و ما كنتَ إلاّ ثعلباً بتَنوفةٍ أتيحتْ له صقعاءُ في الجو تَلمحُ
تَصُفُّ له طوراً وتقبضُ تارةً إذا ما أفاءتْ فوقهُ ظلَّ يَضْبَحُ
فلمَّا تعالتْ في السماءِ فحلّقتْ وأمكنَها والأرضُ دَرْمَاءُ صَرْدَحُ
تدلَّتْ عليهِ من مدى مُسْتَقَلّها وبينهما خَرقٌ من اللوحِ أفيحُ
برِزٍّ تُصيخُ الطيرُ منه مخافةً فهنَّ مُصِفَّاتٌ على الأرضِ جُنّحُ
هذه الهجماتُ المسعورةُ المنطلقة بنودها من أحراشِ الصحافةِ؛ ليس لها إلاّ هدفٌ واحدٌ لا يخطئه البصير ولا الضرير؛ هدف يعمد إلى الغور بعيداً حيث الجذور ليتسلط عليها، ويعمل فيها فتكه الخبيث وفساده الأشر، فإذا تم له تدمير تلك الجذور سهل عليه بضربةٍ واحدة أن يسقط الجذع المنخور في غفلة من أعين الرقباء بل بمساعدة بلهاء منهم!
يقولون: إن الثورات الكبرى التي تقلب المجتمعات وتغير العروش تأتي سريعة حاصدة تلقف ما بناه الآخرون، وما شيّده السابقون حتى لا تبقي منه شيئاً، وهذا صحيح إذا نظرنا لسرعة تنامي تلك الثورات وانتشارها بين الناس انتشار القنوات في مدارات الله النقية! ولكنه خاطئ إذا أخذناه حكماً فلسفياً يبحث في التاريخ، ويريد تأسيس قواعد تُبنى عليها الأحكام. إن تلك الثورات لم يكن لها أن تكون بهذه القوة وذلك الفساد المستطير لو لم تكن هناك ثورات فكرية واجتماعية ودينية مهّدت وزيّنت وقرّبت للثورات السياسية الوثوب على سدة الحكم والتحكم بمصائر الناس، وغالب ما تكون تلك الثورات الأدبية والفكرية والثقافية منفلتة من حجاز العقل، ومنطلقة من حجر الدين؛ تريد الحرية والعدل والمساواة بمعناها الواسع العبثي، ذلك الشعار الذي أطلقه اليهود ليقلبوا موازين العالم التي سامتهم الخسف، وجعلتهم أذلّ من عير الحي، ولا نحتاج إلى الإفاضة في هذا الأمر، وبحسب الإنسان أن يرجع إلى الحقبة التي سبقت الثورتين الفرنسية والبلشفية لتتبين له الصورة.. وإذاً فمن الخطأ الكبير أن يبصر المسؤولون هذه التحوّلات الضخمة في المجتمع؛ فكراً وعقيدة وسلوكاً، ثم يتغافلون عن ذلك وكأن شيئاً لم يحدث، وسواء كانت هناك مسببات لهذا التغافل حقيقية أو خيالية أم لم تكن هناك.
كنت قلت في مقال سابق: إن قيام دولة على أساس هو عين فنائها إذا تخلّت عن هذا الأساس.. وعليه فإذا قامت دولة على العصبية الدينية التي جمعت شمل الناس من مختلف الجهات والأعراق فإن عزها وبقاءها ودوامها لا يكون إلاّ بتقوية تيك العصبية وتوثيق تلك الشابكة، ودعم تلكم الفلسفة، وليّ أعناق الزائغات من بنات الفكر؛ لتتسق معها، وتمتثل أمرها، والأخذ على يد المخربين الذين لا ينتمون فكراً ولا فلسفة ولا ديناً إليها وإن انتموا جسداً ووطناً؛ لأن الأخذ على أيديهم فيه تقويم للنهج، وتصحيح للمسار، وتعميق للإرادة، وصقل للروح.
ومما هو معلوم بداهة من تاريخ الدولة السعودية أنها قامت على الجهاد بالعلم والسيف؛ العلم ممثلاً بالعلماء بدءاً بالشيخ محمد بن عبدالوهاب ومروراً بأبنائه وحفدته وطلابهم إلى أن وقف الزمان بنا عند شيخنا العلاّمة بقية السلف؛ عبد الرحمن البراك، والسيف؛ ممثلا بالحكام بدءاً بالإمام محمد بن سعود ومروراً بأبنائه ومن تفرّع من تلك الدوحة العظيمة حتى وصل الأمر إلى الملك عبد العزيز وأبنائه من بعده.. فأي محاولة لضرب طرف من هذين الطرفين أو التشغيب عليه وإثارة الفتن في سبيله؛ تكون في حقيقتها محاولة لضربهما معاً، والإطاحة بما يحملان من معانٍ كبيرة يقوم عليها الدين والملك..والسكوت عن مثل هذا سكوت مخزٍ لا ينتج إلاّ الشر ولا يورث غير الفساد، وعاقبته شديدة على الساكتين؛ لأنهم المعنيون بالدرجة الأولى، علم ذلك من كان لديه أدنى فطنة...!
إن العلماء يثبتون الملك ويرسخون دعائمه بالبيعة العاقدة، والمناصحة الرحيمة، والتربية النبوية، والأخذ على أيدي السفهاء وكف شرة العابثين، والتغليظ على المناوئين، وفي تاريخ الدولة القريب ما يعضد هذا القول، ويأخذ بحجزه.. فإذا وجدنا من يطعن فيهم ويسفه آراءهم وينتقص فتاويهم ويعبث بكرامتهم ويمتهن علمهم ويسخر بذواتهم؛ فلا بد أن يكون أحد ثلاثة رجال: إما رجل يريد الحق، ولكنه ضلّ الطريق بسبب تربيته الشاذّة، وطريقة تفكيره الغربية، وانفصاله النكد عن المجتمع.. وإما رجل أحمق غفل يتبع كل ناعق ليست له إرادة يرتفع بها عن وهدة العبودية، ولا يملك شجاعة ينفك بها عن قدر القطيع! وهذان الصنفان يكادان أن يكونا في عداد القارظين! وإما رجل خبيث الطوية، فاسد التصور، منهار الأخلاق، كاره للدين، عابث بالمقدسات، دسيسة تنتظر قدرها، مبغض لطريقة الحكم؛ يتخذ المبادئ الزائفة التي ينادي بها من حرية ومساواة وعدل وشفافية ووطنية وتنمية وتسامح؛ غطاء يخفي به وجهه القبيح؛ ليتمكن من إفساد قلوب الناس على علمائهم، ونغرها على حكامهم، حتى إذا تمّ لهم الأمر، وقاربت الأمور نهايتها طالبوا بالحكم الرشيد وتداول السلطة وفق ما تمليه المنظومة الغربية وحسب ما كان متفقاً عليه...!
وإلاّ يكن ذلك فلماذا فلم يشنّوا حملاتهم على غير أهل العلم والفضل المعروفين بسلامة المعتقد وحسن الطوية والنصح للولاة ومحاربة المنكرات والوقوف في وجه البدع؟! لماذا لم يشنّوها على الطاعنين في الدين والمميعين لحقائقه والمنتقصين سياسة الدولة، المراسلين هيئات الغرب الحقوقية والمخاطبين رؤساء الدول الأجنبية ليتدخلوا في الشؤون الخاصة! وعباد القبور والمنتمين لغير البلد عقيدة وشعوراً وفكراً وأخلاقاً وسياسة، ومنتقصي الصحابة وأمهات المؤمنين؟
على أننا مع كل ما قلناه في هؤلاء لا ننزع عنهم إسلامهم، ولا نطعن في إيمانهم، وإنما نستقري ظواهر أحوالهم ونربطها بما يناسبها من الصفات، ونكل أمرهم إلى الله..
فماذا بعد الحق إلاّ الضلال؟ يقولون بأن الدولة إنما سكتت عن هذه الهجمات الصحفية؛ لأنها تواجه ضغوطاً خارجية تفرض عليها صنع مناخ تُمارس فيه حرية الصحافة والنقد والانفتاح لكسر الجمود والصلابة...!
ويقولون بل الدولة راضية عن هذه الحملات وهي التي تمولها، وتشدّ من عضد القائمين عليها... فقلت: إن الدولة ليست من هذين القولين في شيء، ولكنها تحاول أن تحل قضاياها بشيء من الحنكة والدهاء تلفهما بغشاء رقيق من الحلم والرحمة.. ولابد أن تكون لها كلمة تفصل بها هذه القضية بعد أن تجاوزت حدها وبلغت عنان السماء، واتخذت العلماء هدفها، تنبله صباح مساء بالراجمات من القول، وقد بيّنّا هول الخطر وشدته، وجلينا حقيقته والباعث عليه، وإنها لحملة تشبه الحملات اليهودية على الرسل الأنبياء والصالحين (أفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)، ومن المتقرر في شريعة الإسلام أن العلماء في أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- بمقام الأنبياء في الأمم السابقة، لا من حيث القدر، ولكن من حيث التبليغ والإرشاد وتجديد الدين، وفي سنن أبي داود وغيره بسند صحيح من حديث أبي الدرداء قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر فيه (.. وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) والعلماء إذا قاموا بواجبهم المناط في أعناقهم، وبلغوا دين الله، ونصحوا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، ووقفوا في وجه الظلم، وكان لهم من علمهم قوة تدفعهم لبيان الحق والصمود في مناصرته وبذل علائق الأنفاس في سبيله فقد استوجبوا كرامة الله، واستوجبوا من الحكام وأهل المعرفة والأدب والفكر والعامة مناصرتهم والوقوف بجانبهم؛ لأنهم الأمنة التي يحفظ الله بها العباد والبلاد، وما عزت أمة إلاّ وكان للعلم والعلماء فيها تقدير وإجلال، وما انهارت دولة ولا بلغت الحضيض إلاّ كان العلماء أزرى موجود في الأرض، وأقصد بالعلماء الذين لا يعرفون أنصاف الحلول، ولا يميلون مع الريح حسب أهوائهم، ولا يرتبطون بالخارج أكثر من ارتباطهم بالداخل، ولم تكن أفكارهم وآراؤهم إلاّ وحي عقيدة واضحة لا غبش فيها، ولم ينقسموا على غيرهم، ولا على أنفسهم يوماً من الدهر؛ لأنهم يعلمون أن في الافتراق والتشدد ومجانبة الجماعة والسير في ركاب الآخرين ضياع الحق الذي يحملون، قال أبو نعيم في الحلية، وساق سنده.. عن عطاء بن السائب عن الشعبي، قال: (ما اختلفت أمة بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقها)..
وسبيلُ منْ لم يعلموا أنْ يحسنوا ظنّاً بأهلِ العلمِ دونَ نفارِ
قدْ يشفعُ العلمُ الشريفُ لأهلهِ ويُحِلُّ مبغِضَهُمْ بدارِ بوارِ
هلْ يستوي العلماءُ والجهّالُ في فضلٍ أم الظلماءُ كالأنوارِ
إن إمكانية حل هذا القضية من أساسها يسيرة لا تحتاج إلى تعقيد سياسي؛ لأن هؤلاء الكتبة أصحاب مآرب، وأرباب شهوات، وطلاّب مناصب، وعاشقو ثراء، ومثل هذه النوعية (العظمية) لا يزال خيال العظم يطارد أحلامها ويفترس هدوءها حتى تجده واقعاً حياً تنشغل به أفواهها النجسة...!
إن هؤلاء الكتبة من الصحفيين المتهجّمين على العلماء؛ أهل عناد وتكذيب وتأبٍّ على الحق ونفور ممن يريد هدايتهم وإشعال فتيل قلوبهم بنور الإيمان، ولو كان الحق شمساً لرضي هؤلاء المنكوبون بالعمى يلجؤون إليه هرباً من النور ورحمة النور، وتلك بلية إذا أصابت العقل لم ينتج منها إلاّ معان مظلمة تتحيف النور من أطراف المعمورة.
وإن مصيبتهم العظيمة لم تأتهم من جهة العقل الصريح؛ لأن العقل نور يأبى أن يرسف في الأغلال، وإنما أتتهم من جهة أخلاقهم؛ فهم حين يفكرون في الحياة ويتأملون الواقع ويقرؤون المستقبل وينقدون الأفكار، إنما يفعلون ذلك وهم قد سلخوا جلد الحياء، وهتكوا حرم الصدق، وعبثوا بشرف الرجولة، وأرغموا أنف الكرامة ولطّخوا رداء الحشمة.. فإذا جاءت رؤاهم تتهادى بين السطور نافرة من الصدور؛ رأيت فيها سمادير المخمورين، ومرة المجانين، وزيف الدجّالين، وشعبذة المحتالين، ولم تجد فيها أفكاراً تصحح المسار أو تنشر النور أو تدعم العلم، ولم تجد على الحقيقة إلاّ صورة (البار) يجتمع فيه السابلة ممن لفظتهم الحياة، وبصقت في وجوههم الطرقات، ونفتهم المدينة الصالحة؛ ليصبوا جام غضبهم على المجتمعات التي نفرتهم؛ فهل يقبل من هؤلاء قول ينطقون به أو نقد يتبجحون به؟
إن هؤلاء الكتبة الخنانيص؛ كأوراق الجريدة، وحروفها، ودعايتها، استعمال لمرة واحدة، ثم مصيرها إلى أقرب حاوية نفايات، وأغلاط هي الصواب في نصر الحقيقة، واستلاب للمال على حساب العقل والحياة...!
فيهمُ لُكنةُ النَّبيط و لكنْ تحتها جاهليَّةُ الأعرابِ
ليس فيهم مُدافعٌ عن حريمٍ لا ولا قائمٌ بصدر كتابِ
خيرُ ما فيهُم ولا خيرَ فيهم أنهم غيرُ آثمي المُغتابِ
ويبدو أن صحفياً من إخوانهم كان على عهد المأمون في مجلسه، فتكلم بكلام فيه رائحة الموتى فهذر ثم انتبه فقال: أأسكتُ يا أمير المؤمنين؟ فقال له المأمون: وهل تكلمت؟
ولو أننا نجد عندهم فكراً جديداً -ولو كان منحرفاً- لقدّرنا لهم ذكاءهم؛ إذ لم نقدر لهم صلاحهم، ولكنهم علم الله لا يخرجون عن نطاق النبّاشين يدسون آنافهم في القبور يستلهمون ديدانها وصديدها وعفنها؛ أفكاراً طواها الزمن فيما طوى، فذهب أهلها وفنيت صفحات أعمارهم، وخلّفوا كتباً تغيب عن ضجة الحياة سنين، ثم تعود بفعل هؤلاء النبّاشين إلى الحياة... خلّفوها مثقلة بخطاياهم، وحملوا المعاني والأوزار في قلب الأرض يحاسبون عليها، ولهم يوم يقوم الأشهاد موقف عند الله تطير منه العقول..!
حين يلقى إلهَهُ لمْ يَلدْهُ ذُو صلاح ولمْ يَلِدْ ذا صلاحِ
لا أباً مؤْمِناً يُعَدُّ ولا ابْناً مُؤْمِناً خابَ قِدْحُه في القداحِ
أي والله يا سادة يا كرام ما قرأت لواحد منهم إلاّ رأيت بياض الكفن يلوح من بين سطوره ورائحة الكفور تنفجر من سواد حبره، وعفن الصديد يفوح من زاويته..! ثم يزعم هذا النبّاش أنه أبو عذرة الأفكار، وعماد البناة المخلصين، والمبتلى بصلف المتشددين؛ فيهرع إليه كل مغموص في دينه، متهم في نواياه؛ مناصرة أو محامقة.. وما عرفوا الشيء الملفّف في البجاد!
وما للْحَيِّ في أكْفان مَوْتٍ لبوسٌ بعدما امتلأتْ صديدا
هذا أنا باسط يدي أريد فكرة واحدة عليها طابع صاحبها وتاريخ عصرنا وروح مجتمعنا، وطبيعة بيئتنا، وأنا كفيل بأن أعلن توبتي أمام الناس أجمعين، وأنفض عن سجادة قلبي غبار الجمود المزعوم لأعود أكثر تحرراً وديمقراطية، وإلاّ فدعوا لنا ديننا لكم الويل وانغمسوا في أكفان الأموات، واتركوا شيخنا عبد الرحمن البراك يعمل في الحياة عمل الإسلام في تطهير القلوب من أدرانها، والعقول من شبهاتها، والصدور من أضغانها، والمجتمعات من أمراضها ..
هذا الشيخ العلم؛ رجل زكيّ نقيّ خفيّ، رفعه علمه الراسخ، وعبادته المخبتة، ونفسه الراضية، وزهده الصادق؛ عن أن يضع رجله حيث يضع الكثيرون جباههم! إنه من جيل أكثر ما فيهم؛ المعاني النبيلة، والروح السامية، فهم لذلك لا يقعون من الحياة إلاّ موقع النسيم العليل في الليلة الحالمة؛ يرشقون الدنيا بنفحات تتنفس منها نعيم الآخرة..!
أيها القرّاء الكرام وقلمي يتطوّح بين الأسطر وينفذ إلى آخرها أقول لكم ولنفسي ما قال الله لنبيه: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) هذه الآية التي تأخذ بمجامع القلوب، وتهزها هزاً قوياً يساقط رطبها ويلفتها إلى عزتها ومكامن القوة فيها، ويوقظ سراج العقل في ظلمات الطريق الطويلة الملتوية الشائكة المليئة بالآفات والأشواق والآهات. هذه الآية ختام مطابق لبدء كان النصر عنوانه (.. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) ينمّ عن تناسق عجيب واطّراد مكثف يفتح الذهن على آفاق من المعرفة تقود إلى التمكين والنصر في النفس والواقع والحياة، وإن مفتاح ذلك كله؛ الصبر، إنه وسيلة عباد الله الطاهرين المتقين في هذه الحياة المضطربة المعقدة، والصبر نتاج الثقة بموعود الله الذي لا يتخلف وإن امتد به الزمن، وتطاولت عليه الأحقاب، وضجّت من تهاديه القلوب.. والصبر يولد الثبات الصارم الذي لا يتزعزع، ولا يلين، ولا يتراخى، ولا يلتفت إلى وسوسات الموسوسين، ولا نفثات الشياطين، ولا تخرّصات المتهوكين ويمد الروح بالقوة؛ تؤدي بها الواجبات وتستعلن بها على الوجود الممانع، ومهما طوّحت الأوهام في بيداء الحياة، وتوارت الأماني وراء الغمام؛ فإن في سطوة الصبر ما يفجّ الظلام، وينشر الضوء.