آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

الرأسمالية الثقافية (الجزء الثاني )

الخميس 05 محرم 1438 الموافق 06 أكتوبر 2016
الرأسمالية الثقافية (الجزء الثاني )
 

حلول مقترحة لسد الفجوة الثقافية بين النُخب والمجتمع

إن وصل المنفصل بين المجتمع الظمآن والنخب المثقفة؛ وإحياء الاتصال بين الطبقتين، وإعادة الثقة بين الـمُلقي والـمُتلقي، مشكلة بحاجة إلى إصلاح وعناية، على مستويين: الأول: صناعة المحتوى المناسب للمجتمع، والثاني: كيفية إيصال هذا المحتوى إلى المجتمع.

وقبل تناول هذين المستويين من المشكلة ينبغي أن نُحدد أولاً: من هو المخاطب؟ وما نوعيته؟ فأول خطوة يجب النظر فيها، ودراستها بعناية تقسيم الـمُخاطبين والمستهدفين في المجتمع إلى فئات متعددة؛ ومن هنالك ننطلق إلى الخطوة الثانية، وهي توفير ما تحتاجه كل فئة. فينبغي أن يضع هذا التقسيم في الحُسبان طبيعة الـمُتلقي واهتمامته، والنوافذ التي ينهل منها هذا المـُتلقي، ودرجة ثقافته وغير ذلك مما يعرفه الـمُتخصص.

فهناك مُتلقٍ -على سبيل المثال- يُصدق ويثقُ بكل ما يصله عبر وسائل التواصل، والانتشار كافٍ عنده للثقة به وبمحتواه. وهناك آخر يثقُ بالألقاب التفخيمية، أو يطير لبه للغرائب ويصدقها.

وفيما يتعلق باهتمامات الـمُتلقي، فهناك من لديه اهتمامات تتعلق بالغيبيات، وآخر لديه تساؤلات تتعلق بالتاريخ الإسلامي، وثالث لديه تساؤلات حول شُبهات متعلقة بالحياة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبالخلافة الراشدة، وهكذا.

وفيما يتعلق بالنوافذ التي يستقي منها الـمُتلقي فهناك من لا يعرف إلا الواتسآب، وهناك من يبني ثقافته على ما يراه في السناب شات، وثالث مُتابع لليوتيوب، ورابع مغرم بالتويتر، وخامس مُحب للقراءة، وهكذا.

إذا حصلت هذه التقسيمات فإنه يسهل معرفة اللغة المناسبة لكل قسم، والمزاحمة والمشاركة في جميع النوافذ المتاحة. نعم هذا جهدٌ مُرهق، لكنه عبادة وجهاد، ومن عرف أهمية العبادة والجهاد هان عليه كل شيء لأجلهما.

أما بخصوص المحتوى المناسب وأدوات إيصال هذا المحتوى للناس؛ فإنَّ المحتوى الـمُناسب وأداة إيصال هذا المحتوى متداخلان في بعض المواطن، ولأجل هذا فقد كان من الأصوب -من وجهة نظرنا- سرد العناصر المُراد الإشارة إليها، بلا فصلٍ بين ما يتعلق بالمحتوى وما يتعلق بالأدوات.

لا فكرة بلا مال:

رغم تعدد الأفكار الإيجابية والمشاريع النهضوية، إلا أنها لا تلبث أن تُطوى قبل أن تُروى، وتموت في مهدها قبل أن تسير على رجليها. وما ذاك إلا لضعف الضخ المالي أو ربما انعدامه كلياً. فتموت المشاريع في مهدها، وتبقى كلاماً يُتداول في المجالس وجلسات الأصدقاء، أو ربما ولدت ولكن معاقة ضعيفة؛ رغم قوة المضمون والمحتوى، لكنها تبقى ضعيفة لأنها لا تملك المال الذي ينشرها في صورة مشرقة ومناسبة وعلى نطاق واسع.

وفي حين تتكدس الأموال عندما يُعلَنُ عن الرغبة في التبرع لبناء مسجد تضمحل وتتلاشى عندما يُطلب من هؤلاء المتبرعين أن يدعموا المشاريع الخيرية، كطباعة الكتب وما إلى ذلك. والسبب في هذا يعود -في تصوري- إلى جهل الـمُتبرع بأهمية تلك المشاريع. ولا أنسى صدمتي عندما رأيتُ بعض الفضلاء يحاول توفير مبلغٍ ماليٍ زهيدٍ لدفع إيجارات متأخرة لمركزٍ إسلاميٍ مُعتنٍ بمواجهة الإلحاد والشبهات! والحل لهذا الإشكال بيد العلماء الثقات في تبيين أهمية تلك المشاريع، وما فيها من الفضل والأجور.

تبني الشباب:

خلال السنوات القليلة الماضية، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وهيمنتها، وغزوها لكل البيوت حتى أصبحت في متناول الجميع، ظهر جيلٌ من الشباب الذين استطاعوا أن يحجزوا لهم مقاعد متقدمة في سلم الشهرة؛ وصار الجيل يتتبعهم في كل مكان، سواء في السناب شات أو التويتر أو الانستقرام أو غيرها. ولا يستطيع الداعية أن يُنافس هؤلاء إلا في حالات نادرة، وذلك لعدة أسباب، منها: الفراغ الكبير لدى هؤلاء النجوم على العكس من الدعاة أو النخب؛ واختلاف طريقة التفكير والذي يعود سببها إلى اختلاف العمر أو اختلاف البناء المعرفي بين هؤلاء الشباب الـمُتلقين وبين النُخب؛ والقالب الجدي الذي وضع فيه المصلحون أنفسهم!

وقد استطاعت القنوات الفاسدة أن تلتفت لهؤلاء الشباب في وقتٍ مُبكر؛ وأن تدعمهم وتستوعبهم؛ حتى أصبحوا في حالات كثيرة وسطاء بين مشاريع الفساد وبين الجيل، وفي حالات أخرى وقفوا على الحياد بين مشاريع الإصلاح وبين مشاريع الإفساد، وبالتالي فهذا يعني انتصار الفاسدين!

ولعل من الأمثلة على ذلك: أحد نجوم وسائل التواصل الذي بدأت شهرته بتصرفات غريبة اكتسب من ورائها جمهوراً حاشداً، ثم تحول بعد ذلك إلى شخصية تربوية تنشر كتاباً تُحذر فيه الفتيات من الزواج الـمُبكر، وكالعادة فقد تهافت جمهوره على شراء هذا الكتاب! ولك أن تتخيل حجم التأثير، وكيف استطاع المتبنون لهذه الدعوات إقناع عدد كبير عن طريق هذا الوسيط الذي لا يُحسن كتابة بضعة أسطر!

كيف نتعامل مع هؤلاء؟

التهميش ليس حلاً؛ ولكن دعم كل من يشتهر مشكلة أخرى أيضاً. الذي يبدو لي أن كثيراً من هؤلاء الشباب هم في الحقيقة شخصيات عادية، عفوية، بمعنى أنهم ليسوا أصحاب توجهات فكرية معينة، يحاربون لأجلها، أو يهدفون لتسويقها؛ بل هم من جملة الناس. ومن كانت هذه حاله فأمره سهل، حتى وإن وقع في أخطاء؛ على العكس من صاحب المشروع. نعم هناك أصحاب توجهات معينة، وغرضهم تسويق أفكار محددة، ولكن الغالبية -على الأقل في بداياتهم- ليسوا كذلك.

والذي أقترحه -بعيداً عن المثالية التي قتلتنا، والأعذار من نوع إنه لا يزال شاباً وربما ينتكس، وربما.. وربما..- أن يُدعم هؤلاء ويتبنون؛ وأن تُفتح معهم قنوات للتواصل، ما دام أنَّ النجم منهم لا يتكلم في دين الله بما لا يُحسن. فإن كان ممن يتكلمون في دين الله بجهل وهوى فلا حل مع هؤلاء إلا الرد العلمي. وأما من كان طرحه عفوياً عادياً فالأولى أن يدعم وأن يستوعب، أو في أقل الأحوال أن تكون هناك حلقة وصل بهم، تُبقيهم على الحياد إن لم يكونوا في صف الإصلاح.

صناعة الرموز:

الجيل الشاب يعشق متابعة ابن جيله. وشخصياً ناقشتُ بعض من هم في عُمري أو دونه، فكان الاقتناع أعلى بسبب التقارب العمري من وجه، ولأن الشاب أعرف بتساؤلات ابن جيله، ومن هو في عمره من سواه؛ ليس فقط لمعرفة طبيعة السؤال ولكن لمعرفة أسبابه وما وراءه، وما هي الطرق الأقوى والأنجع للرد.

الـمُلاحظ في العمل الإسلامي إهمال شبه تام لهذا الباب. أعني صناعة رموز شبابية من الشباب الذين لديهم قدرة تؤهلهم ليكونوا رموزاً. مع العلم أنَّ هناك أعداداً وفيرة من الشباب المتدين المتهيء لمثل ذلك، سواء في حصيلته العلمية والفكرية أو في قدرته على التأثير. بل أقولها -بكل ثقة- بأن لدى صف الإصلاح من هؤلاء الشباب أعدادا أكثر بكثير مما لدى صف الإفساد. بالإضافة إلى أن حجم ثقافة هذا الشباب الصالح أعلى بمراحل من أقرانهم من الفاسدين. ورغم هذا إلا أن الشاب الصالح يُعاني كثيراً بل ربما يُحارب! وكل هذا يمارس تحت أعذارٍ واهية مثل: لم يشتد عوده، ربما يصيبه غرور، نخشى أن ينتكس! وفي المقابل تجد أهل الفساد يتبنون كل من يخطو خطوة فاسدة، ويصنعون منه رمزاً مثقفاً حُراً طموحاً، يُقدم للجيل بألفاظ تفخيمية هو لا يفهم معانيها فضلاً عن أن يتحلى ببعضها!

من الضروري جداً دعم هؤلاء الشباب، والتواصل معم، وتسديدهم، واللطف معهم؛ إذ هم الحبل الوثيق بين النخب والعامة، وهم الوسيط االناجح بين العلماء والدعاة الكبار وبين الجيل. وأما إغلاق هذا الباب بمثل الحجج السابقة فهو خطأ واضح لا يخالفُ فيه إلا الـمُغيب عن واقعنا الحاضر.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف