آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

كائنات مستبدة

الاحد 09 رمضان 1438 الموافق 04 يونيو 2017
كائنات مستبدة
 
 
قامت إحدى الإناثُ من الكلاب حديثات الولادة بالاستبدادِ ضد جارتها، تقليداً لخليفةِ الأرض "الإنسان" واتباعاً له. يحرك الكائن الحيُ غريزةً تجري في دمهِ وتدفع جسدهُ وتغذي نواياه نحو كل الأهداف. لا شك أن العقلَ الذي ميز الله بهِ الإنسانَ، وبهِ يقبلُ الأفعالَ أو يرفضها هو مناطُ التكليفِ وبه أيضا تتحقق العدالة، أو يأتي الظلم. وعندها يجزل الثواب ويغلظ العقاب.
أنثى الكلب تَظُنُ بعد موتِ جِرائها أنها مازالت تُرضع الجِراء، تُحركهم برأسها أملاً في رؤية ردةِ فعلٍ من أحدهم تدل على حياته، بل وتقرب أثدائها لعلها تكون محفزاً له. جرائها كانوا أربعة صغار ماتوا ولم تتسِعُ حياتُها بهم في حادثةٍ تعتبر مأساويةٌ لو قيست على ميزان البشر. الغريبُ أن الأمَ مازالت تتأملُ حركتهم مترقبةً ومتيقظةً ساعةً بعد ساعة. لكن هيهات! قد ماتوا ولو لم تصدق. هنا تُظهر الكائناتُ قوةَ الحبِ النقي، وتتجلى أحاسيسُ الأمومةِ الراقية، والنوايا الصافية، ومعاني الحياة الجميلة.
لستُ بصدد الحديث عن الأمِ ولو غالبني قلمي، أو دفعني إحساسي، فالكلامُ عنها يطول، والإحساس بها لا ينقطع. ولكنني أتكلمُ عن مقاربةٍ عجيبةٍ رأيتُها بأم عيني! "حتى في اللغةِ وأدواتها تحضر الأم".
الإنسانُ والحيوان وغريزةُ الاستبدادِ صورةٌ متقاربةٌ سهلةُ الملاحظةِ عندما يسيطرُ القويُ على الضعيف والكثيرُ على القليل وأنها ولو كانت سنةٌ من سننِ الكون في مخلوقاتِ الله، فلا يصحُ أن تكونَ سنةً مقبولةً بإطلاقها فالحيوانُ ما مٌيزَ بعقلِ ولا كلفَ بتكليفٍ فضلاً على أن يكونَ مستخلفاً. ولكن كلفَ اللهُ الإنسانَ بالعدلِ ورفعِ الظلم وهما نقيضين للاستبداد.
تقطن أُنثى الكلبِ ذاتِ الجراءِ الأربعة بجانب أُنثى أخرى نحيلة لم تلدُ سوى جروين صغيرين جداً متناسبين مع صغرِ حجمها ونحالةِ جسدها. لُطْفُ اللهُ بالأخيرةِ فَوَلَدْت جروين صغيرين أحياء وبصحةٍ جيدة. كانت أُمهم تسمع أصواتهم وتشعرُ برضعاتِهم وترى حركاتُهم وهي في كامِلِ سعادتها بحقٍ من حقوقها ولو كان بسيطاً.
ينقلُ أثيرُ الهواء تلك الأصواتِ الجميلةِ على الأقلِ إلى مسامعِ الأمِ المكلومة فيتولدُ في داخلها وهْمٌ تُصدِقُه في ساعتهِ بل ربما في حينه أن أولئك الجِراء هُم جرائها وتذهب لاستكشافِ الوضعَ تاركةً أجسادَ صِغارها الأموات غير مكترثةٍ لهم فقد أُغشي على بصرها من هولِ ذلك الوهْم وقوةِ تلك الصدمة. وعندما وصلت جُحْرَ تلك الأُمِ النحيلةِ تَفقدتْ مصدرُ الصوتِ وإذا بهم جِراءٌ صغارٌ جداً. لم يكونوا كصِغارها لا شكلاً ولا حجماً ولا عدداً. ولكنها فضلت أن تُصدِقَ وهْمُها وأن تعيشَ حُلمها.
الآن هجمت أُنثى الكلبِ ذات الجراءِ الأربعةِ الأموات على الأُنثى النحيلة. هجمت بكامل قوتها لاستعادةِ مشْهدُ الحياةِ الذي فقدتهُ مع موتِ صِغارها، في صورةٍ تكادُ تشعرُ فيها أن الأمرَ أصعبُ من أن تحكم فيهِ لو رأًيتَهُمَا يتصارعانِ منِ الأحقُ بالجراءِ وذلكَ فقط لو لم تعلمِ الحقيقة؟
كلتاهما كانتْ تُدافِعُ بِشراسة وتطلبُ حقها في الجراء. ذات الجراء الأربعةِ تظنُ مهلوسةً بأنَ أولئك الجراء جِرائها ولو لم يكونوا كذلك معتديةً وظالمةً ومستبدة على تلك المسكينةِ النحيلة. الأخيرة لم تلبث حتى وهَنت قُوتُها واستسلَمتْ تاركةً جِرائها لرحمةِ المعتدية.
قتَلت المعتديةُ ذلك الجروين الصغيرين ما إن أطْبقت عليهما فكيها بدون أي قصدٍ منها أو رغبة. فطبيعةُ الحال تحتم ذلك، فأحجامهم لا تتحمل إطباقةُ ذلك الفكُ الشرسِ وتلك الأنيابُ الحادة، فضلاً على أنهم لم يكونوا صِغارها حتى تستحقهم.
عادتِ الأُنثى ذاتِ الجِراء الأربعة تُراقبُ جروين آخرَينِ مقتولينِ وتحركُهُما وتُقرِبُ أثدائها عسى أن تكونَ الدماءُ التي تُغطيهم ليست من نَزفِهم وأن تكونَ أنيابُها غيرُ ضليعةٍ بقتلهم ولكنهُ الحال وهذه الحقيقة، لقد قتلتهم!
شواهد:
  1. النظامُ الكوني يخسرُ فيهِ من يصمتُ عن الاستبداد ويؤثرُ النجاةَ خسارة الأمرين "خسارةُ الحقِ نفسه وخسارةُ شرفِ الدفاعِ عنه".
  2. النظامُ الكوني يخسرُ فيهِ من يستبدُ على الآخرينَ ويسلبُ حقوقهم خسارة الأمرين "خسارةُ تحقيقِ الملكِ وخسارةُ شرفِ العدالةِ فيه" والخسارة هنا حقيقةٌ لابد منها ولو بعد حين.
  3. تبدأ أوهام المستبدين بسيطةٌ وربما تافهةٌ عند براءتهم ونقاءِ قلوبِهم وذلك بسبب ضعفٍ أو جهل، وبشعةٌ عند خُبْثِهم وذلك بسبب كرهٍ أو حقد فَتكبُرُ هذهِ الأوهامِ عند كليهما حتى تصبحُ حقائق تصولُ في صدورهم وتجول، بها يتألهون ومعها يتقدسون. والتصدي والمقاومةُ لهم يكون أولاً بالمواجهةِ القوية وعدم الاستسلام أبداً فمُجردُ المقاومةِ وعْدٌ بالانتصار.
  4. المستبد يظلُ واهماً متأرجحاً مع وهْمِهِ متردداً في ظِنه خائفاً من خطوته حتى إذا ما استسلمتَ صدقَ وهْمَهُ واستمرأَ ظُلمهُ كاسراً حاجز الترددِ ثم منتهكاً كل الحقوقِ بل ومسوغاً لِنَفْسِهِ جوازها.
  5. المستبد سيظلُ مستبداً ولو أحسنَ نيتهُ أو ضل طريقهُ أو أُغشيَ على عينيه. لا تَنْفَعُ النوايا الصالحةُ إلا صاحبها وأما المستبدُ سيظل ضالاً ظالماً ولو أخلصَ الحبَ أو أغدقَ المشاعرَ وأحسنَ العمل، "يكفِيهِ أنهُ حلقةُ الاستبدادِ الأُولى لسلاسِلِ الظُلمِ والقهر".
  6. وبأي طريقةٍ تنتهي الأحداث ستعمُ الخسارة وتحترقُ الأرض وتختلطُ الدموع ثم تضيعُ الحقوق ما بُنِيَتْ على استبداد.
واعلم:
"إن استبدادَ الإنسانَ على غيرهِ يهبطُ بهِ إلى درجةِ الحيوان وربما إلى الشيطان" فقط هي العدالة؛ نظامٌ إلهيٌ لسلامةِ الكون.
 
 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - عبدالحكيم ًصباحا 01:41:00 2017/06/05

    يرجى التكرم بتصحيح كتابة لفظ الجلالة في اسم الكاتب هاء وليست تاء مربوطة وجزاكم الله خيرا

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف