اللورد آرثر بلفور: الشيطان الأكبر الذي لا يختلف على إبليسيّته اثنان، و المجرم الأول في حق الفلسطينيين و العرب و المسلمين، الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق، و أنفذ وعده الآثم، و فتح الباب لإنشاء الكيان الصهيوني؛ فأورثنا مأساة لا نهاية لها، و خنجراً ينغرس كل يوم أكثر فأكثر في صدورنا!!
و لكن سبحانه..!! من علّم عباده أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، و يا له من دين منهجه أن الفضل للصادقين لا للسابقين، و أن الوراثة لأصحاب المبادئ لا لأقرباء الدم، و يا لها من شريعة أوقفت عقاب العين بالعين و السن بالسن و البادئ أظلم؛ فلو عملنا بها، و حمّلنا الابن جريرة أبيه لزادت مصائبنا فوق ما هي عليه.
و لكن الزمان دار دورة عظيمة على مستوى الأحداث و البشر منذ عام الوعد المشؤوم سنة 1917 فخرج من أحفاد بلفور، و من قلب أرضه، و أراضي جيرانه من وضعوا حياتهم على المحك لتحيا فلسطين (Viva Palestina ) و أهلها، و ليضخوا عبر الأطلسي الدماء في شريان الحياة الفلسطيني الذي قطعه ذوو القربى و إخوة الدين و اللغة و التاريخ و المصير المشترك...الخ من المفردات التي لم تعد تساوي الحبر الذي تُكتب به.
أحفاد بلفور يضخون فينا الحياة، و أحفاد يعرب يمنعون عنا الكلأ و الماء و النار، و هي الثلاثة التي حذر الرسول -صلى الله عليه و سلم- من منعها أو احتكارها!!
أحفاد بلفور يقطعون إلينا أكباد الإبل جواً و براً و بحراً، و أحفاد يعرب يغلقون علينا منافذ الأرض و الماء و السماء!!
أحفاد بلفور يقاطعون المنتجات الزراعية التي تصدرها المستوطنات الإسرائيلية، و يعطونها علامة خاصة للتنبيه على عدم شرعيتها، و أحفاد يعرب يغوصون إلى ذقونهم في وحل التطبيع التجاري، و استيراد البضائع الإسرائيلية بكافة أنواعها، و قد كان الخوف و الحياء يحملهم قديماً على تغيير العلامات و الماركات و بلد المنشأ، أما الآن فأصبح الأمر على "عينك يا تاجر"!! و لم يعد أحد يبالي، لا التاجر و لا المشتري.
ما فعله أحفاد بلفور أشعرنا بعظم الكارثة و الانحدار و الصغر و القزمية التي وصلنا إليها.
هذه المرة جاءت الصفعة من أحفاد بلفور، فهل يفيق أحفاد يعرب من نومة أهل الكهف؟!
فلسطين في المزاد فهل يسمحون بإعادة الاستملاك؟
جاء في الإعلان: ( شركة تطوير عكا القديمة تعلن عن مناقصات بيع أملاك في عكا القديمة في حي رقم 10 مقابل البحر: بيوت و مطاعم و أراضي و غيرها، تعالوا شاركوا في الجولة التي تنظمها الشركة يوم 3-1-2010).
بالطبع لم يذكر الإعلان أن هذه الاملاك تقع ضمن ما يُعرف بأملاك الغائبين الذين هُجّروا من أراضيهم قسراً، و الآن تُباع على أنها أراضٍ و أملاك للدولة و الشركات الاستثمارية الإسرائيلية بهدف تهويد هذه المدن بشكل كامل و نهائي، و محو أي أثر قديم أو جديد للعرب فيها.
هي أحلام كبار السن، و دموعهم، و سنوات غربتهم، و خيامهم و كواشينهم المهترئة، و مفاتيح بيوتهم الصدئة.. هي الأراضي، و كروم العنب، و بيارات البرتقال، و بحر يافا، و جامع عكا، هي الأجيال التي ماتت و الأجيال التي ورثت، و الأجيال التي ضحّت، حتى الأجيال التي خانت.. كلنا أصبحنا برسم البيع و هم يقبضون الثمن!!
عندما كتب غسان كنفاني رائعته "عائد إلى حيفا" حاول أن يتصور أفقاً للحل، فجعل البطل سعيد يعود لبيته لعله يستعيد بالحوار و الإقناع و الدبلوماسية داره و ابنه اللذين استولى عليهما اليهود، فيخرج بعد أخذٍ و ردٍّ بقناعة واحدة أن الأمل و الحل بالمقاومة، و ليس غير المقاومة، و يقول للمرأة اليهودية العجوز: "تستطيعان البقاء مؤقتاً في بيتنا؛ فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب"!!
و هو نفس الثمن الذي وضعه شاعر فلسطين إبراهيم طوقان لاستعادة الوطن فقال:
وطنٌ يُباع و يُشترى و تصيحُ فليحيا الوطنْ
لو كنتَ تبغي خيرَه لبذلتَ من دمكَ الثمنْ
و لقمتَ تضمدُ جرحَه لو كنتَ من أهل الفطنْ