آخر تحديث الساعة 16:11 (بتوقيت مكة المكرمة)

الإسلام وأحاديث الحرية-الجزء الثاني

الاربعاء 21 شعبان 1438 الموافق 17 مايو 2017
الإسلام وأحاديث الحرية-الجزء الثاني
 

 

تظل المعاني الكبرى التي جاء الإسلام لترسيخها في النفوس أهم محرك حرّك قلوب وعقول المجتمع الإسلامي الأول، وتوهجها في حياة الصحابة جعلها تضيء كل العالم؛ ليعرف العالم أعظم انعطاف في تاريخ البشرية كلها، بعد أن تحوّلت تلك المعاني إلى حقائق بفضل تمهاي الصحابة معها تماهيا فريدا من نوعه، غير أن الذي يستقريء الواقع الحالي يكتشف بسهولة فتور هذه المعاني في واقع المسلمين اليوم؛ وهذا أحد أبرز أسباب الضياع الذي تعيشه الأمة الإسلامية من طنجة إلى جاكرتا.

ومن المعاني الكبرى التي لم يعد لها وجود واضح في حياة المسلم معنى الحرية، مع أن الإسلام يجعله أهم ما يجب أن يكون حاضرا في يوميات المسلم، وقد جاءت نصوص الشريعة الإسلامية حافلة بمعانٍ تظهر أهمية الحرية، وفداحة خسارتها، وخطورة قتل مشاريع إحيائها، وأن نهاية الاستعباد حروب تأتي على الأخضر واليابس.

ومما سبق يتضح للعاقل ضرورة إزالة الغبش الذي يغطي بصائر المسلمين، كتابة وتذكيرا؛ انطلاقا من أبسط معاني هذا المبدأ الإسلامي الأصيل مرورا إلى معانيه الكبرى، التي لأجلها شُرع قتال من يحاول وأده.

بين حبس هرة وحبس البشرية:

وعند استقراء أحاديث الحرية في موسوعة السنة النبوية، فإننا نجد أحاديث عظيمة المعنى وواضحة الدلالة في ضرورة الحفاظ على الحرية، ولكننا لا ننتبه إلى عظمة مدلولها، منها حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض"، امرأة تمنع حيوانا من الأكل والشرب، وترفض أن تسرحه ليتدبر أكله، فتدخل إلى النار، ولفظة حبستها تعني بوضوح أن المرأة منعت القطة من حريتها، فكانت نهايتها الموت، لكنه لم يكن موتا عاديا، لقد تعذبت الهرّة، وماتت ببطء، تألمت وعانت حتى فارقت روحها جسدها، صورة بشعة لم يسكت عنها الإسلام العظيم، فجاء الوحي يخبر البشرية جمعاء أن جزاء من يعذب الحيوانات النّار.

إذا كان هذا هو موقف الإسلام من تجويع هرّة، وتعذيبها حتى الموت، وعدم المبالاة بصراخها وآلامها، فكيف يكون الحال مع من يجوّع إنسانا؟ ويحرمه من حقوقه، ويقتل أحلامه وأماله، وإن طالب بحقوقه قهره وسجنه وشرده وعذبه وقتله.

وها نحن اليوم نرى ما يفعله النظام العالمي والعائلات الحاكمة لهذا العالم، والدول المسماة بالدول العظمى من تجويع للشعوب، وأمثلة التجويع كثيرة، فصندوق النقد الدولي والذي يعتبر الأداة الأبرز في يد مصاصي دماء الشعوب يمثل تلك المرأة التي حبست الهرة، وتمثل الشعوب تلك الهرة، فقوانينه تطالب بإغلاق المصانع والشركات في الدول التي تعاني من أزمة اقتصادية، ولا تأبه لمصير ملايين العمال المطرودين والمسرحين، كما تصرّ إملاءاته على إلغاء الدول دعمها للمواد الغذائية الأساسية، كما تؤدي سياساته إلى تدمير العملة بسبب كثرة التدخل في قيمتها، فتنهار القدرة الشرائية للشعوب، كما يشترط التخلي عن دعم التعليم والصحة، فتنهار المنظومة التربوية والصحية، وينهار معها الشعب، وتصبح الحياة عذابا لا يطاق، ثم يقتحم البلد اقتحاما من خلال كذبة الاستثمارات الأجنبية وتحرير البنوك، فيتم التلاعب بالأسعار المحلية، وتخضع  للأسعار العالمية، وتحول أرباح الشركات العالمية إلى الخارج، ويتم تشجيع الفساد المالي حتى يبقى البلد مضطرا دائما إلى الاستدانة، هكذا يتم تجويع الشعوب وتعذيبها، ففي الهند مثلا انتحر في سنوات الأزمة الاقتصادية التي ضربت الهند حوالي 150 ألف فلاح بسبب إجراءات الصندوق الدولي الذي قضى على الفلاحة في الهند، وفي جامايكا والهندوراس واليونان وأوكرانيا انهارت الحياة تماما، ودخلت نفق التعذيب الطويل، بسبب جشع ووحشية النظام المالي العالمي، الذي لا يرحم الناس، ولا يهتم لأنين المستضعفين.

إننا نتحدث عن ملايين البشر، بل عن ثلاثة ملايير من البشر يعانون بسبب الاستعباد الذي يمارسه المترفون، وهم رؤوس الشرّ في العالم وفي كل زمان. فإن كان الإسلام قد تحدث عن عقوبة النار في حق امرأة جوّعت هرّة، فماذا يقول الإسلام في حق من يجعلون نصف سكان الأرض يعيشون في آلام يومية، ومادام في المسلمين هذا الحديث فمتى يفهم المسلمون أن عودتهم إلى رشدهم، والتمسك بدينهم، وإصلاح حالهم مع ربهم، وفيما بينهم هو السبيل الوحيد لخلاص البشرية جمعاء من هذا الجحيم الذي تعيشه اليوم.

وقد ذكرنا وجها من وجوه الاستعباد في عصرنا، ولم نأت على ذكر كل الأوجه، لطول الموضوع وتشعبه، لكننا نريد الحديث عن صور خفية للاستعباد لا ينتبه إليها –عادة-إلا قلة من الناس بل قلة من المثقفين ما تنفتح بصائرهم على حقيقة هذه الصور، ولعل السبب راجع إلى عدم التعمق في فهم حقيقة الأنظمة التشريعية والقانونية التي تحكم الحياة البشرية اليوم، في ظل الأمركة.

بين إهانة جمل وإهانة أمم:

إن كان التجويع أمرا مشاهدا ومعروفا، وتستنكره النفوس السوية، فإن صور الإهانة وإن كانت معروفة أيضا إلا أن الحقيقة الغائبة هي أن جدران البيوت في المدن والأرياف تخفي صورا رهيبة للإهانة التي يتعرض لها البشر يوميا، وقد نبهت السنة النبوية إلى بشاعة إهانة الحيوان، فكيف بإهانة الإنسان، هذا المخلوق المكرم، والذي سخّر الله عزّ وجلّ الكون له، وجعله طيعا في يده مناسبا لقدراته؟ فعن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله  ذات يوم خلفه فأسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، وكان رسول الله  أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فأتى جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه. وقال بهز وعفان: فلما رأى رسول الله حن وذرفت عيناه فمسح رسول الله سراته وذفراه فسكن فقال: "من صاحب الجمل؟ "جاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله. فقال: "أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك إنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه" [رواه مسلم]، هذا الحديث الشريف يعتبر دليلا باهرا على عظمة الإسلام، وقد سبق كل الدعوات التي تزعم تكريم الإنسان بينما تجعله أهون من الحجر والشجر والدواب، ولعل أخص الناس بتأمله هم الليبيراليون، الذين يملؤون العالم الإسلامي ضجيجا وصراخا عند الحديث عن الليبيرالية، بينما يختفون عندما يرون آلات القتل وهي تسحق ملايين المسلمين في سوريا والعراق وبورما وليبيا، بل ويستحسنون القتل والتعذيب إذا كان خادما لمشاريعهم، وهم وأسلافهم من قاد مئات المجازر في العالم الإسلامي.

وهذا الحديث يحمل دلالة عظيمة على أن الإسلام يحترم كل شيء حي، بل ويجعله مقدسا ومصونا، وإذا كان الإسلام يلتفت إلى دموع وأنات جمل، فإنه يلتفت قطعا إلى عذابات البشر، مهما كان دينهم أو لغتهم أو عرقهم، فالاستبداد والاستعباد والظلم جرائم بشعة حرمها وحاربها الإسلام.

عذابات البشر تحت سياط الإهانة:

حسب إحصائيات رسمية للأمم الأمم المتحدة صدرت في أحد تقاريرها السنوية، فإن 46 مليون إنسان يخضعون للرق في العالم، عدد لا يستهان به من البشر يتعرضون للإهانات اليومية، ويعاملون معاملات حقيرة، ممن طمست بصيرتهم، وانتكست فطرتهم، وتشير الإحصائيات إلى أن 1.5 مليون إنسان يباعون ويشترون في سوق النخاسة الدولي، أما تجارة الرقيق في عصرنا فإن الكبير يشير بوضوح إلى حقيقة هذا العصر، حيث يجني مصاصو دماء الشعوب 150 مليار دولار سنويا من وراء هذه التجارة،.. كما يتحدث التقرير عن مئات الآلاف من النساء اللاتي تجبرن على المتاجرة بأجسادهن، بعد أن وقعن في قبضة شبكات البغاء التي يقودها ضباع المال والجريمة.

ومن خلال ما سبق ذكره نجد أنفسنا أمام عالم يمكن وصفه بأنه سوق نخاسة كبير، يتزين بشعارات الليبيرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما الواقع يثبت أنه عصر الحرية المزيفة، وأن الحرية المقصودة في قاموس أرباب هي حرية الاستثمار في صناعة وتجارة الرقيق، حيث تصبح فيه الكرامة الإنسانية أهون شيء، ويصبح أغلى ما يملكه الإنسان سببا في قهره وموت روحه.

فما الذي حرّك الصحابة الكرام لتحرير أمم وقعت في قبضة وحوش الاستعباد، مع أن الصورة التي كانت تصلهم لم تكن مفصلة وواضحة كما تصلنا اليوم، فقد حركتهم المعاني أكثر من أي شيء آخر، بينما لا يتحرك العقل والوعي الجمعي للمسلمين أمام هذه المشاهد، بل إن صمته ولامبالاته أمام مجازر مليونية بحق المسلمين في بورما وسوريا يتجاوز الحديث عن صمته أمام الإهانات التي يتعرض لها ملايين من البشر، تسخرهم أيادي النظام العالمي في السخرة وتغرقهم في عالم الرق المليء بالإهانة والمذلة.

فهل يليق بالمسلم الذي يقرأ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة أن يهنأ له عيش وهو يرى البشرية تعيش في ظلمات الظلم والقهر والاستبداد؟ أليس هذا الواقع أكبر فرصة أمام المسلم ليرى الله منه كل عمل صالح؟ خاصة أن الحياة وكل ما يحدث فيها عبارة عن اختبار حقيقي للإنسان، امتحان مادته هذا الواقع البائس، ووسيلة النجاح فيه هي تعبيد الناس لرب العالمين.

بين إخافة طائر وإرهاب أمة:

تكريم الإسلام للإنسان أمر واضح لا نقاش فيه، ومن تكريمه صيانة حريته، وحمايته إنسانا تقتضي حمايته ولدا ووالدا، زوجا وجدا، وأخا وأخت، من حقه أن يعيش وسط أسرته، من حقه أن يستمتع بوجودهم، من حقه أن يصل إليهم، وكل ما يضاد هذا الحق والتكريم يصنفه الإسلام جريمة كبرى، تمس جميع البشرية، وإن كان الإسلام يرفض إخافة عصفورة صغيرة في أسرتها، فكيف يكون موقفه من اختطاف الناس من بيوتهم، وسجنهم وتعذيبهم، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فانطلق لحاجته فرأينا حُمّره (أي طائر) معها فرخان، فأخذنا فرخيها فجاءت الحُمّرة تعُرّش.. فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، فماذا يقال في منظومات تفرق بين الأسرة الواحدة، وتستذلها وتحرق أشواقها، الشعب الكوري الشمالي-مثلا- يعيش مسجونا؛ لأن طاغية حقيرا قرر فعل ذلك، والشعب السوري يسجن منه الآلاف، ويعذبون، ثم يقتلون؛ لتعيش أسرهم نار الفقدان ومرارة رحيلهم الرهيب، طاغية واحد يدعمه طغاة الأرض يجعل من الشعب السوري الثائر لأجل حريته مفرقا في كل أصقاع العالم، بل إن أسرة كاملة قد تفرق شملها على القارات الخمس، وهذا يقال في حق كل المسلمين المضطهدين في العالم الإسلامي، الآلاف يحرمون من حرياتهم، وتعيش أسرهم في غم وهم، بعد فقدان العائل والحامي، ويكبر الأولاد دون أبيهم أو أمهم، وتعيش الأم والأخت والزوجة مرارة الحزن والدموع لا تفارقهن.

والغريب أن كل ذلك يتم   تبريره بتبريرات يراد منها أن تكون ضد إرادة الله في تكريم الإنسان، من أعطى لهؤلاء حق حرمان الناس من حرياتهم؟ فمن أعطى هؤلاء الجبابرة حق إفزاع هؤلاء؟ من أعطى لهؤلاء حق إرهاب الناس بعدما طالبوا بحقوقهم أو حقوق أمتهم؟

ولعل المطلع على قوانين الإرهاب في كل دول العالم يجد أن هذه المنظومة القانونية القاسية قد أنهت بالفعل التكريم الرباني للإنسان، بحجج واهية، جُعلت سبيلا لظلم ملايين البشر والدول، ولتكون حجة لتشريع قوانين لتجريم دول مسلمة بأكملها، باسم مكافحة الإرهاب، أو تحت تهمة مفبركة عنوانها الكبير دعم المناهج التكفيرية؛ تهيئة للجو العالمي لذبح هذه الدول وتشريد شعوبها.

إن الإسلام ربى المسلمين على احترام الناس وحرياتهم وحقوقهم ما لم يقم دليل على إضرارهم بغيرهم، وهذا عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- يسأل أبا لؤلؤة المجوسي وهو يحد شفرة خنجر بيده، ماذا تفعل به؟ فيقول: "أعده ليوم عظيم"، وقد فهم الخليفة الراشد عمر –رضي الله عنه- أن المجوسي يهدده بالقتل، لكنه لم يسجنه ولم يحقق معه؛ لأن الإسلام ربّاه على احترام البشر وحرياتهم، ولم يكن هذا الفعل شاذا، وهو نفسه من أمّن النصارى على أرواحهم ودينهم في مصر وفي الشام.

إذن مشكلة البشرية مع من يقتلون فضاءات الحرية، ويخنقون أنفاس الحرية في العالم أنهم جبابرة، أما الكافر فأمرهم واضح، فلو جئت تتحدث عن جرائم هتلر، وستالين، وماوتسين تونغ، وبوش، وموسوليني، وتيتو، وبينوشيه، وكيم يونج، وشاوسيسكو، ويانوكوفيتش، وحكام بورما إلخ، فهؤلاء كفار طغاة، أما من يتجبرون في بلاد الإسلام من مختلف فئات المجتمع، في الأسر والمؤسسات والإدارات الكبرى والصغرى، وفي قطاع التجارة والخدمات وغيرهها، فهؤلاء عند التحقيق لم تعانق قلوبهم نسمات الإيمان، حتّى لو ادعوا ذلك، والفرق بين درجتي الإسلام والإيمان فرق شاسع جدا، يعرفه عامة المسلمين.

لذلك يبقى الإسلام بأحكامه ومبادئه الدين الوحيد الذي يضمن للبشر الحرية والكرامة، وهي حقيقة يدركها أعداء الحرية في كل العالم، وعلى رأسهم أرباب النظام العالمي؛ لهذا يجتهدون في تشويه الإسلام ويرفضون عودته إلى الساحة، ويئدون كل الجهود الرامية إلى عودته وتسيده شؤون المجتمع.

سؤالات الحرية.. تنادي:

وبعد كل هذا يحق لنا أن نتساءل: هل نحن أحرار فعلا؟ هل أنت حر؟ هل أنت حرة؟ هل سألت نفسك هذا السؤال يوما؟ هل يمكن أن تثبت لنفسك أنك حر؟ أم أنك في الرّق الحديث غارق ولا تدري؟ أم أنك في الإقطاعية الجديدة تهوي كل يوم ولا تعرف؟ هل شعوب العالم التي تقاسمنا الحياة، ونقتسم معها الإنسانية شعوب حرة؟ ألم يأت الإسلام لتحرير البشر من قيود الذل والرق؟ ألم يرسخ الإسلام مبدأ الحرية في نفوس المسلمين من أول يوم؟ فلماذا استمرأ الكثير منهم العبودية؟

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف