آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الرأسمالية الثقافية (الجزء الثالث)

الخميس 05 محرم 1438 الموافق 06 أكتوبر 2016
الرأسمالية الثقافية (الجزء الثالث)
 

 

العناية بمعيشة المجتمع هي الطريق إليه:

الخُلطَةُ بالمجتمع، وتلمس حاجاته، والدخول في عمقه، هو الرصيد الحقيقي والسلاح الخفي الذي سيؤدي دوره باقتدار عند المهمات. وهذا الميدان هو ميدان الدعاة بلا منافس، لأن المـُفسد لا تزعجه هموم مجتمعه إلا ما ندر. ومجتمعنا بطبيعته متدين وبسيط، ولا يزال -في أغلبه- يحترم الدين وأهله.

وقد توهم الداعية والمربي والمصلح، الذي كان يزرع زرعه المبارك في مجتمعه بهدوء، مع ثورة الاتصالات ونشوة وسائل الاتصال، توهم أنَّ التحول إلى تلك الوسائل هو الطريق الجديد –والوحيد- للدعوة والإصلاح، فانسحب من الميدان الأساس الذي لا يستطيع أحدٌ أن ينافسه فيه، إلى ميدان وسائل التواصل -تويتر، يوتيوب، سناب تشات، الخ- ففوت بذلك خيراً كثيراً، وانسحب من ميدان هو صاحبه، ومعركة هو المنتصر فيها بلا منازع، إلى ميدانٍ فيه آلاف الدعاة والدعوات من شتى المشارب. لقد توهم هذا المصلح أن كل المجتمع قد التحق بركب وسائل التواصل تلك، ولم يعلم أن شطره ربما لا يزال ينتظره في ذلك الميدان الذي غاب عنه.

إن المجتمع يعاني من هموم ومشاكل كثيرة يعرفها من خالطه، ونظر في أحوال الناس. فقر، ظلم، عضل، فراغ، ابتزاز، عقوق، وغير ذلك، هي هموم المجتمع الحقيقية. والسعي في معالجة هذه الهموم هو الطريق المعبد لكسب المجتمع والتأثير فيه.

لقد غاب المصلحون -في الجملة- عن هذا الميدان، وازدادت هموم الناس ومشاكلهم، واتسعت، واستغل الـمُفسدون هذه الهموم والمشكلات لرفع شعارات توهم بأنهم يريدون إصلاحها؛ وأحالوها إلى مطالب ورفعوها بغية إسقاط الشريعة والدين من واقع الناس، وليس بهدف حل مشكلات الناس تلك. فنتج عن ذلك أن المصلحين حاربوا تلك الشعارات والمطالب التي رفعها المفسدون لمعرفة المصلحين بحقيقة ما يدعو إليه المفسدون. فما الذي حصل كنتيجة لهذا النزاع؟!

الذي حصل أنَّ المفسدين أوحوا إلى المجتمع بأنَّ المصلحين هم السبب في استمرار هذه الهموم والمشكلات، والدليل أنهم يحاربونها. فأنتج ذلك وحشة بين المجتمع وبين الدعاة، وتقارباً بين المجتمع والمفسدين! ولو أنَّ المصلحين استمروا في الميادين، وسعوا في علاج مشكلات المجتمع بما يرتضيه الدين لرفعوا من رصيدهم في أوساط المجتمع أولاً، ولرفعوا من مكانة الدين ثانياً، ولأغلقوا الباب على المفسدين ثالثاً.

نشر المنشور:

هناك إصدارات نوعية جميلة ومواكبة للواقع، مكتوبة ومسموعة ومرئية؛ لكنها لا تُعرف إلا لدى قلة قليلة من المتابعين. فكتاب ككتاب (فضاءات الحرية) للشيخ سلطان العميري، هو كتابٌ جيد، ويتناول مسائل مُلحة تُطرح كثيراً ويجيب عنها بنفَسٍ علمي رصين. لكن الكتاب قليل التداول، معروفٌ عند فئة قليلة من الناس، وأغلبهم من طلبة العلم أو النخب.

مقاطع اليوتيوب التي يقدمها الأستاذ الكريم رشاد القرني مقاطع جميلة جداً، وعصرية وتناقش قضايا مهمة للشباب؛ ومع هذا فلا تزال مقاطع الأستاذ تُتداول في مساحات ضيقة، ولا يعرفها الكثير من شباب الجيل.

هناك أسباب لقلة انتشار مثل هذه الأطروحات والمرئيات، ولكن الذي يهمنا هنا هو الإسهام في النشر، والدور هنا يقع بالدرجة الأولى على المشاهير، ومن المعلوم أن أشهر الشخصيات في صفحات التواصل شخصيات إسلامية، ويتابعهم ملايين الناس. فلماذا لا يزكي هؤلاء المشاهير لهذه الإصدارات لتسويقها بين أفراد المجتمع عموما؟!

 أعتقد أن الأمر جد سهل، ومع هذا فهو مُهمل! وسبب إهمال هذه الوسيلة عائدٌ للغفلة والارتجالية، وقلة التنظيم، وليس لأسباب أخرى. وهذه الوسيلة وسيلة عظيمة جداً لو استغلت، وقد سماها أحد الفضلاء في طرح له بـــ"جيوش تويتر" -وقد أصاب.

إحياء الإحياء:

لعقود طويلة كان العالم الإسلامي -ولا يزال- مستهدفاً بالشبهات والشهوات، من المخالفين وأعداء الدين. وقد اشتد عود هذه الشبهات والشهوات، واستشرى شررها في العصور المتأخرة؛ لا سيما بعد تفكك المجتمع المسلم وضعفه وتخلفه. وقد هيأ الله في كل حقبة من تلك الأحقاب من عباده من يذود عن حياض الشريعة ويُحييها في نفوس الناس، ويبين الحق بلسانه وقلمه. وقد عُرفت تلك الأطروحات في حينها، ولقت رواجاً، وأدت مهمتها في هدم الشبهات -كأحسن ما يكون.

تلك الشبهات التي طُرحت قبل قرون أو عقود، وكُشف عوارها في وقتها، تعود اليوم؛ لكنها تُبعثُ في ثياب جديدة، وبصيغٍ مختلفة، مع بعض تعديلات! وكجزء من الرد على هذه الشبهات التي أُعيد إنتاجها، ينبغي أن يُعاد إنتاج الأطروحات التي ردت عليها في الأحقاب الماضية. وأحبُ أن أُسمي هذا المشروع بــ "إحياء الإحياء". ولا بأس عند نشر هذا الرصيد الـمُهمل أن تحتف به بعض التعليقات والحواشي التي ربما تكون ضرورية لتنفقَ تلك الأطروحات، ولتكونَ صالحة لحاضرنا. وكمثال على هذا الردود على كتاب (الإسلام وأصول الحكم).

إعادة نشر تلك الأطروحات هو من الأهمية بمكان؛ لكن لا ينبغي بحال أن يؤدي ذلك إلى التكاسل عن الرد بأقلامٍ عصرية، فإنه لا شيء يفوق "الطرح العصري" للرد على الشبهات المتجددة؛ لأن الشبهات وإن كانت مُعادة فإنها تُعاد في ثيابٍ جديدة، تستحضر واقع العصر وتطوره التقني وما إلى ذلك، فناسب أن يكون الرد من ابن بيئتها، وممن عايشها، لأنه أعرف بمداخلها ومخارجها.

تنويع طُرُق الخطاب:

لم يُعد الكتاب يحملُ ذلك الرونق الذي كان له، وأما الشريط فقد انتقل إلى رحمة الله؛ فقد حضرت وسائل جديدة، أثبتت وجودها، وصنعت لها جماهير غفيرة. ولم يعُد كثيرٌ من الناس يستمعون للكلام الطويل، أو يقرأونه، وإن كان هناك من لا يزال الكتاب رفيقه. وهناك من لا يستهويه إلا المرئي؛ وآخر يحبُ الكلام المختصر، ورابعٌ لا ينتشي إلا إذا رأى أو سمع كلاماً معقداً أو غير مفهوم! هذا التنوع والاختلاف لدى المـُتلقي يجعلُ من الضرورة استحضاره والعناية به عند توفير الوسائل له، وصياغة الخطاب إليه.

من هنا فإن المشاركة بمقاطع يوتيوبيه جاذبة، تُقدمُ ما يطلبه المتابعون، ضروريٌ جداً. والطرح الإسلامي في اليويتيوب وإن كان كثير إلا أنه بدائي، على العكس من غيره. فإننا نجدُ أطروحات أهل الأهواء في اليوتيوب جاذبة جداً، ومبسطة لإيصال الفكرة. كذلك المقاطع الصوتية القصيرة، فإنها وسيلة مهمة شبه مُهملة. وكذلك المقالات الصوتية شبه مهملة أيضاً في الطرح الإسلامي.

برامج تأصيلية تأهيلية:

لم يعُد خافياً -خاصة في ظل الهجمات التشكيكية في الدين- حجم الضعف الديني عند كثير من الناس. وهذا يعود إلى طبيعة التنشئة الدينية التي سار عليها المجتمع لفترات طويلة؛ حيثُ كانت التنشئة تنشئة تلقينية تعتني بالمظاهر، ويسير الآخر على خُطى الأول، لا لشيء إلا لأنه رأى الناس يسيرون في ذات الطريق! وهذا لا يعني الحرب على التلقين، أو خطأ تبعية جماعة المسلمين، كلا، وإنما نعني أنه حصل إهمال أركان أخرى مهمة في عملية التنشئة.

لأجل هذا فإنَّ من الواجب والضرورة المـُلحة إقامة برامج تُعنَى بإبراز عظمة هذا الدين وعقلانيته، وتكامله ومناسبته لكل زمان ومكان. برامج ليس دورها الإجابة عن الإشكالات والاعتراضات والشبهات فحسب، بل تزرع وتبني بشكل متكامل، ليكون الجيل بعد ذلك مُحصناً في نفسه هادماً لطرح غيره، بل مهاجماً بالفكر والسلوك والعلم لما يجتهد في بنائه المبطلون.

ولعل من الأمثلة المعاصرة على ما نعني (برنامج صناعة المـُحاور)، الذي هو اليوم في نسخته الثانية. ومع أنه برنامج قام على أيدي ثلة قليلة من الناس، وبإمكانات بسيطة جداً، إلا أنه أنتج ثمرات غير متوقعة، وانتشر خبره بين الجيل، وتهافت عليه الشباب في نُسخته الثانية، حتى أغلق أبواب التسجيل في بضعة أيام! كل هذا مع قلة الموارد والإمكانات. فماذا سيكون حاله لو عُني به أكثر من حيث الدعم والموارد؟! وماذا لو استنسخت التجربة في ذات الحقل أو في حقول أخرى؟! سيخرجُ جيلٌ مؤمنٌ حقاً وصدقاً.

ختاماً..

الأمر جد مهم ومتشعبٌ وطويل، والغاية التي نُريد الوصول إليها غاية شريفة نبيلة؛ والخطوة الأولى كما ذكرنا من قبل هي: الاعتراف بتقسيمٍ معين للسوق. وكلما كانت هذه الخطوة أكثر وضوحاً ودقة كلما كان هدفنا أقرب وأنجح. ومتى حصل ذلك التقسيم بشكل دقيق انبنى عليه نوع الإصدار وحجمه وعنوانه ولون غلافه ومكان بيعه طبقاً للفئة المـُستهدفة.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف