قام الفيلسوف الإغريقي ( أفلاطون ) بابتداع جمهورية قسّم فيها المواطنين إلى ثلاث طبقات متمايزة : الملوك الفلاسفة، والعسكر، و العامة من تجار وصنّاع وزرّاع... وجعله تقسيماً قائماً على التمايز في القدرات الطبيعية بين الأفراد، وجعل من الطبقتين الأوليين ( الملوك الفلاسفة والعسكر ) حراساً للدولة، وأوصياء عليها.. بينما حرم العامة – التى تشكل الأغلبية - من أي حق فكري أو سياسي ممارس ؛ أما الأقلية – النخبة – فهي التي تسيطر وتوجه وتتحكم، وماعلى الأغلبية إلا الطاعة والخضوع ؛ وحتى إذا حاولت الفعل فإنها ستجد نفسها محاطة بقيود السيطرة التي تفرضها عليها النخبة !!
قد لاتكون ( جمهورية أفلاطون ) معبرة عن واقع موضوعي، بل هي غالباً ماتمثل موقفاً ذاتياً.. ولست هنا بصدد تفكيك النظرية ونقاش سلبيتها أو إيجابيتها بمقدار ما بصدده من إطلاق إشارات هي بمثابة ( قدح ) يسبق القراءة للترابط الذي بدأ يلوح في الأفق بين ( جمهورية أفلاطون ) وإسقاطاتها على ( عقول النخبة ).. الذي بدأ يشكل مايمكن وصفه بـ( الأفلاطونية الفكرية ) التى تعيشها النخبة.
إن مصطلح ( النخبة ) -عند إطلاقه دون تخصيص- يشير إلى الصفوة المتميزة التي تملك من القدرات التنظيمية والخصائص النفسية مايؤهلها لأن تكون فاعلة ومؤثرة في الجماعات التي تنتمي إليها وفقاً للتخصص المضاف للنخبة، كقولنا: نخبة سياسية ، نخبة وسيطة ، نخبة ثقافية ... إلخ.
وهو منظور تم تداوله في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر الميلادي كتعبير عن اجتهاد رأسمالي ليبرالي في مواجهة التحليلات والأفكار الماركسية التي اكتسحت القارة تلك الفترة وامتدت إلى ماقبل سقوط المعسكر الشيوعي؛ وهذا الأمر يعتبر بمثابة الصراع السياسي المؤدلج بين تلك الجماعات كان الهدف منه امتلاك قصب السبق في صناعة القرار السياسي والانفراد بالقوة والعالمية.
والفكر الإسلامي – في واقع الأمر- لم يعرف مصطلح ( النخبة ) وفقاً للتحديد أو التخصيص السابق، إنما ورد في مواضع عدة على أن ( نخبة القوم ) : هم خيارهم، وأنهم الجماعة المختارة من الرجال، وفي حديث علي رضي الله عنه ( وخرجنا في النخبة ) أي : المنتخبون المنتقون من الناس، وفي حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه ( انتخب من القوم مائة رجل ...) أي: اختارهم فانتزعهم من بقية الرجال (1).
وفي شرعنا الحنيف نجد أن الناس رتبت أوضاعهم داخله ليس على أساس طبقي أو عصبي ... إنما رتبت وفقاً لما نطلق عليه ( التمييز الوظيفي ) أي: درجة امتثال الناس لأوامر وأحكام الإسلام، فالسابق بالخيرات المحسن أرفع درجة من المقتصد المؤمن وهو أرفع درجة من الظالم لنفسه المقترف للمعاصي ... لذا فمعيار ( الانتخاب ) و ( النخبة ) مبني على أسس وظيفية مترابطة بالدين الإسلامي وكيفية تحمله والقيام والأخذ به ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )، وهذا لايقتصر على جانب العبادات فحسب بل يتسع ليشمل جميع جوانب الحياة ابتداءً من الممارسات الفردية وانتهاءً بالممارسات العليا( قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم )، (قالت ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين )...
وهذا الأمر يبين لنا البون الشاسع والفرق الواسع بين نخبتنا الإسلامية والنخب الأخرى المؤدلجة :
1. نخبتنا لاتستند إلى امتلاك القوة السياسية والاجتماعية والفكرية بمصادرها المختلفة كاحتكار، وإنما تستند إلى تحقيق المثالية الإسلامية التي تحول الفرد المسلم إلى عنصر فاعل متحرك نافع لأمته.
2.نخبتنا لاتجعل من الأغلبية مجرد ( كم ) فاقد ( للكيف ) يستقبل توجيه ( الأقلية ) فيصبح مجرد متلق سلبي، وأنموذجاً ( كربونياً ) مكرراً كغيره من أفراد المجتمع.
3.نخبتنا لاتقف في مواجهة الناس أو العوام أو الجماهير أو الشعب، إنما هي جزء منهم وتعمل لصالحهم .. ومتى مافسدت النخبة تدخلت الآلية الداخلية للإسلام المستندة لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنتج نخباً جديدة تنازع النخبة الفاسدة مشروعيتها.
4.نخبتنا تستبعد أن تكون القوة السياسية هي الأساس في تصعيد النخب لاعتبارها المنصب تكليفاً لاتشريفاً ، وماهو إلا محنة وابتلاء (...إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)(2) ، وترفض أن يكون التنافس والصراع على امتلاك القوة السياسية هو القانون الحاكم لسلوكها والمبرر لأفعالها، وإنما سلوكها يربط غايات العملية السياسية والاجتماعية بما وراء الدنيا، وبما هو خير وأبقى.
إن التاريخ الإسلامي حافل بكثير من المصطلحات التي لها دلالة قريبة من مصطلح النخبة كمصطلح ( أهل الحل والعقد ) و ( أهل الشورى ) و ( العصبية ) (3) و ( السُّراتية )(4) ... وبناءاً على ماسبق ذكره ؛ فإن للنخبوية جذوراً في تاريخنا وتراثنا ولم نأت بها بدعاً من لدنا.
بيد أن ( النخبة ) من المثقفين وأصحاب العقول الواعية المطلعة على مجريات الأمور السياسية والثقافية والأدبية والاقتصادية ...إلخ، بدأت تعيش ( أفلاطونية فكرية ) أخذت بزمام عقول أفرادها، وأورثتهم فصاماً نكداً بين أطروحاتهم وبين تلقي أفراد مجتمعهم، وشكلت بينهم حالة من ( التمرد الفكري ).
فالنخبة وجدت من العامة هجراً لأطروحاتهم، وابتعاداً عن أوساطهم .. فتفننت في إطلاق التعبيرات من نحو السواد أو الدهماء أو الرعاع أو الأوباش أو السفهاء تبريرا لهجرهم، وتقليلا من شأنهم بعد أن نُحّيت من القواميس ألفاظ ( الجماهير ) و ( الشرائح المستهدفة )!!
وقد يتجاوز واقع ( النخبة ) التبريري إلى حشد الشواهد والنماذج من نحو مقولة واصل بن عطاء ( مااجتمعوا إلا ضروا ولاتفرقوا إلا نفعوا، فقيل له : قد عرفنا مضرة الاجتماع فما منفعة الافتراق ؟ قال: يرجع الطيان إلى طينه والحائك إلى حياكته والملاح إلى ملاحته والصائغ إلى صياغته وكل إنسان إلى صناعته وكل ذلك مرفق للمسلمين ومعونة للمحتاجين ) (5) .
أو مقولة الفضل البرمكي ( إن الناس أربع طبقات: ملوك قدمهم الاستحقاق، ووزراء فضلتهم الفطنة والرأي، وعلية أهّلهم اليسار، وأوساط ألحقهم بهم التأدب، والناس بعدهم جفاء(!!) )(6) .
فيتقوقع النخب إلى ذواتهم، وينكفئوا إلى الداخل.
وأما العامة من أفراد المجتمع فحالهم تجاه أطروحات النخب كحال المثل القائل( أُذن من طين وأخرى من عجين ).. فمثقفهم يخاطبهم من برجه العاجي بمقالات وأفكار وأطروحات ( مطلسمة ) خارج فلك حياتهم واهتماماتهم، فلا بفكرهم ووعيهم ارتقى ولا لمستوياتهم نزل !!
هذه الأمور فرضت علي أن ( أقدح ) في الذهان بعضاً من إشكاليات النخبة الثقافية داخل الصف الإسلامي في تعاملها مع الواقع المحيط بها المتمثل بأفراد المجتمع والمشاريع الإصلاحية المرتقبة، وتتمثل فيما يلي :
1.الخلط بين الخطاب العام والخطاب الخاص :
ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أَن رَسُولَ اللَّه صَلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ. وَأَشَدُهُمْ فِي دِينِ اللَّه عُمَرُ. وَأَصْدَقَهُمْ حَيَاءً عُثُمَان. وَأَقْضَاهُمْ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِب. وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه أَبِي بْنُ كَعْبٍ. وَأَعْلَمَهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ. وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيناً. وَأمِينُ هَذِهِ اْلأَمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)(7) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا النَّاسُ كَالْإِبِلِ الْمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَة )(8) ً
وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله !! ) (9) .
زمننا هذا هو زمن التخصص ، وفيه تقدر قيمة المرء بما يحسنه ويتقنه ...وماسردناه من آثار وأقوال إنما هي تأصيل لمبدأ ( التخصص ) أو ( تقسيم العمل )، و( التمييز الوظيفي ) ومن خلال تفعيل التخصصات
يحصل التميز والإبداع وتحقق الأمة شرطا من شروط النهضة، قال الغزالي رحمه الله ( اعلم أن لكل صناعة أهلا يعرف قدرها، ومن أهدى نفائس صناعة إلى غير أربابها فقد ظلمها. وهذا علق نفيس، مضنون به على غير أهله، فمن صانه عمن لايعرف قدره فقد قضى حقه) (10).
ومن هذا المنطلق، ليس من المعقول أو المنطقي أن يكتب أستاذ جامعي بحثاً أكاديمياً موجهاً للعامة، أو أن يجمع خباز أكاديميين فيطرح عليهم( تعلم خبز العجين في أسبوع ) !!
فكل دائرة بعلمها وصناعتها أدرى، وتضن بهذا العلم على غير أهلها ... وكل هذا صحيح.
ولكن يبقى السؤال الأصح : إلى من يوجه الخطاب؟
عندما تكون أكاديمياً صرفا فإن الخطاب يكون موجها إلى زملائك من الأكاديميين بحسب التخصص المشتغل فيه، وعندما تكون سياسياً فإن خطابك يكون موجهاً للعامة من الناس لكسب تأييدها...
ولكن ماذا يعني حين يكتب مثقف كـ(محمد عابد الجابري) – مثلا – ثلاثية نقد العقل العربي ، ويردفها ( جورج طرابيشي ) بثلاثية نقد النقد ... فلمن ياترى يوجهان الخطاب؟
وعندما تُطرح ندوة لمناقشة مسألة ( الإسلاميون والديمقراطية ) فيفتح المجال لليبرالي والعلماني ليقدم أطروحته في مقابل طرح الإسلامي ... فلمن يوجه الخطاب؟
وعندما ينادى بضرورة التقريب وسماع ( الآخر ) وهجر ( الأحادية ) ... فلمن يوجه الخطاب؟
وحين يؤصل عالم نازلة نزلت بالأمة وسارت بها الركبان وغدت الشغل الشاغل ؛ فيؤصل ويستشهد ويسبر الأغوار ... فلمن يوجه الخطاب ؟
إن تحديد محطة الخطاب النهائية هي مناط الحكم عليه ..
ففرق شاسع بين من يقول من هؤلاء : إن خطابي موجه إلى المعنيين بالأمر من المتخصصين.
وبين من يقول: إن خطابي موجه إلى ( الناس ) ...
فكم هم ( الناس ) وماتوصيفهم ؟ وأي ( ناس ) قادرين على فك الطلاسم، والتعامل مع المفاهيم المجردة دون بيان أو تبيين، والسير مع ( المثقف ) في رحلة يريد من خلالها تجديد فكرهم بمنهج لايفقهون منه ألف باء ؟!
هنا تبدو ( الأفلاطونية الفكرية ) بكل صورها وتجلياتها؛ حين لايستطيع المثقف التفريق بين الخطاب العام والخطاب الخاص، وإنما مزج بينهما وجعل منهما خطاباً واحداً يريد من خلاله تغيير الذهن العام، ولكن العامة المراد تغييرها لاتفهمه ولاتستوعبه !!
وكل ذلك لايهم ( المثقف ) طالما أن هناك نخبة قادرة على استيعابه والإيمان بمقولاته ومن ثم عقد الولاء والتمجيد له، وهذا هو الأهم – بالنسبة له -.
إن الذي يتضح في ثقافة ( النخبة ) أنها اختزلت ( الناس ) إلى ( ثلة من الناس ) ، و( الجماهير ) إلى مجرد مفهوم لاعلاقة له بذات الجماهير، وهذا هو جوهر الموقف لدى ( النخبة ) وإن كانت لاتعيه مباشرة ولكنه يقرأ من سلوكهم.
2.الجماهير ( موجـِّـه ) أم ( موجـَّـه) ؟
إن ( النخبة ) حين تدور أطروحاتهم في حلقة نخبوية مغلقة. يتناقشون مع بعضهم، يتخاصمون ويتحالفون دون أن يصل صدى طرحهم إلى الجماهير بالمعنى الواسع – مع اعتقادهم أنهم يتحدثون باسم الجماهير، والجمهور في حقيقته في واد وهم في كل واد يهيمون- هذا الأمر يسبب حالة من ( الشلل النخبوي ) المتمثل في حالتين :- الانسحاب الكامل من الحياة العامة.
- الاندفاع المطلق إلى الحياة العامة.
وفي كلا الأمرين طرف نقيض، يعيش من خلالها ( النخبوي ) حالة من الغربة هي أشبه بغربة أبي حيان التوحيدي وسلسلته المشهورة (11)جراء هجر الناس له.
فهو بين تناقض مستمر : السعي للتأثير على العامة .. بينما العين تركز على الخاصة!!
يقول بالانتماء إلى العامة اجتماعيا .. بينما في ذاته إحساس بالفوقية والتسامي!!
فيشعر بحالة الغربة التي تقوده في النهاية إلى انعزال الحياة العامة ، والانكفاء على نفسه، والإصابة بردة فعل تجاه المجتمع وأفراده، ومن ثم نعتهم بأفضل عبارات القاموس الإقصائي.
أو أن يتحول من دور ( الرقيب ) على الجماهير إلى دور ( الخاضع )!!
وبدلا من تغييره لهم ، يتحول إلى مبرر ومحرض لأي حركة يقومون بها.. ويمارس دور المضلل معهم ،المنافق لهم ركوباً للموجة وانسياقاً وراء التيار!!
ولسائل أن يسأل ويقول : عجبا لك !! تنتقد النخبوي يوم أن حصر نفسه في دائرة نخبوية معينة وتدعوه إلى مخالطة الناس والجماهير .. وهاأنت الآن تنتقد أيضا يوم أن انخرط في العمل الجماهيري الواسع، فأي سبيل تريد أن ينهج؟
فأقول: إن الجماهير في الغالب ميالة ومندفعة إلى العمل المباشر المفتقد للتأمل المجرد والحكم الشرعي فالعقلي، ومباركة ( النخبة ) لمثل هذا، تسطيح لعقول الأمة بل خيانة لها حين يساهم المثقف في تأجيج أمية العقول والعواطف بين الجماهير بدلا من تأصيلها وتوجيهها إلى الطريق الأمثل .. وهكذا تستنفد أطروحات النخبة في التعبئة والتجيشة الوقتية ومن ثم تتحول إلى نخبة فكرية تنظيرية قامت بلعب دور مؤقت استنفد طاقتهاوأورثها حالة من الصمم والعجز الفكري فيما بعد.
كما إن الإشكال الآخر يكمن في أن اكتساب قاعدة شعبية جماهيرية من خلال خطاب يربط الأحلام الوردية بعاطفة مشبوبة يحول المثقف إلى ( زعيم ) أو ( رمز ) جماهيري شعبوي وهذا أمر نطالب به البعض لا الكل لكن نخشى أن تمرر الجماهير من خلال ( رمزيته ) أطروحات متناقضة وغير منطقية، يمررها حفاظا على عصبته الرمزية، وخوفاً من زعزعة مكانته؛ وإن كان غير مقتنع بما يقول ويطرح في قرارة نفسه!!
لذلك فالمطلوب هو أن تكون ( النخبة ) مُحرِّكاً لا مُحرَّكةً ، ومُوجـِّهً لا مُوجـَّه، ولاتعارض بين مخالطتها للجماهير وبين توجيهها لهم بنفس النمط مع محافظة على محددات وضوابط وأساليب للتوجيه.
والسيرة النبوية حافلة بالشواهد البينة تجاه هذه القضية؛ فلكم كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدم الأساليب المتنوعة في مخاطبة الناس بشتى طبقاتهم ومستوياتهم ابتداءا من الملوك والأمراء وانتهاء بالجارية التي تأخذ بيده فتطوف به طرق المدينة.
وفي مقابل هذا لم يهمل النبي صلى الله عليه وسلم أمر النخبة وإعدادها وتهيئتها للمراحل القادمة ، وشواهد ذلك كثيرة ومنها قول علي رضي الله عنه: كُنْتُ أُكَثِّرُما أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ (جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ) (12)
إن حالة فقد الموازنة في تعامل ( النخبة ) مع الجماهير ستجعلنا نتذكر دائماً قصة ذلك الغراب الذي فقد مشيته ومشية الحمامة معاً، ونسقطها على واقعنا الثقافي!!
3. الـنـخـبـة وأهل الشرع :
إن الكم المعرفي للثقافات العصرية التي حصلت عليها ( النخبة ) ، ومعايشتها لتلك الثقافات في فترات مختلفة، وابتعادها عن محاولة التأصيل الشرعي لها.. ساهم بشكل فاعل في حدوث مايشبه بـ ( الأنفة الفكرية ) بين النخب الثقافية وبين إخوانهم من أصحاب العلوم الشرعية؛ إذ اختلفت الاهتمامات والتصورات وضرب سياج نوعي تمحور على ذوات الأشخاص لا على ذات المنهج فساهم في حالة من التمرد بين الطرفين، وإن كانت النخبة الثقافية تتحمل الجانب الأكبر في هذا.
وهذه ليست دعوة إلى فرض الوصاية على النخب من قبل المشايخ .. كلا، إنما هي دعوة للتغذية الراجعة بين الطرفين لاستفادة كل طرف من الآخر، دون تدخل في خصوصيات أو تخصصات كل منهما.
كما لاأطالب هؤلاء ( النخب ) إلى أن يصبحوا ( شيوخاً )، ولكن لابد من وجود خط يقفون عليه يعصمهم من الزلل – وكلنا ذوو زلل – ، ولابد من مد الجسور مع ( المشايخ ) للاستشارة فيما يريدون تقديمه لدين الله من ناحية التأصيل ومدى الشرعية حتى يستقيم عملهم باكتمال صورته.
وكما أننا لا نغتر بالشهادات الشرعية أو ارتداء زي ( المشيخة ) من قبل البعض إلا بعد أن نجد منهم تلبية هتاف العلم بالعمل وأخذهم للعلم بزكاته ؛ فكذلك الحال بغيرهم ممن سبقت أسماؤهم ( د. ) أو ( أ. ) أو ( م. ) ... إلخ !!
إن المثقف النخبوي إن أصيب بالجفاف الروحي، وانتقلت قسوة فكره وعقله إلى قلبه، فهجر القربات والنوافل، وفرط في الطاعات... فتلك – لعمري – قاصمة الظهر التي تنذر بخطر يتربص بمملحة مثقفينا حين تتسرب إليها عوامل الإفساد.
كانت تلك مجرد إشكاليات قـُدحت في الأذهان، مع يقيني بأن الانفصام بين ثقافة ( العامة ) و ( النخبة ) أمر حتمي لايمكن ردمه أو تجاهله .. خصوصا في ظروف عالم اليوم ذو السمة الانفتاحية حتى من قبل المجتمعات المغلقة.
كما أني لاأدعي بأن هناك وصفة سحرية سرية للخروج من مثل هذه الإشكالية، وكل مايمكن قوله كحل إنما هو بمثابة مفتاح للتقارب لا للتنافر ، ويتلخص في جملة واحدة: معرفة أفراد ( النخبة ) لموقعهم في المجتمع ، ومعرفة المنشغل بالهم العام – والثقافة جزء منه – لموقعه الفعلي في المجتمع، دون فرضيات وأوهام.
ونخبتنا الإسلامية تختلف عن باقي النخب، بل لاتقارن بها.. لأن أصلها متين مبسط بعيد عن فلسفة النفعية والبراغماتية والليبرالية والبرجوازية ... إلخ ، تتكيف مع المتغيرات وتقبل ( دوران النخبة ) (13) ، وتجمع بين العضوية العامة والتخصصية، وتعرف دورها المتثمل بكل بساطة بـ: السبر والحفر في مكونات ماهو محل اهتمام الناس ، والنقد المتفتح المؤصل والدائم لمتغيرات الحياة ...
ومتى ماشذ ( نخبوي ) عن هذا ، وأصر على البقاء في فلك ( اليجبيات )(14) فلا نستغرب منه إن قال في يوم من الأيام ( نحَـتُّّ التماثيل من الثلج .. فلماذا ياترى ذابت)(15) !!
(1)لسان العرب - (ج/ص: 1/752)
(2) شرح حديث أبي ذر: ص25، وجامع الرسائل جـ1، ص233، لابن تيمية.
(3) ( العصبية ) مصطلح استخدمه ابن خلدون كأداة تحليلية لفهم الاجتماع العربي الإسلامي؛ إذ أن الإنتماء القرابي والعشائري كان سببا للتعاضد والتلاحم الذي يؤدي إلى الشوكة ومن ثم التحكم والسيطرة.
(4) من قول الشاعر :
| لايصلح الناس فوضى لاسراة لهم | |
ولا سراة إذا جــــهالهــــــم سادوا |
(5)عادل محي الدين الألوسي. الرأي العام في القرن الثالث الهجري ص 78
(6) علي الوردي . أسطورة الأدب الرفيع ص 246
(7) رواه ابن ماجه في باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(8) رواه البخاري في باب رفع الأمانة.وعلق عليه ابن حجر رحمه الله بقوله: قال الخطابي: تأولوا هذا الحديث على وجهين: أحدهما أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع على وضيع كالإبل المائة التي لا يكون فيها راحلة وهي التي ترحل لتركب، والراحلة فاعلة بمعنى مفعولة أي كلها حمولة تصلح للحمل ولا تصلح للرحل والركوب عليها.
والثاني أن أكثر الناس أهل نقص: وأما أهل الفضل فعددهم قليل جدا، فهم بمنزلة الراحلة في الإبل الحمولة، ومنه قوله تعالى {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}. وقال القرطبي: الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود كالراحلة في الإبل الكثيرة.
وقال ابن بطال: معنى الحديث أن الناس كثير والمرضي منهم قليل، وإلى هذا المعنى أومأ البخاري بإدخاله في " باب رفع الأمانة " لأن من كانت هذه صفته فالاختيار عدم معاشرته. أنظر فتح الباري ج 11
(9) رواه البخاري . باب: من خص بالعلم قوما دون قوم، كراهية ألا لا يفهموا
(10) أبو حامد الغزالي. المضنون به على غير أهله. ص39
(11) المقصود بها قوله ( قد قيل: الغريب من جفاه الحبيب، وأنا أقول: بل الغريب من واصله الحبيب، بل الغريب من تغافل عنه الرقيب، بل الغريب من حاباه الشريب، بل الغريب من نودي من قريب، بل الغريب من هو في غربته غريب، بل الغريب من ليس له نسيب، بل الغريب من ليس له من الحق نصيب ... !! ) وفي نهاية حياته أحرق كتبه وقال ( إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم ... فحرمت ذلك كله ) أبوحيان التوحيدي. الإمتاع والمؤانسة . ج2/41
(12) رواه مسلم في باب فضائل عمر رضي الله عنه.
(13) هي نظرية تطلق على ضرورة سعي النخبة إلى التكيف مع المتغيرات الجديدة بحيث تتقبل الدماء الجديدة من النخب الصاعدة وتؤهلها لاستلام زمام المشاريع القادمة.
(14) جمع ( يجب ) وهي كناية عن الوصاية .
(15) مثل ألماني.
مراجع عامة : الفصام النكد ( حسن قطامش ) ، بناء النخبة ( كمال حبيب ) ، ندوة فكر الوصاية ( تركي الحمد وآخرون ).
*المشرف على نافذة المقالات