كلما نسج العدو ألوان المآسي، ومارس طقوس التعذيب، وتفنن في انتهاك القوانين الإنسانية قبل الدولية، وسطا وبغى وأجرم رفعنا عقيرتنا نحن المسلمين بالتنديد والتهديد والتثريب والويل وعظائم الأمور، وأخذنا، في صورة مكرورة منذ ستين عاماً، نكتب نفس العبارات، ونردّد الجمل عينها والعبارات نفسها، مع أنه لا فرق؛ فكل كلام كُتب، وكل عبارة وُصفت وكل جملة شُخّصت هي موجودة في قواميسنا منذ ستين عاماً ونيفاً.. الفرق الوحيد هو تحديث المقال أو الجملة حسب الحادثة وتاريخها. القرآن الكريم حسم موضوع اليهود منذ أكثر من (1400) سنة بأنهم لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم، وبأنهم أشد الناس عداء لنا، وبأنهم أجبن الناس، وبأنهم أخون الناس. إذاً ما الجديد؟ لاجديد؛ فهذه الممارسات، وتلك وقعت من يهود والرسول -صلى الله عليه وسلم- في أوج قوته ومنعته، ومع ذلك كان الغدر لهم سجية، فما بالك الآن وقد بلغنا القاع ذلاًّ وانكساراً؟!
أسطول الحرية وحصار غزة ومجزرة قانا وصبرا وشاتيلا ودير ياسين وتشريد الآمنين وترويع الأطفال وقتل الأبرياء ليست ممارسات غريبة على كيان استمرأ البطش والتسلط والاستخدام المفرط للقوة، ولسنا في معرض التنديد بذاك العدو الغادر الغاصب، لكن أليس من الأولى والأجدى أن نلتفت إلى حالتنا المستعصية على الحل منذ أكثر من (70) عاماً؟!
الاستثناء الوحيد في صراعنا مع اليهود هو حرب 1948 وحرب 1973 والتي أضفى عليها الإعلام العربي من الهالات والتمجيد ما لو أفرغ في مجلدات لما كفاها مع أنها حرب عابرة قصيرة خطط لها السوريون والمصريون، وانتعش الجيش الإسرائيلي في نهايتها القصيرة التي لم تجاوز الـ (19) يوماً، فعلى الجبهة المصرية تمكن من فتح ثغرة الدفرسوار وعبر للضفة الغربية للقناة
وضرب الحصار على الجيش الثالث الميداني وعلى الجبهة السورية تمكن من طرد السوريين من هضبة الجولان، بل واستمر في دفع الحدود للخلف لتوسيع المستعمرة. أما حرب 1948 فقد نشبت في فلسطين بين كل من مصر و الأردن و العراق وسورية ولبنان والمملكة العربية السعودية ضد المليشيات الصهيونية المسلحة في فلسطين، والتي تشكلت من البلماخ والأرجون والهاجاناه والشتيرن والمتطوعين اليهود من خارج حدود الانتداب البريطاني على فلسطين، أما الجيش المصري فقد أبلى بلاء حسناً في الفالوجة لولا تخاذل القيادة السياسية المصرية آنذاك وعلى رأسها الملك فاروق؛ فقد أُعطيت القوات المصرية بنادق فاسدة غير صالحة للاستخدام الحربي، مما أدى بها في نهاية المطاف إلى محاصرتها من قبل العصابات الصهيونية في الفالوجة وسط صحراء النقب. أما الجيش العراقي فقد حرر جنين وطرد المنظمات الصهيونية منها وعلى رأسها (الهاجانا) عام 1948 إثر معارك شرسة. وكان الجيش العراقي ومعه قوات عربية فلسطينية على حافة تحرير حيفا حيث تمت محاصرتها، ولكن تقدم الجيش توقف فجأة بسبب رفض القيادة السياسية في بغداد إعطاءه الأوامر للزحف وتحرير المزيد من الأرض، مما سبب إرباكاً شديداً بين صفوف القوات، وكان أحد الأسباب المباشرة لنكبة العرب في وجود إسرائيل.
حربان في التاريخ الحديث كادت كل منها أن تكون فاصلة لولا تدخل الساسة لأسباب في ظاهرها واهية ومن باطنها السم الزعاف. المفارقة المضحكة أن إسرائيل منذ تأسيسها لم تر تهديداً يرقى إلى المواجهة؛ فقد اعتادت أن تسمع عبارات التهديد والوعيد ورمي إسرائيل في البحر وغيرها من العبارات التي تثير حماس الجوهر، لكن يصدق فيها: تسمع جعجعة ولاترى طحناً.
إن التهديد الذي أقض مضاجع الإسرائليين كان أطفال الحجارة الذين جمعوا بين براءة الطفولة وبساطة السلاح، ومع ذلك استنفر اليهود، وخاضوا حرب عصابات، واستأسد الفلسطينيون، وكان ينقصهم السلاح الذي لايملكون منه إلاّ بنادق متواضعة وصواريخ محلية الصنع مداها قصير.
وجاء أسطول الحرية ليدلل ويؤشر على عزل هذا الكيان البغيض، الكيان الصهيوني، وليقضي الله أمراً كان مفعولاً، جاء بست سفن عليها ما يناهز السبعمائة راكب من (32) دولة
ليفك الحصار الغاشم على شعب أعزل، إلاّ من الإيمان بالله العظيم، وتمنع السفن من الوصول إلى شاطئ غزة ظلماً وعلواً، ويُقتل (19) ويُحتجز الكثير، وهنا تبرز تركيا الخلافة، تركيا الانتماء، تركيا المجد الغابر لتعلن على لسان رئيس وزرائها الشهم البطل وتحدد مهلة أقصاها مساء الأربعاء 19/6/1431 هـ لتطلق إسرائيل جميع المحتجزين، أو ستخلصهم بطريقتها ليركع بعدها الكيان الغاصب، ويطلق سراحهم.
إسرائيل جسم غريب نشأ في جسم صحيح، فرفضته كل الأعضاء، وناصبته العداء، لكنها لم تتخلص منه لضعف دفاعاتها. إن لغة الشجب والشتم والقدح والسب واللعن والتهديد والإدانة ما أجدت ولن تجدي شيئاً مع يهود المغتصبين، يهود القراصنة، يهود الغزاة يهود الإجرام؛ فهؤلاء لايفهمون إلاّ لغة القوة، ولا يحترمون إلاّ القوي. لن يكون لنا شأن كمسلمين مادامت ردود أفعالنا شجباً وإدانة، والمضحك المبكي -وشرّ البلية مايضحك- أن من جاء لرفع الحصار معظمهم غير مسلمين!!
إن هذا التحرك العالمي لرفع الحصار وصمة عار في جبين المسلمين ونقطة تحول محورية في العد التنازلي لهذا الكيان. لن تحترمنا إسرائيل ومن يدور في فلكها إلاّ إذا احترمنا أنفسنا، ولن نحترم أنفسنا إلاّ إذا أخذنا بأسباب النصر والتمكين.
إن كثيراً من المسلمين اليوم مشغولون في تحليل مباريات الدوري المحلي والتطلع إلى كأس العالم، ومشغولون مع ستار أكاديمي والتصويت، ومشغولون في متابعة الدراما العربية والعالمية، ومشغولون بأسواق الأسهم المحلية والعالمية، أما فلسطين فلا بواكي لها، ولا مغيث لها إلاّ الله، وكفى بالله ولياً وكفى بالله شهيداً.
والله من وراء القصد وصلى الله على النبي البشير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.