آخر تحديث الساعة 20:24 (بتوقيت مكة المكرمة)

المجتمعات المسلمة وتحديات ما بعد العولمة

الخميس 19 جمادى الأولى 1438 الموافق 16 فبراير 2017
المجتمعات المسلمة  وتحديات ما بعد العولمة
 

دار الكثير من الحديث والجدل في العقود الماضية حول موضوع العولمة ومحاولة فهمها والاستعداد لها واستثمارها وتلافي آثارها السلبية على المجتمعات الإسلامية ، وبغض النظر عن تقييم  العمل الذي تبع ذلك التنظير ومدى تفاعلنا الإيجابي مع تلك الظاهرة العالمية فقد مرت بزخمها الهائل وألقت بظلالها على مجتمعات المسلمين والعالم و نقلتنا أعاصيرها إلى عصر ما بعد العولمة الذي نعيش بدايته في هذه السنين  والذي تغير و اختلف فيه الزمان وأهله اختلافاً كبيراً، ذلك الاختلاف وإن كان ضخماً كبيراً إلا أنه لازال في بدايته وما ينتظرنا من التغير والاختلاف في مجتمعاتنا أكبر وأخطر ! ومالم نبذل ما يجب من  الجهود في الفهم والعمل فإننا قد نخسر معركة البقاء والإبقاء على ماهو قيم وجميل في مجتمعاتنا .

 

لمحة مختصرة عن مصطلح ما بعد العولمة ومراحل تطوره :

سنتناول مصطلح ما بعد العولمة من الناحية الثقافية،  فهذا المصطلح نستخدمه لنشير إلى  ظاهرة عالمية تراكمية مرت بمراحل تدرجت فيها لتصبغ عالمنا اليوم بخصائص وسمات مستجدة لم تكن معهودةً في السابق .

فالعولمة من الناحية الثقافية  نتاج للعالمية  ، ومابعد العولمة  نتاج للعولمة ، والحكومة العالمية المرتقبة التي تبشر بها وتخطط لها شخصيات وشركات وتنظيمات ومؤسسات دولية كبرى قد تكون نتاج لعصر ما بعد العولمة الفوضوي!

 

مر العالم بمرحلة العالمية وهي مسمى يطلق على انتقال الثقافات والأديان والأفكار وأنماط وأساليب المعيشة بين أجزاء العالم  عبر وسائل الانتقال التقليدية القديمة كالكتاب والنقل البحري والمنتجات الاستهلاكية البسيطة التي تداولتها شعوب العالم آنذاك ، فانتشار البهارات ومنتجات الصناعة والنسيج الهندية مثلاً  في العصور السابقة واستهلاكها في أنحاء متفرقة من العالم كان ينقل معه جزءاً من الثقافة الهندية إلى أنحاء العالم التي تصل إليها   ، وانتشار التجارة الإسلامية في ربوع العالم نشر معه دين التجار المسلمين ونشر معه جزءاً كبيراً من ثقافتهم وعاداتهم.

 

عندما تطورت وسائل الانتقال والاتصال واستحدث الطيران وتطور النقل و الشحن البري والبحري وتطورت وسائط نقل الصوت والصورة بين بلدان العالم كالمذياع والتلفاز والبث الفضائي وغيرها، تحولت العالمية إلى عولمة وتبادلت شعوب العالم الأفكار والعادات والثقافات وأنماط المعيشة من خلال هذه الوسائط  بشكل مكثف ، وكان لهذا التحول هزة كبيرة للمجتمعات في أنحاء العالم حيث تغيرت سماتها وملامحها بشكل كبير وتلاشت الكثير من مبادئها وخصائصها الثقافية والاجتماعية واستبدلتها بخصائص ومبادئ أخرى وافدة    .  

 

ثم بعد أن ظهرت شبكة الانترنت وتطورت تطبيقاتها وأدواتها وتغلغلت في المجتمعات ولازمت جل أفرادها بشكل شبه كامل عبر الهواتف والأجهزة الذكية  انتقلنا إلى مرحلة أخرى أكثف تفاعلاً  وتبادلاً في الثقافات  والأفكار والسلوكيات ، ودخلت عناصر تأثير ثقافي جديدة لم تكن معهودة في عصر العولمة حيث أتاحت الانترنت فرصة  للأفراد والتيارات والجماعات التي لم يكن لها منبر تأثير جماهيري  كي تؤثر وتبث قناعاتها وأفكارها إلى كل أجزاء العالم  ، وأصبح للفرد  في هذه المرحلة  دور أكبر مما مضى  في التأثير على التفاعل  العالمي حيث  أصبح بإمكانه أن يؤثر في مجتمعه أو المجتمعات العالمية تأثيراً يفوق تأثير قنوات فضائية  وامبراطوريات إعلامية تدعمها دول !

وهذا التطور الهائل في سرعة وكثافة التواصل البشري بين كل أفراد العالم  بسبب الانترنت وتطبيقاتها قد غير و سيغير ملامح العالم  ومجتمعاته بشكل متسارع  و سيفرز ظواهر اجتماعية وتحولات بشرية غريبة ، وقد انتقل بنا إلى عالم ما بعد العولمة الذي نحاول في هذه الورقة القصيرة أن نتكهن بملامحه وبما ستكون عليه أحواله وأحوالنا .



سمات مجتمعات ما بعد العولمة :

هناك سمات تميز مجتمعات عصر ما بعد العولمة الذي نعيشه اليوم، بعض هذه السمات قد اكتمل ظهورها وتحققها في جزء كبير من مجتمعات العالم والمسلمين وبعضها لايزال تحققه في بدايته  في بعض المجتمعات المحافظة التي لازالت تقاوم والتي تتمتع بهوية ثقافية صلبة ومتماسكة كالمجتمعات الاسلامية، ومن أبرز تلك السمات ما يلي :

 

  1. التفتيت الذري للمجتمعات :                        

لقد كان الناس في مرحلة العالمية ينظمون أنفسهم في مجتمعات تتكون من جماعات وأفراد،  كانت الجماعات المكون الأساسي الأبرز للمجتمع ، لم يكن للأفراد  المستقلين والمختلفين  فكرياً أو عقدياً عن مجتمعاتهم دور أو تأثير أو وزن يذكر في تلك المجتمعات ، لقد كانوا يعيشون على هامش الحياة تماماً، أما الروابط التي كانت تلتف حولها الجماعة فهي ثلاث روابط : رابطة  الدم والقبيلة والعرق والنسب،   ورابطة  الفكرة والعقيدة ، ورابطة الموقع الجغرافي  واللغة. كانت الجماعات آنذاك في الغالب ترتبط بهذة الروابط الثلاث معاً، حيث كانت  المجتمعات مكونة في الغالب من جماعات يعتنق أفرادها أفكاراً وقناعات يتفق  غالبية أفرادها  عليها  ،  ويحتكم أفراد تلك الجماعات  إلى مبادئ جماعتهم في القضايا المختلفة وينطلقون في حياتهم وشؤونهم وتصوراتهم منها ،  لقد كانوا يحملون أرضية مشتركة من المباديء والأخلاق والقناعات يتفقون في الإيمان بها،  وكان أفراد تلك الجماعات يتعارفون فيما بينهم شخصياً  ويتواجدون في نفس الموقع الجغرافي ويتكلمون نفس اللغة ولم يكونوا موزعين في أنحاء  المعمورة كماهو حال جماعات اليوم  .  باختصار كانت الجماعة آنذاك مكونة من أفراد متشابهين إن لم يكونوا متطابقين .   

 في عصر العولمة بدأ الترهل يصيب راوبط الجماعات وبالتالي المجتمعات ،   وبدأ التنوع الفكري والثقافي يدب في الجماعات  وبدأت الانشقاقات تتوالد  فيها،  لقد أصبح أفراد الجماعات أقل تطابقاً من الناحية الفكرية والعقدية وضعفت رابطة الفكرة والمعتقد في حين احتفظت الرابطتين الأخريين بشئ من قوتها  ،  وزادت نسبة حجم الأفراد المستقلين والمختلفين ثقافياً وعقدياً وقيمياً  في تكوين المجتمعات حتى وإن كانوا يستترون ويخفون ما يعتقدون.                                       في عصر ما بعد العولمة ،  بدأت ظاهرة ( التفتيت الذري ) تصيب الجماعات والمجتمعات حيث بدأنا نلحظ  تفتت  جزء كبير من الجماعات  و المجتمعات  وأصبحت  تتكون الأجزاء الكبرى من  المجتمعات من أفراد مستقلين فكرياً ومختلفين ثقافياً وليس جماعات مترابطة ، وأصبح الفرد الذي لا زال مرتبطاً بجماعة نادراً ما يلتزم بمبادئ جماعته ويحتكم إليها ونادراً ما يرتبط بأعضاءها أو يكون لهم أثر على قناعاته وأحكامه وتوجهاته،  وأصبح فرد مابعد العولمة يميل  إلى المجتمعات الالكترونية الافتراضية التي صنعتها الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وينسجم فيها ويدين لها بالولاء أكثر من جماعته التقليدية الموجودة في الواقع !  إن مجتمعات مابعد العولمة وجماعاتها قد أصبحت مهترئة الروابط والعلاقات ، حيث ضعفت رابطة الفكرة والعقيدة وبدأت في التلاشي في كثير من المجتمعات بل قد تلاشت كلياً في العوالم التي سيطرت عليها الثقافة المادية الغربية ، أما رابطة الدم والنسب فقد ضعفت هي الأخرى وإن كان بشكل أقل من رابطة الفكرة ، أما رابطة اللغة والموقع الجغرافي فهي أقل هذه الروابط تضرراً وإن كانت في طريقها إلى الضعف ، إننا اليوم نشهد بداية لعصر التفتيت الذري للمجتمعات المسلمة حيث سيصبح الكثير منها   مكون من ذرات مختلفة على شكل  أفراد مختلفين من كل النواحي .

 

  1. بعثرة الأديان وأتباع الأفكار: لقد كانت الأديان تتركز في أمم ودول وشعوب ومجتمعات، حيث كان لكل دين شعوب ومجتمعات مختصة به، تدين به وتدافع عنه وتنطلق منه في التعبئة والحفاظ على الهوية ، وكانت المجتمعات تتكون من أغلبيات كبيرة وأقليات صغيرة ، ولكن أدوات العولمة ومابعد العولمة ستغير هذه الصورة وهذه العلاقة بين الأديان و المجتمعات، حيث سيتشتت ما بقي من الأديان وما استعصى على الفناء في الصراع مع الإلحاد ومذاهب  الكفر بما وراء المادة  ، وستتبعثر الأديان  في أنحاء الأرض،  وستكون المجتمعات مكونة من ناحية التدين من جزئين الأول وهو الجزء الأكبر من الشعوب وهم الذين لا يدينون بأي دين محدد والثاني وهو الأقل وهو عبارة عن  أقليات دينية ليس فيها أكثرية غالبة .  وعلى سبيل المثال  فإننا نشاهد اليوم انتشار الإسلام في العالم بسبب الدعوة من خلال الانترنت وتجول الدعاة المؤثرين في أنحاءه وفي نفس الوقت نرى خروج بعض  أبناء المجتمعات الإسلامية في موجات إلحاد وانحراف عقدي وفكري تضرب وتستهدف أقطار المسلمين، وإذا استمر هذا الأمر على هذه الوتيرة  إضافة الى القمع الذي يجده الإسلام وأهله في بلاد العرب والمسلمين  فإن هذا يعني انخفاض نسبة المسلمين  في الحواضن  التي كان يتركز الاسلام فيها  في العالم العربي والإسلامي وتوزع تلك النسبة في أرجاء الدنيا.

 

  1. استبدال الجماعة بتيار الفكرة :

يتم اليوم وعلى نطاق واسع   استبدال  (الجماعة) ب :( تيار الفكرة )، تيار الفكرة يتواجد أفراده في مناطق متفرقة حول العالم  ولكنهم يتفقون في فكرة أو سلوك او قناعة او هواية معينة يتواصلون من أجلها عبر شبكات التواصل  حتى وإن كانوا يختلفون في بقية الأفكار . ففرد اليوم ينتمي الى رابطة مشجعي فريقه الرياضي ويتواصل معهم عبر وسائل التواصل  أكثر من انتماءه إلى روابطه الأسرية والاجتماعية ، قل مثل هذا في انتماءه لمن يتفق معهم في الآراء الدينية والسياسية والفكرية والعادات السلوكية !

  1. تنوع أفكار الأفراد:

 يحمل فرد  اليوم إرثاً هائلاً كبيرا من الثقافات والأفكار المتراكمة عبر  تاريخ هذه  الدنيا  الطويل،  حيث سهلت علينا الانترنت وتطبيقات الأجهزة الذكية المحمولة بالاضافة إلى أدوات العولمة الأخرى  الاطلاع على ما لدينا وما لدى الأمم الأخرى  الحاضرة والغابرة  من ثقافات وأفكار ، وأصبح فرد اليوم يتلقف كل ذلك منذ طفولته  التي غاب فيها التأسيس وبناء أصول العقيدة والهوية، إن فرد اليوم أصبح يحمل مزيجاً متنافراً منوعاً من الأفكار والقناعات والتوجهات والقيم و بسبب كثرة ما يحمل عصرنا من أفكار،   وبسبب سيولة الأفكار التي يحملها فرد اليوم وسرعة تغيرها وكثرة التقلبات فإنه يصعب علينا أن نصنف المجتمع المكون من هذا النوع من الأفراد على شكل جماعات مترابطة يدين أفرادها لبعضهم بالولاء ويتحركون وفق المبادئ العليا لجماعاتهم ، فلا غرابة أن تجد من شباب المسلمين اليوم على سبيل المثال من يقول أنا ليبرالي علماني اشتراكي مسلم  ! ويلبس سلسالاً فيه صليب ويصلي الجمعة ! يؤمن بالأبراج وقراءة الكف ويتوكل على الله ! يطوف بالقبور ويزور الأولياء ويدعو الله! رأيت شاباً سعودياً اشتهر بين ليلة وضحاها في برامج التواصل الاجتماعي هذا الشاب بالرغم من كونه يحمل نزعةً للتدين إلا أنه  يمارس التناقضات بشكل عفوي  في مقاطعه وبثه المباشر في تطبيقات التواصل الاجتماعي ،  فيمارس الدعوة والوعظ ويلبس لباساً غربياً ويقص قصة شعر غربية  ويدخن السيجارة،  يبث هذا الشاب محادثته المباشرة مع فتاة أمريكية عارية  أمام مئات الألوف من المتابعين ، يغازلها تارةً ويمارس الدعوة معها تارات ، يعترف بفجوره وشذوذه الجنسي ويدعو المتابعين للعفاف ، يسب ويلعن ويتكلم بالكلام البذيء ثم يذكر الناس بالصلاة وفعل الخيرات!! هذا النموذج الصارخ في تنافر أفكار الفرد وتنوعها هو إحدى الثمرات الأولية لعصر ما بعد العولمة وهو نموذج لفئة من الشباب الذي لا زال ينزع للتدين والإيمان وهو أقل سوءاً بلا شك   من فئات من شباب المسلمين قد عزت الفروقات بينهم وبين الشباب العالمي غير المؤمن بالتدين أصلاً .

  1. تنوع الثقافات وتعدد الهويات في المجتمع الواحد : لأن فرد عصر ما بعد العولمة قد أصبح يحمل طيفاً منوعا من الأفكار والاتجاهات المختلفة  فإن مجتمع  عصر ما بعد العولمة قد أصبح كذلك  ، لم يعد المجتمع في أي بقعة من بقاع الأرض كما كان في السابق موحد الثقافة والهوية في غالبه ، بل أصبح المجتمع الواحد يضج  بالعديد من الاتجاهات والانتماءات والهويات والأقليات والطوائف والأديان المختلفة.
  2. تلاشي الفروق بين المجتمعات  : لقد كانت هوية وثقافة المجتمعات في السابق متمايزة بوضوح ، أما اليوم فقد تلاشى جزء كبير من ذلك التمايز وأصبحت المجتمعات اليوم أكثر تشابهاً من ما مضى ، على سبيل المثال قارن بين مجتمعات مدينتي دبي ونيويورك من الناحية الثقافية والاجتماعية والقيمية  كيف كانت الفروق قبل قرن من الزمان ؟ ثم قارن بينها اليوم ستجد أن كثيراً من الفروق القيمية والثقافية والاجتماعية  قد تلاشت   وما تبقى من الفروق ففي طريقه إلى الزوال .
  3. غلبة الثقافة الغربية: في عصر ما بعد العولمة يبدو أن الكاسب الأكبر من هذه التغيرات هو الثقافة الفردية المادية الشهوانية الإباحية الغربية، فتلك الثقافة قد نجحت في مرحلة العولمة  في التهام وصهر معظم الثقافات العالمية وفي صبغ مجتمعاتها بسمات التغريب  في كل مظاهر الحياة  والقضاء على نقاط قوة تلك المجتمعات وخصائصها وسماتها التي تميزها عن الغرب والعالم ، لقد اكتسحت الثقافة الغربية في مرحلة العولمة  العالم شرقاً وغرباً ،  وهزمت جل الثقافات العالمية وذوبتها وطوعتها وأخضعتها لخطوطها العريضة،  و لم يصمد في مواجهتها إلا العقيدة الإسلامية التي صانت المجتمعات الإسلامية وحافظت على تماسكها وانسجامها وحيويتها ، بالرغم من كل محاولات فرض تلك الثافة بكافة  أدوات   العنف والإرهاب! أما في مرحلة ما بعد العولمة فإننا  بدأنا نلحظ انهياراً قيمياً وأخلاقياً وعقدياً في بعض مجتمعات المسلمين المقاومة ، حيث بدأت بوادر ذلك الانهيار  مع شبابها الذي انفتح منذ طفولته على وسائل التواصل العالمي بشتى أنواعه بشكل عام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص .
  4. فوضى الجنس وتحرير المجتمعات من قيم العفاف : بسبب تغلب الثقافة الغربية الداعمة لفوضى الجنس والإباحية وقيم التفسخ والانحلال على الثقافات العالمية فإن هذا قد صبغ المجتمعات العالمية بفوضى جنسية عارمة محمية بالقوانين الدولية والمحلية والتي فرضت وانتزعت بالضغوط الدبلوماسية والقوانين الدولية،  ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى تشريع وحماية الأشكال الشاذة من العلاقات الجنسية المنحرفة ، ولذا ستشهد المجتمعات التي لازالت مقاومة و محافظة بروز تيارات من دعاة الإباحية والشذوذ والتحول الجنسي  يستعلنون بإظهار فواحشهم بل ويطالبون بالاعتراف القانوني بأوضاعهم الشاذة على غرار الجدل السائد الآن في المجتمعات الغربية.



هذه أبرز ملامح وسمات مجتمعات ما بعد العولمة ، ويتبين لنا خطر ثقافة عصر ما بعد العولمة الإنحلالية التفتيتية التي أنتجتها وسائل التواصل  العالمي الكثيف على تماسك المجتمعات البشرية ولحمتها ، تلك الوسائل قد كانت في صالح الثقافة الغربية الليبرالية التعددية  ، وتهيء الأجواء لانتشار تلك الثقافة  وهيمنتها وهيمنة القوى والمصالح التي تنطلق  منها في السيطرة على الأمم والشعوب والثروات العالمية ، وبالرغم من مضار وسائل التواصل تلك  وسلبياتها حتى على الثقافة الغربية نفسها إلا أن الثقافة الغربية قد تكيفت مع تلك المضار وجعلت من تلك المضار نقاط قوة ومرتكزات مبادئية في الثقافة الغربية السائلة ،    نعوم تشومسكي المفكر الأمريكي المعروف في في كتابه النظام العالمي الجديد ينقل لنا نصاً يؤكد الكثير من النقاط السابقة ، هذا النص أخذه من إحدى الوثائق السرية التي وضعتها إحدى لجان التخطيط الأمريكية ، تقول الوثيقة : " فغرضنا الأساسى هو«التوكيد على توحد وحيوية مجتمعنا الحر، والذى تأسس على احترام وتقدير الفرد ، وعلى حماية هذه القيم فى أرجاء العالم». فمجتمعنا الحر يميزه «تنوع مدهش» و«تسامح عميق» وإعلاء لقيم «القانون» كما أن هذا المجتمع لديه التزام «لخلق وصون بيئة يمكن للفرد فيها أن يحصل على فرصة اكتشاف قدراته الإبداعية». كما ان هذا المجتمع المثالى ((لا يخشى التنوع ، بل يرحب به» ويستمد قوته من ترحيبه بكل الافكار حتى المتنافر منها»  . وتتضمن «منظومة القيم التى تحرك مجتمعنا» مبادئ «الحرية والتسامح واهمية الفرد والانتصار  للحجة فوق الرغبة». "

لقد استفاد الغرب من وسائل التواصل العالمي التقليدية والحديثة في السيطرة على الثقافات العالمية المختلفة وتحطيم خصائصها ونقاط تميزها، ولم يستعص عليه كما أسلفنا سوى العقيدة والثقافة الإسلامية المتماسكة والصلبة . وهذا مما يفسر العداء الثقافي الغربي لها والممارسات التعسفية ضدها وضد أتباعها بالرغم من كل محاولات  التعايش السلمي  والتطمينات ومحاولات التقارب التي قدمها المسلمون. إلا أن الخلاف بين الإسلام والثقافة الغربية عميق  الجذور   ومنظومتي المبادئ في الثقافتين على طرفي نقيض وخصوصاً فيما يتعلق بإدارة المجتمعات وتنظيمها وهذا الاختلاف كفيل بعدم تعايش أبناء الثقافتين في مجتمعٍ ما بشكل يحفظ حقوق كل منهما وكرامته وحريته وهذا ما يعني حالةً مستمرة من نشوب الصراعات والتوترات واضطراب المجتمعات.

  

# مستقبل المجتمعات الإسلامية :

يمكن  التكهن بصورة وشكل مستقبل  المجتمعات المسلمة  في ضوء ما سبق بالإضافة إلى العوامل التالية :

 

- محاصرة العمل الدعوي وتجفيف منابعه ، وإيقاف ومنع أشكاله المؤثرة والفعالة ووضع العراقيل والصعوبات والإجراءات البيروقراطية الطويلة والمعقدة  أمام الموافق عليه من فعالياته.

- تعرض قوى وطاقات العمل الدعوي  للترهل والضعف الداخلي والتفكك والتشتت  .

- التخلي عن العمل الدعوي الميداني و المباشر والتحول للدعوة من خلال التقنية ووسائل التواصل حيث هي السبيل المتاح في كثير من المجتمعات المسلمة ، وهذا التحول بالرغم من إيجابياته إلا أنه لن يعوض  بحال عن مكاسب الدعوة الميدانية لا من ناحية الكيف ولا من ناحية الكم ، ومع ذلك  فما تم استثماره من وسائل التواصل  أقل بكثير مما هو ممكن ومما هو مطلوب، ويتسم غالب الجهد المبذول  بالعشوائية والفردية وغياب التنظيم والمؤسسية ، كما يندر فيه ما يجذب ويروق من ناحية الشكل والإخراج  لذائقة الشباب الجديد المختلف الذي ترعرع منذ أن وعى  على تطبيقات التواصل والتي يطلع من خلالها على سيول من الأفكار والعقائد والتوجهات في قوالب فنية جذابة مغرية لا يمكن مقارنتها بالقوالب التي يقدم بها الخطاب الدعوي.

- مسخ مناهج التربية في التعليم  وتجريدها من كل ما يعزز أصول الاعتقاد الصحيح والهوية الإسلامية في كثير من بلدان المسلمين .

- تغييب الشريعة عن حكم وتنظيم مجتمعات المسلمين ، وهذا التغييب له أثره البالغ على تشكل الهوية في تلك المجتمعات وصيانتها .

- غياب وتغييب ثقافة الاحتساب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجريمها في كثير من بلاد المسلمين .

- العبث بمنابر الجمعة وعزل الخطباء المؤثرين وتسليمها للضعفاء واهل البدع .

إلى غير ذلك من ملامح ومؤشرات تراجع الجهود المبذولة في الدعوة إلى الله وضعف وسائل التمسك بالهوية الإسلامية في المجتمعات المسلمة مقابل تعاظم  مخاطر الانحلال الديني والقيمي والثقافي  والذوبان العقدي  والأخلاقي في مستنقعات الشهوات والشبهات التي تدفع إليها مجتمعات المسلمين دفعاً .

 

هذه الأوضاع قد أفرزت وستفرز أجيالاً من المسلمين لم تتعرف على عقيدتها ودينها بشكل سليم ولم تتربى على مبادئ دينها وقيمه بشكل كافي مع تأثرها وانفتاحها منذ الطفولة على بحور الشهوات والشبهات التي أغرقت بها وسائل الإعلام والتواصل العالمي ،وإذا ما تسيدت هذه الأجيال - المغيبة عن هويتها  و  المتلطخة ببراثن الشهوة والشبهة -   المجتمعات المسلمة واستلمت أزمة الأمور وأصبح منها الأباء والمربون والمعلمون والسياسيون والمثقفون  فلا تسل عن أي حال ستكون عليه تلك المجتمعات ، فقد يصبح المجتمع المسلم حينذاك مجتمعاً متعدداً طائفياً وعقدياً ومنوعاً فكرياً يعيش فيه النصراني وعابد الشيطان  والملحد واللوطي والسحاقية والمتحول جنسياً جنباً إلى جنب مع المسلم المحافظ ، يستعلن كلاً منهم بفاحشته وسوءته ومذهبه ويدعو إليه!  في حين قد يصبح المسلمون آنذاك أفراداً غرباء في مجتمعاتهم  . وقد يكون أفضل مجتمعاتهم حالاً آنذاك هو المجتمع التعددي الذي يسمح لمن بقي من مسلميه المحافظين بالعيش والبقاء والتجمع وممارسة شعائرهم دون أن تعتدي عليهم وعلى حقوقهم طوائف المجتمع الأخرى !

إن تغير المجتمعات المسلمة اليوم يسير بوتيرة أسرع مما نظن وإن تحول المسلمين المتمسكين بهويتهم ودينهم وعقديتهم من أكثريات كانت تعم المجتمعات المسلمة إلى أقليات متناثرة في بلدانهم قد أصبح قريباً من التحقق بشكل أسرع مما مضى ، إننا نخشى أن نرى أدياناً غريبة في البلدان التي انطلق منها أبناء الإسلام يفتحون الدنيا فضلاً عن ديار إسلامية لم تعرف سوى الإسلام ديناً منذ أن دخلها المسلمون فاتحون ، كما نخشى أن نرى انتشار أشكال من الإنحراف والشذوذ في تلك البلدان التي لم نتوقع يوماً أن تنتشر فيها ، إن تلك الانحرافات موجودة بالفعل منذ وقت ليس بالقريب و لا نشك في وجودها لكنها كانت تتخفى تحت السطح وفي جحور الظلام .  لم تكن مجتمعاتنا تعرف الأشكال الصارخة من الانحراف العقدي والشذوذ والانحراف الجنسي فيما مضى  إلا كحالات فردية نادرة ، أما اليوم فإنه مالم يتحرك المصلحون كما ينبغي فإن تلك الشذوذات الاجتماعة والانحرافات العقدية والأخلاقية ستخرج بأحجامها الغير متوقعة من الظلام إلى العلن و ستمسك بأزمة الأمور وستفرض شذوذاتها وانحرافتها على ما تبقى من أسوياء مجتمعاتنا باسم الحرية والفردية والليبرالية والقانون المحلي و الدولي ، وليست المصيبة هنا فحسب بل وسنجد  كثيراً من أبناءنا وبناتنا وأقاربنا  ممن سيصفق لتلك الشذوذات الموافقة لأهوائهم التي شوهتها التقنية   الحديثة ، ولن يسبح المعافى منهم ضد التيار الذي تشكل وانطلق في غفلةٍ ورقدةٍ من المصلحين! إننا أمام تحدٍ كبير جداً ألا وهو تحدي الحفاظ على إسلامية المجتمعات المسلمة وإبقاء قيم الإسلام ونظمه ومظاهره الجميلة التي تزينها وتنظم الكثير من علاقتها .

 

سبل البقاء :

لاشك  أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ دينه، وأن دين الله باقٍ ما بقي كتابه ، وإنه وإن انخفض مستوى الدينونة بالإسلام والتمثل بتعاليمه في البلدان والأقاليم التي لم يعهد عنها إلا التدين بالإسلام فإن هناك الكثير من المبشرات عن تحول عالمي إلى الإسلام كدين متماسك يقدم الغذاء والرواء للأرواح والمجتمعات البشرية الضمآنة الجوعى،  والتي عصفت بها رياح المادة وأعاصير الشهوة وظلم وظلمات المذاهب المادية والليبرالية. إن انحسار بعض مظاهر الإسلام في البلدان العتيقة في الإسلام يقابله ما يثلج الصدر ويبهج الفؤاد من انتشار له في بلدان وأصقاع من الأرض لم يكن ليصل إليها يوماً لولا أدوات ووسائل عصرنا هذا ، إن انتشار الاسلام في بلدان جديدة وانحساره في بلدانه العتيقة سينتج في الحقبة القادمة المسلم الجديد الغريب الذي هو أكثر حيويةً ونشاطاً وثباتاً من مسلمة الدار الذين طال عليهم الأمد وخارت منهم العزائم ، وهذا ما سيغير وجه التاريخ من جديد وما يؤذن بفجر جديد قريب بإذن الله . إذن ليس  الحديث هنا عن بقاء الإسلام أو عن بقاء من يدينون به في ظل طبيعة هذا العصر المتوحش وفي ظل الهجمة الغربية الشرسة ، ولكن الحديث هنا عن سبل الحفاظ على إسلامية المجتمعات في البلدان والأقاليم التي يعهد عنها إلا الدينونة بالإسلام ، إننا بأمس الحاجة للحفاظ على بقاء إسلامية المجتمعات المسلمة وأن تبقى الجغرافيا الإسلامية مكاناً للديموغرافيا المسلمة،  نريد الحفاظ على هذا الرأسمال المهم حتى وإن كان  الإسلام يكسب اليوم مجتمعات جديدة وأراضٍ جديدة ، ولا سبيل للحفاظ على هوية وإسلامية مجتمعاتنا إلاب:

- ثورة دعوية هائلة تعوض النقص الذي حصل في ما مضى من مراحل الركود والخمول الدعوي التي لازلنا نعيشها حتى اليوم .

- مكافحة التحلل القيمي والأخلاقي والعقدي الذي تسببت به أدوات العولمة بنفس تلك الأدوات وأكثرها تأثيراً وأبرزها الاعلام والانتاج المرئي السينمائي القصير ووسائل التواصل الاجتماعي .

- اعادة النهوض بالتربية الإسلامية والحفاظ على ما تبقى من محاضنها والبحث عن بدائل فعالة للبيئات المغلقة دونها .

- التركيز على تعليم العقيدة الإسلامية والتربية عليها : وهذا يتطلب عدداً من الأمور:

- تصميم مناهج عقدية  تعليمية تربوية تخاطب أبناء هذا العصر وتجيب على إشكالاته  وتعالج قضاياه وسؤالاته الفلسفية وتبين أفضلية الإسلام في إدارة الحياة البشرية على غيره من المناهج والرؤى البشرية .

- تلقين تلك المناهج من خلال الوسائل والأدوات التقنية الحديثة( كتطبيقات ألعاب الأطفال وتطبيقات للكبار على الأجهزة الذكية )  وتفعيل دور المسجد في إعادة تعليم العقيدة للأجيال المسلمة.

- تكوين أكاديميات مصغرة ومدارس خاصة مختصرة في أحياء مدن وبلدات المسلمين لتدريس عقيدة الإسلام وثقافته والتربية عليها.

نسأل الله تعالى أن يستعملنا لخدمة دينه وأن لا يستبدلنا وأن يحفظ على بلدان المسلمين دينهم وإيمانهم وأخلاقهم وأن يبرم لأمة الإسلام أمراً رشداً يعزها به بين الأمم ويلم به شعثها ويوحد به كلمتها ورايتها على الحق والبر والتقوى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف