الرئيسة » مقالات » اتجاهات فكرية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
نحن والأزمات رؤية في التعامل
نحن والأزمات
الاربعاء 25 صفر 1423 الموافق 08 مايو 2002
 
نحن والأزمات

سامي الهويدي

لقد قضى الله سبحانه وتعالى أن تكون المعركة بين الحق وخصومه دولاً، يدال له فيها ويدال عليه، وتتنوع هذه المعركة وتختلف صورها بين حين وآخر، فمن مواجهة إعلامية أو مواجهة عسكرية، إلى تزاحم على مَواطِن التأثير في المجتمع وتسابق عليها؛ بقصد توجيهها الوجهة التي يريدها كل طرف .
وعلى الرغم من سيطرة الهدوء على كثير من هذه المعارك، إلا أن الموقف قد يتصاعد إلى أزمة حقيقية تحتاج في التعامل معها إلى أناسٍ يتقنون القيادة ويحسنون التصرف، حتى يخرجوا من الأزمة بأكبر قدر من الربح وأقله من الخسارة.
في الفترة الأخيرة كثرت الأزمات في ساحة الإسلاميين، واشتد أثرها عليهم، إلا أنه – مع الأسف – مع كثرة وتكرار هذه الأزمات لم يستفد منها بالقدر الكافي، ولم تطور من قدرة الإسلاميين على إدارتها، ولم يزل أسلوب الإسلاميين في مواجهة خصومهم دون تغيير يذكر، منذ بدأت المعركة بقدوم وفد المستغربين إلى يومنا هذا .
هذا الأمر يفسر لنا التراجع الذي مُني به الإسلاميون على الرغم مما لديهم من معطيات وفرص للتأثير لا توجد عند غيرهم .
يعزو بعض الإسلاميين هذا التراجع إلى التضييق عليهم، والتسهيل-في المقابل- لخصومهم، خاصة في أهم مجالات التأثير كالإعلام والتعليم، وهذا الكلام – وإن كان صحيحاً- لكنه لا يفسر كل هذا التراجع ؛ المشكلة – أحياناً – تكمن في النسيان بأننا في معركة، ونريد من خصمنا أن يتوقف ويترك الساحة لنا، نتحرك فيها كما نشاء، ونريد من الناس أن يستمعوا لنا وحدنا دون غيرنا، بغض النظر عما نطرحه إن كان يفيدهم أو لا يفيدهم. نريد من الناس أن يقبلوا منا كل ما نقول لأننا إسلاميون، دون أن نعطيهم مساحة من الحرية للحوار والنقاش، وإذا لم يقبلوا منا هذا الطرح بهذه الطريقة فهم إما مساكين مخدوعون، أو مفسدون كائدون للإسلام وأهله.
هذه الوصاية التي يمارسها كثير منا، أصبحت جزءاً منه، تحكم طريقته في العرض والحوار، مما أدى إلى ضياع الجهود، وخسارة أعداد من الناس كان من الممكن أن تكون خير عون في نصرة الحق وأهله.
ومما زاد الأمر سوءاً أن المفسدين وجدوا في هذه المشكلة ثغرة شوهوا بها التيار الإسلامي وأطروحاته.
هذه المقدمة سقتها وبين يدي بعض النقاط التي أريد توضيحها حول تعاملنا مع الأزمات:

أولاً : الظاهرة الصوتية
عندما تقع أزمة ما فإن أبرز ما يلحظه المتابع لأعمال الإسلاميين هو الكثرة الكاثرة من الخطابات الإنكارية الشفوية والمكتوبة: خطبة الجمعة، وكلمات بعد الصلوات، ونشرات، ومواقع إنترنت، بل حتى رسائل الجوال، وهذا لا شك عمل جيد ولا إنكار عليه إنما الإنكار أن يكون هو أول جهدنا وآخره .
إن المشكلة تكمن في أن هذه الموجة العارمة من الإنكار أصبحت مجالاً لتفريغ شحنات الغضب والإنكار فقط, ثم يتوقف هذا الهدير العظيم ليتحول إلى مجرد خرير، لا يبالي به من أراد أن يتجاوزه ولو وطئه بقدميه. وإذا بالمواقف والقرارات التي أثارت هذه الأزمات تمر وتسير كما خطط لها، في ظل سكون عجيب لا يتناسب مع حجم تلك الشحنات السابقة .
وهكذا دواليك مع كل أزمة لا بد من ثورة خطابية إسلامية، ثم ينتهي كل شيء، حتى أدرك المفسدون في الأرض هذه العادة عند الإسلاميين، وأنها مجرد ضجيج مؤقت لا يمنعهم من السير في مخططاتهم، فإذا بالقرارات والجرأة تزداد، وانطبق على كثير من الإسلاميين – للأسف- المثل العربي ( أوسعتهم سباً وساروا بالإبل).

ثانياً: تقييم المحتوى الخطابي
من ينظر في محتوى الخطاب الإسلامي المطروح في ظل الأزمات، يجده يدور حول ثلاثة محاور :
الأول: بيان خطورة الوضع.
الثاني: اتهام من هم وراء هذه الأزمة بالفساد.
الثالث: الحث على الاتصال بالعلماء و أولي الأمر للإنكار.
وهذا المحتوى رغم ما يبدو من جودته، إلا إنه يحمل في مشكلات مضاعفة كبرى منها:
1-اختزال العمل الدعوي في هذه الصورة من الإنكار فقط، دون الصور الأخرى من العمل الدعوي، فكثير من أزماتنا عبارة عن مشكلات وأخطاء متراكمة مع الزمن، وافتراض أن حلها هو بمجرد الإنكار على قرار صدر، أو الاعتراض على موقف حدث، إنما هو افتراض باطل، ذلك أن هذه القرارات والمواقف تتكئ في صحتها على معطيات الواقع، مما يسهل قبولها لدى كثير من الناس، والإسلاميون يدركون خطأ هذه القرارات والمواقف، وخطأ الواقع الذي ولّدها، ولكن كثيراً منهم لا يوظفون هذا الإدراك لبيان الحقيقة على وجهها ومن ثم طرح حل شامل متكامل لها؛ يأخذ في الاعتبار طبيعة المشكلة وطبيعة الواقع، والبديل المناسب.
2- إنها لمشكلة حقاً حينما ننظر إلى هذا الزخم الهائل من الإنكار، فنجد أننا ندور في ملعبنا فقط، ونخاطب أنفسنا فقط، وكأننا مختلفون فيما بيننا، أو خائفون على بعضنا من هذه الهجمات، والحقيقة أنه لا هذا ولا ذاك، وإنما المشكلة تكمن في أن فينا من لا يعرف أن يتخاطب إلا مع نفسه، وفينا من يمارس أسلوب الأستاذية فيطرح ويريد من الآخرين الاستجابة والاستماع لا غير .
إن الخطاب العاطفي المملوء بالعبارات الرنانة، والنظرة المتشائمة، يولد لدى عامة الناس ردة فعل تجاه طرح الإسلاميين بسبب إحساسهم بمبالغة الإسلاميين، وتصوير القضايا وتهويلهم لها مما يفقد طرحهم مصداقيته .
وفي المقابل نرى أن المفسدين في الأرض، يحاولون جاهدين أن يظهروا بمظهر الموضوعية، وتراهم ينطلقون من معطيات الواقع، ويعرضون ما لديهم في أسلوب – غالباً- ما يكون هادئاً متزناً، يعرف كيف يصطاد في الماء العكر، مما يسهل قبولها لدى أوساط الناس.
ومن المشكلات في خطابنا أيضاً، أنه يتجه في بعض صوره إلى تضخيم وتهويل القضايا إلى درجة توحي إلى السامع بأن هذه القضايا هي الفيصل في معركة الإسلام مع خصومه، وأنه إذا ما خسرها الإسلاميون فإنه لن تقوم لهم بعدها قائمة وأن باب الشر سينفتح على مصراعيه .
هذا التضخيم قد يكون سببه استثارة الهمم والغيرة في النفوس، لكنه أحياناً يتحول إلى مصدر لليأس والإحباط عند البعض، مما يشل قدرتهم على التفكير والتخطيط، وهذا بدوره يقود إلى طريقين لا ثالث لهما، إما الاعتزال والانكفاء وترك السفينة لأهل الفساد ليوجهوا دفتها، وإما التعجل في اتخاذ القرارات، والضرب في متاهة من الجهود ذات ثمرة قليلة، أو ربما لا ثمرة وراءها .

ثالثاً: الغفلة عن خط سير المعركة :
إن من أغرب الأشياء عند بعضنا- نحن الإسلاميين – أن نغفل عن المعركة بيننا وبين المفسدين في الأرض، فعندما تحدث أزمة نظن أن المعركة لتوها بدأت وما أن تهدأ الأمور حتى نظن أن المعركة قد انتهت، وهكذا مع كل أزمة تبدأ المعركة وتنتهي .
هذا التصور الغريب قد يكون موجوداً في أذهان بعضنا، لكن من المؤكد أنه موجود عملياً عند أكثرنا.
في فترة الهدوء ترى كثيراً من الإسلاميين منكفئاً على نفسه، لا يعمل لدينه إلا أقل القليل وما أن تحدث أزمة حتى يأتي هذا الكثير يصرخ أين العلماء؟! أين الدعاء؟! كأنما فطن للخطر الداهم .
إن من شأن هذه الطريقة في التعامل مع الأزمات، أن تجعلنا نغفل عن التوظيف الإيجابي للأحداث – وإن كانت سيئة – ذلك التوظيف الذي يقلب السحر على الساحر ويجعل المفسدين في الأرض يحسبون ألف حساب لكل خطوة يخطوها .
إن الذي يستوعب حقيقة المعركة ويدرك مداها يستطيع التعامل معها بشكل أفضل، ويوجه أحداثها – حتى لو لم تكن من صنعه- إلى الوجهة التي يريدها، فهو لا ينظر إلى الأزمة إلا على أنها جولة من الجولات، فربما تنازل فيها ليحقق كسباً أكبر في ميدان آخر وجولة أخرى، وربما وقف بثقله كله وراءها، وهو في هذا الموقف أو ذاك لا ينطلق من حدث آتي وليد مرحلته، إنما ينطلق من نظرة أعمق ومدى أبعد يحيط بالمعركة من كل أبعادها .
إن أعداء الإسلام يخططون لعملهم ويرسمون لأنفسهم أهدافاً يسعون لتحقيقها، كلنا نعرف هذا، ولكن المؤسف أن هذا هو قصارى جهدنا، وهو أننا اكتشفنا أنهم يخططون .
لكن أين تخطيطنا؟ أين أهدافنا؟ ما هي مشروعاتنا؟ للأسف لا زالت حبيسة الأمنيات.
وإذا كان الأمر كذلك فلا عجب أن نتلقى صفعة بعد أخرى، وأن نخسر موقعاً بعد آخر.
في الحقيقة نحن نبذل جهوداً لكنها مبعثرة، ولدينا طاقات ولكنها مدفونة، وحتى تتوحد هذه الجهود، وتكتشف هذه الطاقات نحتاج إلى جهد ضخم وعمل منظم يتجاوز الخلافات المرهونة داخل التيار الإسلامي، ويوحد الجهد ويرسم الأهداف ويضع الخطط ليؤتي العمل الإسلامي ثمرته .

وماذا بعد ؟
بعد هذا الاستعراض لبعض مواقفنا من الأزمات، أجزم بأننا بحاجة ماسة لمراجعة أعمالنا ومواقفنا، نحن بحاجة إلى أن نحدد موقعنا اليوم في معركتنا مع الباطل، وأن نحدد موقفنا منه بوضوح، وأن نحدد خطوتنا غداً، وأن نستفيد مما أخطأنا فيه بالأمس، نحن بحاجة إلى أن نجيد فن التجمع والائتلاف كما أجدنا فن التفرق والاختلاف، ونحن بحاجة – أيضاً- إلى مراجعة نفسياتنا التي أصبحت تضيق بالرأي الآخر ولا تقبل الحوار، والتي أصبحت تريد أن تعمل كل شيء أو لا تعمل أي شيء .
أليس من العجيب أن ننتقد المتعجلين في أطروحاتهم ثم نترك الساحة لهم ؟!
أليس من العجيب أن نملي على العلماء والدعاة ما نريد، فإذا ما خالفونا الرأي اختزلناهم في كلمة ( تغيّر)؟!
أليس من العجيب أن نفشل في قيادة أنفسنا ثم نطالب بقيادة الناس ؟!
أليس من العجيب أن نغفل – وقد غفلنا إلا ما رحم ربي – عن قوله تعالى : " قل هو من عند أنفسكم " وقوله تعالى : " وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً" وقوله تعالى: " إن الله لا يصلح عمل المفسدين" ؟!
نحن بحاجة إلى إحياء النفوس، ورص الصفوف، وتوحيد الجهود، ورسم الأهداف، ووضع الخطط ليتحول التيار الإسلامي إلى طوفان يكتسح المفسدين في الأرض ويجتثهم من جذورهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين على لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم