في ظل التغاضي عن الجرائم الإسرائيلية على مستوى الدول العربية وغيرها، فقد أضحت القرصنة البحرية سلوكاً لإسرائيل تمارسه بكل جرأة، حتى حوّلت سفن الحرية عن مسارها، واقتادت ركاباً بالمئات إلى أراضيها، وكأن العالم يشاهد حالة حرب في سفن تقل مؤناً إغاثية..! وبهذا تطورت جريمة القرصنة من كونها جريمة تُمارس من أفراد، إلى جريمة تُمارس على مستوى دول..!
وحيث إن هذه الجريمة من دولة عنصرية، متمرسة على ركل حقوق الإنسان بطرف الحذاء الإسرائيلي، وامتصاص الدماء البشرية، فإن الأسلوب السلمي معها لم يعد يجدي نفعاً، بل إن إصدارات القرارات ضدها بالإدانة، لا يعدو أن يكون ضرباً من العبث، وتضييع الوقت، إلاّ فيما يحقق أثراً على أرض الواقع بالملاحقة القانونية ضدهم كمجرمي حرب.
إن القرصنة البحرية موغلة في القدم، وقديماً حكى الله –تعالى- عن قرصنة ملك من الملوك، كان يمارس القرصنة ضد السفن السالمة من العيوب، لغرض سرقتها، والسطو عليها، كما حكى الله تعالى ذلك في سورة الكهف، بقوله: ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً). فهذا الملك وجنوده القراصنة المستغلون لضعف المساكين، والمنتهزون فرصة عجزهم عن المقاومة، هم سلف مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين استعرضوا بعضلاتهم ضد المدنيين العزل؛ فالملك مارس قرصنة على مستوى دولة ملكية ضد أفراد مساكين، وهؤلاء الإسرائيليون مارسوا قرصنة على مستوى دولة غاصبة ضد أفراد مدنيين، بل إن هؤلاء الإسرائيليين أشد جرماً بقتل بعض الركاب بدم بارد، واعتقال آخرين، والتنكيل بهم.
وعوداً على آية الكهف، ماذا كان موقف الخضر ذلك الرجل الصالح من سلف هؤلاء الإسرائيليين؟ لقد كان موقفه إيجابيا وذكياً، وذلك بنسج حيلة يسلم بها المساكين- ملاك السفينة- من قرصنة ذلك الملك اللص، وذلك بخرقه السفينة، لئلا يلتفت إليها الملك القرصان..! والموقف المشرف لأردوغان، والساعي في معاقبة إسرائيل، وإنقاذ الركاب المدنيين من قبضتهم، يذكرنا بموقف الخضر الذي أنقذ ملاك السفينة المساكين، حيث قال: (فأردت أن أعيبها..) وفعلاً خرقها، فرقّ لذلك موسى عليه السلام- وهو نبي اليهود ومن في عصرهم- فقال(أخرقتها لتغرق أهلها؟!! لقد جئت شيئاً إمراً) وحين اتضح له مقصود الخضر ظهر له حسن صنيعه، وهاهم اليهود يتنكبون سيرة نبيهم موسى -عليه السلام- الذي أنزل عليه التوراة، كما هم دوماً أعداء الأنبياء والرسل وأتباعهم..!
ولكن هل إسرائيل وحدها في لائحة الاتهام؟
بالنظر إلى الجرائم في النظر الفقهي بل والقانوني، نجد أنها تنقسم إلى قسمين رئيسيين:
1- جرائم إيجابية: وهي الجرائم التي يُنتهك فيها أمر ممنوع، مرتّب عليه عقوبة، ومن أمثلتها القرصنة البحرية؛ فكل الشرائع والأنظمة والقوانين التي تمنع الظلم، وتسن العدل، فإنها تجرم القرصنة البحرية، وتعدها سلوكاً إجرامياً موغلاً في الإجرام، وما قصة موسى -عليه السلام- مع الخضر وخرقه للسفينة لإفلاتها من القراصنة إلاّ دليل على جذور هذه الجريمة النكراء، وموقف الأنبياء والصالحين تجاهها.
2- جرائم سلبية: وهي الجرائم التي ينتهك بها أمر واجب، كالامتناع عمداً وعدواناً عن إمداد الجوعى والمرضى بغذاء أو دواء، حتى يهلكوا بفعل الجوع أو المرض، فهذه جريمة تجرمها كل الشرائع إلاّ قوانين الغاب، وفي الحديث الشريف الذي لم يرق إليه أدعياء حقوق الإنسان(دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) هذا في هرة، فكيف بشعب أعزل يُحاصر في لقمة عيشه، فإذا انضم إلى هذه الجريمة السلبية جريمة إيجابية بتقنين المنع والحصار سياسياً، وفرضه بالقوة، زادت الجريمة، وعظمت خطورتها، وتضاعفت عقوبتها، وهنا أتساءل: ألا يدخل في لائحة الاتهام كل الدول التي فرضت الحصار، حتى اضطر المدنيون الضعفاء لكسر الحصار عبر السفن البحرية؟