الحرب هي الظاهرة الاجتماعية الأشد تأثيراً في مسار التاريخ وصنعه؛ لأن التاريخ برأي (غاستون بوتول) مؤلف كتاب (ظاهرة الحرب)، والذي صدر أخيراً بدأ بحصر تاريخ النزاعات المسلحة،وأن الحروب هي التي أطلقت حضارات وأنهت أخرى، فعلى سبيل المثال يبعد البحر المتوسط عن الحدود الأردنية أقل من خمسين كيلومتراً، ولكنه في الحقيقة بعيد جداً، ولا يمكن الوصول إليه، وقد نشأت الدولة الأردنية الحديثة حول نهر الأردن واستمدت تسميتها منه، ولكنه لم يعد يمثل للأردن شيئاً يُذكر، وجبل الشيخ الذي كان أحد الجبال المميزة في المنطقة؛ لأن الثلوج تبقى متراكمة عليه طوال العام، ويكون ذلك بالنسبة للمناطق الحارة في الصحراء القريبة ووادي الأردن اللاهب شيئاً مميزاً، فكان أحد مصادر الثلج للمنطقة، يبدو اليوم أبعد عن العرب من جبال الألب.
فالحرب تفرض دائماً على البشرية ولفترة طويلة نمطاً اجتماعياً، وتلعب دوراً مهماً في التحولات الاجتماعية والاقتصادية أيضاً، وهي الأكثر فاعلية في الاتصال بين الشعوب والحضارات،ونشوء أنماط جديدة من الفنون والثقافة والموارد، فلولا الحرب العالمية الأولى لما عرفنا الحضارة الغربية ومؤسساتها وأنماط التعليم والنهضة والحياة فيها، ولما عرفنا الأطعمة والملابس وتصميم البيوت السائدة اليوم لدينا، ربما كنا تقدمنا علمياً واقتصادياً واجتماعياً بدون هذه الحرب، ولكن نمط حياتنا القائم اليوم لن يكون هو، وهذا بالطبع ليس مديحاً للحرب والاستعمار ولا ذماً أيضاً.
وتشكل الحرب أيضا عاملاً رئيساً في التقليد بين الأمم والدول والحضارات؛ لأن الميل التقليدي عند معظم الأمم باستثناء التجارية منها مثل الفنيقيين واليونان يتجه إلى الانطواء على الذات، والتمييز العنصري، والاكتفاء بالموارد الذاتية، فقد جعلت الحرب أكثر الدول انغلاقاً مثل أفغانستان والصين واليابان هي الأكثر انفتاحاً على التجارة والثقافات والعلاقات الدولية، وحطمت عزلتها التاريخية، وللحرب تأثير على اللباس والتعليم والطعام، ويمكن ملاحظة أثر الدول المنتصرة على اللباس العسكري للجيوش، فقد ظلت البزات العسكرية لنابليون هي المعتمدة لدى معظم جيوش العالم، حتى حلت مكانها البزات العسكرية الأميركية والسوفيتية.
وتلعب الحرب الدور نفسه في التقنية، فقد تعلم الرومان الملاحة وبناء المنشآت البحرية من الفينيقيين لأجل محاربتهم، واعتمد هنود أمريكا تربية الخيول بعد الغزو الأوروبي، ونرى اليوم الشعوب ترزح تحت وطأة التسابق على التسلح ووسائل التدمير، تنقلها الأمم عن بعضها بلا تردد، ودون اعتبار للحس التقليدي لدى الشعوب بالكبرياء الوطنية.
يقول الفيلسوف (تان) إن الإنسان غول مفترس، وبالطبع فإنه وصف مبالغ فيه، ولكن التاريخ العام للإنسان بأنه كائن يقتات اللحم، ويستخدم السلاح، وكانت أول أداة صنعها هي السلاح، وكان مشغولاً دائماً بتطوير عمليات الغزو والصيد، من السيوف والخناجر والرماح والسهام، ثم البارود الذي غير مسار الحياة والصراع.
وكانت تقنيات الحروب والصراع هي الأساس للتطور العلمي والاقتصادي والاجتماعي أيضاً، ومعظم التقنيات المدنية الشائعة اليوم وآخرها الإنترنت وأجهزة الاتصالات كانت تُستخدم وتُطوّر في المؤسسات العسكرية، وكانت الحرب أيضاً هي أساس التنظيمات الاجتماعية والسياسية، في القبائل والإقطاع والمدن والدول الحديثة، وكانت التقنيات العسكرية ضماناً لبقاء كثير من الحضارات والدول، وسبباً لانهيار أخرى عريقة ومهمة على يد مجموعات بدائية أقل تحضراً ولكنها أقوى سلاحاً، مثل سقوط بغداد على يد المغول، وسقوط روما بيد البرابرة، ولكن تقنيات الحرب ظلت في كل تجلياتها وتطبيقاتها المتطورة والمتغيرة مستمدة من الطبيعة وأسلوب حياة الطيور والحيوانات.
ونعلم ونلاحظ ببساطة أن الخريطة السياسية والسكانية القائمة في العالم اليوم شكّلتها الحروب، القارة الأمريكية وأستراليا على سبيل المثال، من هو الأمريكي أو الأسترالي أو الكندي أو البرازيلي؟ وكان موطن الأتراك التاريخي ومازال في آسيا الوسطى (تركمانستان وتركستان وأوزبكستان وأذربيجان) وقد بدأ الأتراك يزحفون غرباً في أوائل القرن الرابع عشر حتى اكتملت لهم السيطرة على الدولة البيزنطية واحتلال عاصمتها القسطنطينية (استمبول) في منتصف القرن الخامس عشر، فما معنى تركي وتركيا اليوم؟ وما معنى بيزنطة وبيزنطي؟ وقد عاد (أو أُعيد) اليهود إلى فلسطين بعد إخراجهم (بالمناسبة من الذي أخرجهم من فلسطين؟) منها بألفي سنة، ولكن ما هي فلسطين وإسرائيل؟ فالخريطة القائمة اليوم تعبيراً عن فلسطين وإسرائيل ليست في الحقيقة فلسطين ولا إسرائيل، فقد تشكلت هذه الخريطة لفلسطين على هذا النحو فقط عام 1917، وكان جزء كبير من شمال (فلسطين) قبل ذلك يعتبر جزءاً من لبنان، بل وكانت عكا مركزاً لولاية لبنان في أيام الدولة العثمانية لعشرات السنين، وكانت الجولان وحوران تُعدّ من الأردن، وفي مؤتمر أم قيس عام 1920 طالب المؤتمرون من المندوبين البريطانيين في المؤتمر أن تضم الجولان وحوران إلى الأردن، وحضر المؤتمر أيضا ممثلون من مدينة صور باعتبارها جزءاً من الأردن، وفي كتب الرحالة في أواخر القرن التاسع عشر كانوا يعتبرون مدينة صور جزءاً من الأردن، ولكن هذا التقسيم الذي جرى للبلاد كان ابتداء لاعتبارات إستراتيجية أرادتها بريطانيا، فمدت فلسطين على ساحل المتوسط لتكون إسرائيل قاعدة عسكرية بحرية، واحتجت فرنسا على ضم أجزاء من لبنان إلى فلسطين؛ لأن ذلك اعتداء على القسمة المتفق عليها بين الدولتين لغنائم الحرب (كنا من غنائم الحرب)، فأضيف إلى حصة فرنسا الجولان وحوران، وهكذا صار الشقيري فلسطينياً ورئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وربما لو أصرت فرنسا على بقاء الخريطة كما هي في التقسيمات التاريخية الجغرافية لكان الشقيري لبنانياً، وربما كان أحد قادة النضال اللبناني، وصار فاروق الشرع والزعبي سوريين، وكان من الممكن ببساطة أن يكونا مهندسين في سلطة المياه الأردنية.
والحروب تؤدي دائماً إلى تزايد الوفيات بين المقاتلين وغيرهم، ويوجد في كل حرب في النهاية غالب ومغلوب، ويتعرض المهزوم عادة لخسائر غير مباشرة في السكان والموارد والمجاعات والطرد والنهب وأحياناً في تعرضه للسخرة والاستعباد.
وقد كانت خسائر الجيوش الفرنسية في السنوات 1792 – 1815 حوالي مليون نسمة، وقتلت جيوش يوليوس قيصر حوالي ثلاثة ملايين إنسان، وقضى التتار والمغول على (25) مليون إنسان، وقُتل في الحروب التركية الروسية ربع مليون إنسان، وقُتل في الربع الأول من القرن التاسع عشر في مجموعة من الحملات والحروب حول العالم حوالي مليونين ونصف المليون، وقُتل في أوروبا في القرن التاسع عشر خمسة عشر مليوناً، وقُتل في الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) حوالي (25) مليون إنسان.
وحظي القرن العشرون بأكبر عدد من قتلى الحروب في تاريخ البشرية، وقد كانت بعض الحروب في العصور القديمة تقضي على جميع الذكور تقريباً لدى القبائل والجماعات المهزومة.
ولكن نتائج الحرب الأخرى كانت أكثر عمقاً وراديكالية؛ فقد كان ينخفض عدد السكان لأن البنية الاجتماعية تُصاب باختلال كبير، ويمتد الضرر والتغيير إلى البنى السياسية والأمنية والإنتاج والنقل والتجارة، ويحدث بسبب تركز الوفيات بين الشباب الذكور خلل بين الرجال والنساء.
ولكن مفكرين وعلماء يرون في الحرب تخليداً للجنس البشري وسبباً في الاصطفاء والتطوير، فهي على نحو ما تؤدي وظيفة بيولوجية.
والحرب في بعض جوانبها هي مشروع اقتصادي؛ لأن الحرب تحتاج إلى توظيف أموال في التسلح والتموين والإنفاق إلى أن يحرز المحاربون انتصاراتهم ويعيشوا على نفقة العدو، ولكن لا يمكن خوض الحرب دون رأسمال من اليد العاملة والمؤن والمعدات.
وتبدو أول المظاهر الاقتصادية للحرب في التجنيد، سواء كان تطوعياً كما لدى القبائل، أو تجنيداً إجبارياً كما تفعل بعض الدول، أو تكوين جيوش من المحترفين والمرتزقة، وفي بعض المراحل التاريخية استخدام العبيد، وفي جميع الأحوال فإنها عمليات تنطوي على نفقات هائلة للرواتب والتموين والتسليح والتدريب، وعلى إيرادات من النهب والغنائم والاستيلاء على موارد المهزومين وممتلكاتهم.
فالدولة حتى تكون قادرة على الحرب يجب أن تكون غنية أولاً، لتكون قادرة على تربية أجيال للحروب، وتجنيد الشباب المحترفين للقتال، وتحضر المؤن والأسلحة ووسائط النقل وبناء التحصينات.
ولذلك فقد كانت الدول تخزن النقود في المعابد والحصون استعداداً للحرب، وقد تعاظمت قوة أثينا الحربية بعد اكتشاف مناجم الفضة في لوريون، فأتاحت لها عائداتها بناء أسطولها الذي جعل منها أعظم قوة بحرية في المتوسط الشرقي.
وفيما بعد أصبحت البندقية -وهي مجرد مدينة تجارية- دولة عسكرية من الطراز الأول، فتمكنت أساطيلها من فك الحصار الذي فرضته تركيا على أوروبا، وكذلك أصبحت إسبانيا قوة عسكرية جبارة عندما تدفقت عليها الفضة من العالم الجديد (القارة الأمريكية)، ومازالت الدول الحديثة تواجه الحرب أو تستعد لها بالاحتياطيات النقدية التي توضع قيد التداول عند اندلاع النزاعات.
وعندما تنتهي الحرب بما في ذلك من استهلاك وتدمير تبدأ الثروات تتحرك تبعاً لنتيجة الحرب، وتنمو قطاعات اقتصادية وتتراجع أخرى، وتأخذ رؤوس الأموال وجهات جديدة في الإنفاق والاستثمار، وفي بعض الأحيان تكون الحرب حلاً لأزمات اقتصادية.