثمرة المال – يلعبان كامل اللعبة ويجعلان من الشعب ألعوبة بيد ثلة قليلة من الناس توجههم بفضل الآلة الإعلامية حيث تُريد ، وهذا يُلغي دعوى الحرية الحقيقية للاختيار –  كتب هيجل في هذا الباب كلاماً مطولاً ينفي فيه أن تكون الحرية هي مجرد الاختيار بل هي – كما يرى ويرى غيره –  أن يختار الإنسان ما يعتقده صواباً بعيداً عن أي مؤثرات خارجية – ولهذا ولأن هذا هو حال الديمقراطية ؛ فإن عدداً لا يُستهانُ به من الشعب الأمريكي يعرف أن الديمقراطية مجرد لعبة ، وأن أصواتهم  لن تغير من الواقع والمستقبل المخطط له شيئاً ، وبالتالي فهم لا يضيعون أوقاتهم للذهاب للتصويت!

استبداد المؤسسة القضائية وتوسع سلطتها أصبح محل اهتمام الباحثين في حقل ما يسمى :

Judicialization of politics  أو Age of Judicial Power وتتضح هذه الظاهرة بشكل جلي في كندا وأمريكا لتتحول الديمقراطية من حكم الشعب الذي يمثله المجلس التشريعي إلى حكم مستبد يقرره عدد من القضاة لا يتجاوز أصابع اليدين ، فالمؤسسة القضائية إذن لم تعد تقوم بصلاحياتها فقط ولكنها أخذت أجزاء من صلاحيات المجالس التشريعية وهي تحتل مع الوقت أجزاء أكثر وأكبر ، ليعود الاستبداد من جديد ولكن في صورة مختلفة وبلون آخر.

وهنا يحضر القاضي انتونيو سكاليا مرة أخرى منذراً ومحذراً من استبداد المحكمة العليا الأمريكية – وهو أحد أعضائها – وأنها تعمل بطريقة تُشكل خطراً على الديمقراطية التي قامت عليها الولايات المتحدة ..

في عام 2015 قررت المحكمة العليا بالأغلبية 5 إلى 4 أصوات ، اعتبار زواج اللوطيين والساحقيات حقاً دستورياً لا يجوز لأي ولاية من الولايات أن تمنعه ، وقد كان الأمر قبل ذلك خاضعاً للولاية نفسها.

وقف القاضي سكاليا في الجانب الرافض للقرار ، وتحدث بكلام مطول باسمه وبالنيابة عن بقية الأربعة المصوتين ضد القرار ، وتناول سكاليا في كلامه موضوع الديمقراطية ، وأن ما يحدث اليوم من تسلط المحكمة العليا هو تهديد حقيقي للديموقراطية بل هو إلغاء لها ، لماذا ؟ لأن مصير وخيارات ما يقارب من 320 مليون أمريكي أصبح بيد تسعة أشخاص فقط! هم من يقررون هذه الخيارات وهم من يختارون الأصلح لهذا الشعب الذي يظن واهماً أنه يعيش في حكم ديمقراطي! يقول :

I write to call attention to this Court’s threat to American democracy

أنا أكتب للفت الانتباه إلى خطر هذه المحكمة على الديمقراطية الأميركية!

A system of government that makes the People subordinate to a committee of nine unelected lawyers does not deserve to be called a democracy.

إن نظام الحكم الذي يجعل الناس يتبعون لجنة غير منتخبة مكونة من تسعة محامين – يقصد قضاة المحكمة العليا – هو نظام لا يستحق أن يسمى نظاماً ديمقراطياً!

Today’s decree says that my Ruler, and the Ruler of 320 million Americans coast-to-coast, is a majority of the nine lawyers on the Supreme Court.

القرارات الحالية تقول : الذي يحكمني ويحكم ثلاثمئة وعشرين مليون أمريكي من الساحل إلى الساحل هم الأغلبية  من قضاة المحكمة العليا التسعة!

إن القاضي سكاليا يقول بلغة واضحة ” إن المحكمة أصبحت تسيطر على خيارات عشرات الملايين الأمريكيين ، وتقرر بنفسها كيف يعيشون بدلاً من الديمقراطية التي قامت عليها الدولة ، والتي تجعل من صوت المواطن وممثله في المجلس التشريعي جزءً أساسياً من قرارات وقوانين الدولة.

وهنا بعض النقاط أيضاً :

الأولى : الديموقراطية هي مجرد نظرية ولكنها في الواقع لم تحصل ، نعم، ربما يستطيع بعض المسيطرين على المال والإعلام إيهام الناس بوجود الديمقراطية وأنهم يتفيئون ظلالها ، وعن طريق شعارات الديمقراطية يجني هؤلاء الأغنياء والنخب أكثر مما يمكن أن يجنيه الإقطاعي في زمنه ولكن في هذه المرة = بموافقة تامة وتصفيق من العامل المستعبد نفسه!

الثانية : منذ أن خلق الله البشر وهم بين أمرين لا ثالث لهما 1) إما أن يكونوا جميعاً سواسية ، يحكمهم دستورٌ أعلى يتميز بعلوه عن البشر وسموه فوق أهوائهم ، وهذا هو شرع الله ولا غيره ، فإن أبى الناس هذا الخيار فهم أمام الخيار 2) وهو أن يحكم بعضهم بعضاً ويعلوا بعضهم على بعض ويستعبد بعضهم بعضاً ، فالماضي الديموقراطي وحقيقته كما أشرنا سابقاً هو شاهدنا ، والقاضي سكاليا هو شاهدنا في الحالة الأمريكية الحالية ، عندما يشهد بوضوح بأن الناس في أمريكا يخضعون لحكم تسعة أشخاص فقط وهو أحدهم وأن الديمقراطية المزعومة مجرد وهم.

فالهروب من التبعية للأديان وسطوتها ، الذي زعمه الناس وروج له الفلاسفة ، لم يوصل الناس إلى بر الأمان وحرية الإنسان التي يسعون إليها ، وإنما نقلهم من عبودية الله وشرعته التي تعامل الناس سواسية وتلبي للإنسان كل ما يحتاجه جسداً وروحاً إلى العبودية للإنسان نفسه ، حيث تحول العدد الأكبر من الناس إلى أسرى وعبيد في أيدي ثلة من الناس تُحركهم كما تشاء وفي أي اتجاه تريد ، وكهذا ، يبدو أن البشرية بحاجة ملحة ، إلى جيل جديد ، يعيدُ قولاً وعملاً ، ذلك الشعار الذي تردد في الأرض قبل قرون ، إن الله بعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف