|
حكى أحد الأدباء قصة مفادها: أن سائق حافلة كان في طريقه إلى محطة نقل الركاب, وذات يوم توقفت الحافلة في محطة من هذه المحطات, وإذا شاب ضخم, عظيم الجسم, يركب الحافلة, وهو ينظر نظراتٍ تقدح شرراً, فطلب منه سائق الحافلة أن يدفع تذكرة الركوب, فنطق بكلام ينضح جفاء, وغلظة, قائلاً: أنا ما أدفع تذاكر! فوجم السائق ساكتاً؛ خوفاً من بطش هذا الشاب الضخم, ثم تكرر هذا المشهد في اليوم الثاني, والثالث, وباللغة نفسها, فغضب السائق من هذا التصرف الأرعن, وفكّر في طريقة تخلصه من هذا المأزق الذي وقع فيه, فما كان منه إلاّ أن عزم على الذهاب إلى مركز لكمال الأجسام؛ ليعيد بناء جسمه بشكل يضع حداً لهذا الشاب المتغطرس, والذي ما فتئ يمرّغ أنفه في التراب كل صباح, حتى إذا فرغ من التدريب الذي استمر بضعة أشهر, رجع إلى حافلته, كامل البنية, مفتول العضلات, متربّصاً بكل من تسوّل له نفسه الركوب في الحافلة دون دفع تذاكر! وبينما هو ذات صباح يقف بحافلته عند المحطة, إذا الشاب الضخم, يركب الحافلة, ويكرر المشهد نفسه, فيأبى أن يدفع التذكرة, ففرح السائق بهذا الموقف الذي طالما انتظره منذ أن حصل على مجموعة أحزمة في كمال الأجسام, وفي الكاراتيه, والجودو.., ثم استشاط غضباً, فأمسك بالشاب الضخم بيد واحدة, وهزّه هزّة عنيفة, كادت تفتك به, قائلاً بصوت مرتفع: (ما تدفع تذكرة ليه مثل الناس؟) فأجابه الشاب بصوت خافت: لأني أحمل ورقة اشتراك!!
وهكذا, أسقط السائق في يده! وتبدّدت كل أفكاره وتخيلاته وشكوكه شذر مذر! وهذا الموقف الطريف يذكرنا بكثير من الممارسات الخاطئة التي يقع فيها البعض, من مثقفين, ومفكرين, وكتَّاب, ومعلمين, ومربين..الخ؛ إذ يبادر أحدهم باللوم والتقريع, لفرد, أو مؤسسة علمية, أو دائرة حكومية, باسم الوقوع في خطأ أو مشكلة قبل أن يتحقق من وجودها, وربما يسعى في حلها قبل التحقق من سببها, وقد يسارع إلى تضخيمها قبل التأكد من طبيعتها, وهكذا دواليك..!! ولهذا كان الهدي النبوي هو التأكد من سبب المشكلة قبل البدء في حلها, كما ثبت في صحيح البخاري- وغيره- عن عمران بن حصين الخزاعي -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رأى رجلاً معتزلاً لم يصلِّ في القوم, فقال: يا فلان, ما منعك أن تصلي في القوم؟ فقال: يا رسول الله, أصابتني جنابة, ولا ماء, قال: عليك بالصعيد, فإنه يكفيك". فالنبي -صلى الله عليه وسلم- حين رآه معتزلاً لم يقرِّعه, ولم يؤنّبه, حتى سأل أولاً عن السبب الذي منعه من الصلاة في القوم, وهكذا لا ينبغي لنا كمسلمين أن نحدِّد الدواء لأي حالة مرضيَّة قبل أن نعرف الدّاء, ولا أن نعيِّن العلاج لأي حالة مزعجة قبل أن نضع أيدينا على أصل المشكلة, وهنا أصل إلى موضوعنا, وهو تفاوت الأحكام القضائية في محاكمنا الشرعية, وهل التفاوت (أو التناقض إن شئت) مشكلة حقيقية تحتاج إلى حل, أم هو حالة طبيعية تفرضها اختلاف ملابسات الوقائع لكل قضية وإن اتّحدت في الظاهر, وإذا كان التفاوت مشكلة فعلاً, فهل علاجها في التقنين, أم لا؟ الواقع: أن بعض المثقفين يسارع إلى تحميل مجلس القضاء الأعلى وِزْر تفاوت الأحكام القضائية مع اتحاد الوقائع, بحجة عدم تقنينه للأحكام القضائية, وكأن المشكلة في تفاوت الأحكام تكمن في عدم وضع معلمة قضائية يُلزم بها القضاة, كمجلة الأحكام القضائية التي كان معمولاً بها إبّان الحكم العثماني للبلاد الإسلامية, والحقيقة أنه يجب أن نتحقق من وجود المشكلة أولاً. وثانياً: إن كانت موجودة فعلينا أن نتحقق من جدوى علاج المشكلة بالتقنين, والحقيقة أن التفاوت في الأحكام القضائية أمر واقع, ولكنه ليس بالشكل المطروح في بعض وسائل الإعلام, حيث ضُخِّم الموضوع, وأُعطي أكبر من حجمه, علماً بأن كثيراً من صوره يكتنفها الكثير من الملابسات, مما يستدعي معها تفاوت الحكم, وإن كانت الواقعتان أو الوقائع واحدة في صورتها, فمثلاً حين يُقبض على شخص في حوزته خمس حبات من الهروين, ويُقبض على آخر متلبساً بنفس الجرم, ولكن أحدهما له سوابق إجرامية, والآخر ليس له سوابق, فهذا يستدعي تشديد العقوبة على الأول, وتخفيفها على الثاني, وإن كانت الجريمة واحدة, ولا يمكن أن يُقال: هذا من التفاوت في الأحكام, وإن كانت صورة الجريمة واحدة, وهكذا دواليك...
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: على فرض أن التفاوت أو التناقض في الأحكام أصبح ظاهرة مزعجة, هل تقنين الأحكام القضائية هو المخرج لهذه المشكلة؟ والحقيقة: أن التقنين ليس حلاً؛ لأن المشكلة ستبقى قائمة في تنزيل الأحكام القضائية المقنّنة على الوقائع, وهذا في كثير من الأحيان يختلف فيه الاجتهاد من قاضٍ لآخر, كما أن التقنين يسهم في تضييق الخناق على الملكة الفقهية للقاضي, ويحصرها في زاوية ضيقة, وربما اضطر القاضي إلى وضع عقله في الدرج نزولاً عند قوة المادة الفقهية المقنَّنة!! ولهذا لم يأخذ بالتقنين الملزم العديد من الدول الغربية المتحضرة, فسحاً لمجال حرية الاجتهاد أمام القاضي؛ ولأن المواد المقنَّنة في كثير من صورها لا تراعي اختلاف الملابسات المحتفة بالقضية, وهذه مشكلة أخرى تضعف من عدالة الحكم, ومن نزاهة القضاء, والقاضي مأمور بتحري العدل قدر الاستطاعة, ولهذا حين نقلِّب الطرف في البلاد التي عملت بالتقنين, نجد أنها لم تنأَ عن نفسها من إشكالات عديدة, ولهذا أحسنت وزارة العدل حين أصدرت مدونة للأحكام القضائية, تسهم في تضييق هوة الخلاف والتفاوت في الأحكام بدرجة كبيرة؛ إذ تُعدّ مرجعاً للقاضي في كثير من الأحكام, ولا تحجر عليه اجتهاده في القضايا المعروضة, وهو الحل الوسط في نظري, والموضوع بحاجة إلى بسط في مقال قادم, والله تعالى أعلم.
|