|
|
|
|
|
|
|
|
الاربعاء 10 ربيع الأول 1423
الموافق 22 مايو 2002
|
|
|
|
|
|
|
فكرة قد تراود العاملين في حقل الدعوة وتؤرق مضاجعهم، فهم لا يندمون على جهد بذلوه، أو عَرَقٍ سكبوه في نصرة هذا الدين، ولا يتحسرون على أوقات ذهبت في تربية الشباب على معاني الإسلام العظيمة، وعلى خلق النبي الكريم، بل يعُدُّون ذلك رصيداً من الأجر والثواب ورفعة في الدرجات، ولكن أكثر ما يؤرقهم نسيان بعض المدعوين تلك السنين التي تربوا فيها، ولا يذكر أحدهم تلك الأوقات التي كان فيها بعيداً فَقُرَّب، جاهلاً فَعُلَّم، ناسياً فذُكَّر، مغموراً فشُهَّر، ينسى تلك الأيام الجميلة التي قضاها مع مربَّيه أو شيخه، وكأنها من أطلال الماضي الغابر، وقد لا يعبأ بها أو يرى الفضل – بعد الله – لهذا المربي الذي صاغ حياته صياغة إسلامية، وأكسبه كثيراً من مهارات التعامل والتوازن، يرى أن تلك الحقبة أشبه بالذكريات المنسية التي عفا عليها الزمان، فلم تعد صالحة للاستعمال!! ما هذا الشعور إلا نقص في الوفاء لهذه الدعوة المباركة وهذا المحضن الذي تربى فيه. وما أجمل ما قاله الداعية المربي: محمد الراشد، وجعله عنواناً مؤثراً ينبض بالأسى (دموع المربي)1، وهو عنوان يصور حجم الألم الذي يعتصر قلب الداعية حين يرى من تربوا عنده يبتعدون عنه بمجرد استغنائهم فيقول : ( ولعلها كلمة قاسية - أيها الإخوة- ولكنها من الحق أن نستشهد هاهنا، في هذا الموطن، بقول صادق لسفيان الثوري -رحمه الله- فقد رؤي حزيناً يوماً، فقيل له مالَكَ؟ فقال:( صرناً متجراً لأبناء الدنيا، يلزمنا أحدهم، حتى إذا تعلم:جعل قاضياً أو عاملاً)، إنها الحقيقة المؤلمة في حياة كثير من الدعاة.
تعلمهم الدعوة الفصاحة واللباقة التي تمكنهم من حيازة فرص جيدة، فإذا حازوها فتروا، أو تفتح لهم الدعوةُ باب الدراسات العليا، ولعل إخوانهم سعوا لهم عند المسؤولين الحكوميين لحيازة البعثات والزمالات، ولربما أعانوه بالمال، ثم يؤنسه إخوانه في غربته ويعصمونه الفتن ويخلُفُونه في أهله، فإذا تخرّج ورجع فَتَر وفكّر في عذر يتملص به من العمل.
قد تصير الدعوة متجراً لأبناء الدنيا، يلزمها أحياناً، حتى إذا صار موظفاً كبيراً، أو أستاذاً جامعياً، و(اختصاصياً خبيراً) تركها وانفرد يبني مستقبله.
كلمة مُرَّة يجب أن يتقبلها الدعاة، فإن كتف الدعوة يئن لكثرة الذين حملهم وتنكروا له.)ا.هـ.
حقاً فتلك مصيبة عظيمة للفرد خاصة وللدعوة عامة، وهي على الفرد أنكى؛ لأنها تصمه بالأنانية البغيضة وإيثار الدنيا على الأخرى، أما على الدعوة فهي تعودت على مثل هذا الخلق من بعض أفرادها، وقطارها سائر لا يقف ينتظر المتخاذلين ولا يستجدي القاعدين. و نلحظ هذا السلوك عند بعض المسؤولين الذي تسنموا المناصب العالية وبلغوا القمم، فإذا كان من هذا الصنف تجده حتى في كلامه و في أفعاله متأثراً بإخوانه الدعاة مصطبغة عباراته بأسلوبهم، ولكن سلوكه يقول : (إنما أوتيته على علم عندي) 2 ونسي أن الله مَنَّ عليه بمصاحبة ذلك الجمع المبارك الذي أعطاه كلَّ ما يملك وبناه من الصفر. وهذا لا يخلو من بعض اللؤم المذموم، ومقابلة الإحسان بالإساءة. بل إن بعضهم قد ينقله إخوانه – بعد الله- من الضلالة والانحراف، إلى عالم الإيمان والتقى ويتربى في أحضانهم السنوات الطوال، ثم ينسى ذلك في أيام، ويتنكر لهم، ويصفهم - بعد ذلك- بالابتداع والخروج عن الصواب، وهذا مثله كمن كاد يهلك من العطش حتى إذا رأى حامل ماء انطرح بين يديه يعُبُّ مما معه ..فإذا رَوي قال له: ما أكدر ماءك! أليس عندك غيره؟ ويذكر مثالبه وعيوبه بدل أن يشكره ويدعو له !!
وإلى ذلك المعنى أشار الشيخ الطنطاوي ( ثم يكبر الطلاب فينكرون المعلم وينسونه، وربما احتاج أحدَهُم فأراه صنوفَ الحرمان، وربما صار أحدُهُم رئيسَه، فأذاقه ألوان الأذى ) 3.
صنف آخر
وهو الصنف العاقل الذي عرف لأهل الفضل فضلهم، ولا يمَلُّ أن يدعو لهم في كل حين بالتوفيق والسداد، وأن يفي بما لديه لخدمة الدعوة التي وهبته كل هذه المؤهلات، وما أجمل ما قال أحدهم في مقابلة له - في إحدى المجلات- لما سئل عن الجمعية الرائدة في بلده فقال عنها وعن أصحابها : لقد تربيت في أحضانها وبين شبابها، فهم قد حفظوني القرآن وعدلوا سلوكي، فأنا أكن لهم كل مودة وإجلال وأدعو لهم دائماً . وقد يختلف معهم في بعض المواقف إلا أنه لم يدعه ذلك إلى التباهي بقدراته ومهاراته ، وهو صنف يستحق- بحق- التقدير والإجلال.
دعوة إلى الوفاء
ثم ينادي الراشد الدعاة مستنهضاً هممهم، في رد بعض الجميل : (فاعقدوا العزم على الوفاء لهذه الدعوة المباركة - أيها الإخوة- واجعلوا الشهادة العالية، أو التجارة أو المنصب في خدمة الدعوة لا الصيت، وإلا فإن الأمر كما يقول بعض السلف :(إنه قلَّ من يسّر لنفسه الجاه والصيت فأمكنه الخروج منه). أي يقع في إثم التكبر المصاحب للصيت ويترك التواضع...) ا.هـ.
وكما أن الدعوة جعلتك تصل إلى مكانك هذا فاجعلها ملء سمعك وبصرك، كن وفياً كما كان أحد المدعوّين حينما ذكر المربي فقال: كلما ركعت ركعة أو عملت عملاً دعوت لأخي الذي كان سببا في هدايتي، كلما نظرت لأصحابي الذين كانوا معي أيام الطيش قلت: الحمد لله الذي أنقذني به من ذلك الجحيم : جحيم المعاصي وذل المنكرات، وهذا المعنى العظيم في قوله تعالى : ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)4، فأخي الذي سبقنى لهذا الخير ودلني عليه أولى أن أدعو له بهذا الدعاء، بل وقد يكون بعضهم قد رحل عن هذه الدنيا بعد أن جاهد وصابر في نصرة هذا الدين وفي دعوة إخوانه من الشباب.
فإذا هو خصيم مبين
نذكر هذا الحديث عن أفراد لم يستمروا على نفس الطريق الذي بدؤوا به، وإنما انشغلوا بغيره وتركوه أو تناسوه، والمصيبة تكون أعظم إذا تحول الهجران أو الانشغال إلى عداء و مجافاة، ولئن كان المرء يحزن على هؤلاء الذين لم يحفظوا الود ولم يبالوا بمن أعطاهم من نفسه ومن وقته في سبيل تحصيل الأجر وبذل المعروف، فليكن عزاؤه بالله تعالى الذي خلق الخلق و أوجدهم من العدم، ومع ذلك فهم يتمادون في عصيانه ونكران فضله. 1- المسار ص 170
2- القصص آية 78
3- فصول في كلمات ، علي الطنطاوي - رحمه الله- .
4- الحشر 10
|
|
|
|
|
|