الرئيسة » مقالات » أصداء سياسية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
"مدن الملح".. تذوب
الثلاثاء 27 جمادى الأولى 1431 الموافق 11 مايو 2010
 
"مدن الملح".. تذوب

عبد العزيز البرتاوي

تماماً، قبل أربعة أشهر ونصف كانت الفضيحة من نصيب "جدة"، المدينة العروس، الساعية إلى دور السينما، وهي بعد لمّا تحصّل شوارع سويةً للسير، ولا مجارير صالحة لتصريف مياه الأمطار والمخلّفات الآدمية. الحجّة حينذاكَ: الحكومة منشغلة بالحجّ العظيم، والأحياء العشوائية .. عشوائية حتى في الموت، وأنّ الجنوب دائماً جنوب، وأنّ الذي أخطأ، صاحب المخطّط، لا الذي خطّط أن يكون ثمّة مخطّط.

ومرّت الكارثة بسلام. تركت الحكومة الباب موارباً لبضعة كتّاب تمرّنوا لأول مرّة على نقد المسؤول. لمقالاتٍ، استثمر "قائلوها" كتابةً بصور الحزن والدمع والخراب. كانت ثمّة تصاوير أدبية جميلة، لمأساة واقعيّة قبيحة. تبدّت أكوام من الرؤى، ورزم من الأفكار، لم يكن بحسبان الصحافة المدجّنة جيّداً أن تشهدها، وفرح المخلّفون من الأعراب، الذين لم يغرقوا بعد، محيلين الأمر "الخارق" حيناً إلى الفجأة، وحيناً إلى نوع من المعاصي والفساد والآثام، لا تحدث إلاّ في مناطق بعينها.

بيد أنّ الغرقى غرقى، والنكبة نكبة، وهي أشياء غير صالحة للتأجيل ولا للتجميد حتى الآن، والغرقى قد نشفوا، وترمّموا، لا يزال البحث عن المسؤول جارياً. غير مدركين تماماً، ولا واعينَ أنّه في بلدان الفساد والفوضى .. لا يوجد مسؤول مسوؤل !

الرياض، لم تكن فضيحة. كانت مهزلة. الأحياء التي غرقت، والشوارع التي استحالت إلى مجارير، هي مناطق الشمال، حيث الأحياء الأكثر جدةً، والشوارع التي للتوّ لمّا يمض عليها عقد من زمان، وعليه أصبح المطر يمثّل لنا، نحن قاطني الصحراء، موسماً لفرجة الآخرين، الذين ساعدنا ووهبنا ومنحنا، لنكتشف أنّا كنّا نهب للآخرينَ عكاكيزَ كثيرة، قبل أن نستقيم على أقدامنا، وأنّ البلدان التي وهبنا، ربمّا تلتفت الآن مستغربة: "ليش هيك عم بيصير" !

المرور الذي تشدّق قبل فترة بنظام "ساهر"، أصبح اليوم راقداً، في بحيرات مستطيلة، لم يجهّز لها طواقمه البحرية بعد، وربما يحيل نظامه إلى "غاطس"، حتى يتمّ كشف كلّ المتوقفين خطأ في طريق سريع محفور، أو كبري جديد، عكس الطريق فجأة، فقرّر السائرون عليه ألاّ يخالفوا أكثر.

المهزلة تبدّت في صورة أخرى، لدى كتّاب الصحف. أولئك الذين كتبوا كثيراً من أجل غرق الرياض، ونقدوا، وشجبوا واستنكروا، كأي زعماء ومثقفين عرب، حيث المكان الوحيد في العالم، الذي يتشابه مثقفوه وسلاطينه، بل لا يوجد مثقّف "صالح" يستطيع أن يقول إن مسؤوليه غير مثقفين. فعلوا كلّ ما يمكنهم من ملء أعمدتهم بالحبر الأسود، والدموع كذلك، دون أن تكون ثمّة إشارة واضحة إلى القافلة التي تنبح، على الرغم  من أنّ الكلاب لا تسير. إشارة إلى أنّنا نتحدث عن العاصمة، وعن أحياء غير عشوائية يا جدة الأرملة لا العروس، إلى طرق حديثة جديدة، ومدينة "خيّلت" علامةً فارقة في صحراء قاحلة، زعموا أنّك لن تحفر حفرةً في الأرض، ولا سلماً جانب البيت إلاّ بإذن ورصد وتدقيق، لنكتشف كم أنّا نسكن مدينة من ورق... كلّما اجتمعت ثلاث سحابات، حوّلتها من مدينة كبرى، إلى بركة موحلة، ومستنقع للفرجة في نشرات الأنباء المسائية وأحوال الطقس.

أترحّم الآن على "منيف". على الروائيّ الذي كان أكبر من أن يبتلّ معنا، فهرب ليعيش في صحوٍ، ولو كان جافاً. أترحّم عليه، وأنا أتذكر مقولته: نحن في وطنٍ، مرّت عليه (100) عام. كان يمكن أن يكون فيها شيئ، لكنّه للأسف لم يكن.

صوّروا أكثر. اكتبوا. فرّجوا العالم كم نعيش من مهازل.. كم تنكشف لدينا مع كلّ رشقة مطر سجّلات الخراب والفساد.. كم كنّا نباهي بوطنٍ من ديكور أجوف !

ماذا لو كان ثمّة زلزال أو بركان أو إعصار. هل يصبح هذا الوطن حكاية لا تشبه  أطلنطا القديمة كثيراً ؟!

كعادته ، معالي خطيب الجامع ، يبتهل إلى الله هذه الجمعة، أنّ يرزقنا مطراً غدقاً سحّاً عاماً نافعاً، للعباد والبلاد. ومنابت الشجر، والنخيل المقلوع في شوارع الرياض، والكباري المكسورة، والشوراع المتقطّعة، وأكثر من ذلك: سيرفع صوته أكثر وهو يردّد: ارحم موتى المسلمين في الشيشان والصومال وأفغانستان وفلسطين، دون أن يتذكّر -عفا الله عنه- شهداء الأمّة في جدّة والرياض !

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

تعليقات الفراء
1- واحد   |  
مساءً 04:49:00 2010/05/11
لا فض فوك

2- Abo.dla3   |  
مساءً 05:21:00 2010/05/11
اتعبت من بعدك قليلة كلمة مبدع. اشكر التويتر الذين ساقني لهذه المونه الرائعة دمت كما تحب

3- مصري   |  
مساءً 05:56:00 2010/05/11
جميل أخي البرتاوي

4- عادل   |  
مساءً 06:35:00 2010/05/11
ولن نتعلم من هذا إلا كيف تكون أكثر واحد يمكن أن تستفيد من هذه الأزمة بشيء من الم....ل اس... أو اترك غير يس...

5- العتيبي   |  
مساءً 07:36:00 2010/05/11
بارك الله فيك اخي عبد العزيز لافض فوك لكن انتبه على نفسك ، المفروض ماتتكلم في هذه المواضيع الا لما احد يسألك او تاخذ المعلومه من المصادر الصحيحه

6- متابع ..   |  
مساءً 07:54:00 2010/05/11
العتيبي موتني ضحك ّ أخي البرتاوي متابع لقلمك وبشغف , تواصل مع قراؤك

7- صوفيا   |  
مساءً 08:05:00 2010/05/11
كـم كنـا نباهي بوطـن من ديـكور أجـوف!!!!!!!!!!

8- العبادي   |  
ًصباحا 07:31:00 2010/05/12
لا يفضض الله فاك يا رجل ، اذهب فأنت أكتب أهل جيلك أيها المبدع المبدع ! ولا أزال أذكر مقالك الرائع الذي كتبته حول كارثة جدة ، وحادثة فرمان بالتحديد ، وإن كنت أتمنى أن أقرأ لك مقالات على الدوام لا عند الأزمات فحسب .كماأتمنى من الإسلام اليوم أن تعمل على إبراز هذا القلم المبدع حتى ينال المكانة التي يستحقها

9- العلواني   |  
ًصباحا 10:24:00 2010/05/12
كم أنت رائع يا برتاوي !!!! أكتب يرحمك الله ولا تخشى إلا رب العرش سبحانه ، فالحياة كلها لا تعدل كلمة حق تقال ، أو وقفة عز قد يقفها المرء

10- مسلم من القدس   |  
مساءً 12:46:00 2010/05/12
ابكاني حالنا في المملكة وأسعدني من استل يراعه قاصداُ عزة بلده وناشدناُ صحوة من غفة بارك الله في قلمك أخ برتاوي

11- شريف محمد- ليبيا   |  
مساءً 12:46:00 2010/05/12
رائع ما تكتب , وشكرا لقوقل على إظهار مقالك الجميل , اعانكم الله واكتب كثيراً لتصل إلى الجميع .

12- العتيبي   |  
مساءً 02:58:00 2010/05/12
عدت مجدداً للثناء على الاخ البرتاوي وقلمه الصادق الجميل واصل ابداعك ياشجاع

13- عاصم   |  
مساءً 03:06:00 2010/05/12
فلما هطلت الأمطار، قالوا لاعاصم لنا إلا الحكومة، أولم يفسدوا من قبل وكانوا من اللاهفين !!

14- سليم محمود   |  
ًصباحا 01:40:00 2010/05/13
رائع ماكتبت ومانقضت وما سردت وما حبكت !

15- عبدالرحمن   |  
ًصباحا 07:33:00 2010/05/13
السؤال المطروح هل هذا مؤشر على الوضع العام أنه بهذه الهشاشة عند اي حدوث اي كارثة"سياسية" لا سمح الله؟، غابت المسألة، فغابت الامانة.

16- عبدالله   |  
ًصباحا 10:48:00 2010/05/13
نحن في وطن الجميع فيه بريء ! ولذلك (فاغسل يديك) أن ترى أميناً يأتي ليقول -عفا الله- عني لقد خنت .. خنت الأمانة .. بل تجده مبرراً وتلقاه مفنداً فالخطأ ليس خطؤه ، فأنتم من استسقيتم المطر ، وأنتم من خرجتم فرحين بالمطر ، وغيري من تسبب في أن تكون المدينة من ورق ، وغيري من رفض البناء ، أما أنا فمن نور خُـلِقت فأشبهت الملائكة فلا أخطئ حينئذٍ . بل أنتم يا من تتحدثون دون أن تُـسألوا شركاء في الخطأ وإن قال الناس أنكم شركاء في الإصلاح . فابلعوا هذه المياه التي نزلت و.. نزفت ، ولا ترفعوا أيديكم إلى السماء وعيشوا وأنتم تحنون رؤوسكم فأنتم المخطئون ، أو انتظروا الساعة فقد جاء بنا القدر لتكون كما أخبر الرسول : (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قيل وكيف إضاعتها يا رسول الله ، قال: إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة) .

17- أبو رائد   |  
مساءً 03:53:00 2010/05/13
صدقت أخي عبدالله والحديث بتمامه: (جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة . . . قال صلى الله عليه وسلم إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ، قال : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " ( رواه البخاري)

18- نورة   |  
مساءً 07:23:00 2010/05/13
إن المتأمل في أحداث الرياض السابقة ليذهل من الفاجعة المتكررة حيث كانت البارحة كارثة جدة أما اليوم كارثة الرياض مع الفرق البيّن في تركيبة المدينتين جغرافياً , أعتقد أن من لاموا جدة وفتحوا باب تحقيق كبير , يجب أن يفتحوا بابا أكبر في الرياض ذلك أن جدة مدينة ساحلية تغص بالمياه ولو كان كأساً في ظل نوم ضمير مسئولي الصرف في المدينة فلو جاء مطر ولو كان متوسطا فستكون كارثة في ظل مهزلة التصريف المكتشفة حديثاً , بل وستتقيأ جدة طوفانا ! أما في الرياض المدينة العاصمة التي يتبارى على تخطيطها كبار المهندسين ويتعارك على مشاريعها فطاحلة خبراء تخطيط المدن وعمارتها وتصريفها وصرفها, المدينة الصحراوية العطشى ..فالأمر مختلف إذ أن أي مطر ينزل عليها ولو كان كثيراً ستبتلعه وتصرفه جيدا , دون الحاجة إلى مشروع صرف جيّد وهذا ماكان في الأعوام المنصرمة , أما هذا العام فقد كانت كمية الأمطار كبيرة بحيث لم يستوعبها جوف هذا العجوز , فتقيأته غرقاً ! مجمل القول وفي ميزان العدالة فإن الرياض تحتاج تحقيقاً يفتح أكبر مما فتحته جدة لأن لا مجال للمقارنة ولا للمعادلة والله المستعان !

19- سامي الغامدي   |  
ًصباحا 10:33:00 2010/05/21
نحن نحب الوطن وبإخلاص ... لا نريد رواتب ضخمة أو سيارات فارهة ... أو مكاتب ... بعشرات الألاف ... نحن مخلصون للوطن ... أعطونا ... الصلاحيات ... وانظروا كيف نعمل ... واتركوا أولائك الذين ... شروا الحياة الدنيا بالآخرة ... وصحيح نحن لنا 100عام ..كان من المفروض يكون لنا شي .. أكبر وأكبر ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل ...

20- شريف المصري   |  
مساءً 03:37:00 2010/05/31
لا فض فوك أخي عبد العزيز لقد رأيتك في مصر مرتين، ولم أكن أعرفك الآن عرفتك! حفظك الله وسلمت يمينك

21- منصف   |  
ًصباحا 11:36:00 2010/06/02
أحسنت اخي الكاتب وأجدت لكن لي عليك عتب في عبارتك التالية : (وفرح المخلّفون من الأعراب، الذين لم يغرقوا بعد، محيلين الأمر "الخارق" حيناً إلى الفجأة، وحيناً إلى نوع من المعاصي والفساد والآثام، لا تحدث إلاّ في مناطق بعينها.) وإحالة الأمر للمعاصي والفساد شيء ديني لا شك فيه سواء ابتليت ببلوى صغيرة أو كبيرة ،،، ( قل هو من عند أنفسكم ) وقد يموت الرجل بسبب ضربة عدو ، أو سم تجرعه ، أو سقوط يبصره ، ومع هذا يكون السبب القدري له ، هو المعاصي وإن كان فيه مسببات دنيوية ظاهرة ، لا تعارض ... سدد الله قلمك وأعيذك أن تسخر بشيء ديني ...

22- صالح   |  
مساءً 07:03:00 2010/06/02
لك الله يا برتاوي.. كلمات مدادها من ذهب.. حروف تعتصر القلوب.. بالفعل (كلمة صادقة)

23- أبو المنذر النجدي   |  
ًصباحا 01:07:00 2010/06/10
أولا : أشكر أخي الغالي محمد رفيق في رده, الذي رد فيه ودافع عن الخطباء .. فعلا فدائما عند حصول الحسنة قالوا لنا هذه ( ويثنون على أنفسهم وعلى حكوماتهم وعلى من يريدون ) وإن تصبهم سيئة يطيروا برجال الدين ولو لم يكن لهم أي علاقة لا من قريب ولا بعيد .. أظن الخطيب أخطأ في نظر هذا الرجل لما يستغيث ,, وما علم أن حكومته تطلب الاستغاثة دوما ,, لماذا لم يجعل الخطأ خطأهم بل جعل اللوم على الخطباء ,,

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم