الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين -.
أما بعد..
فإن محنة العراق محنة -نسأل الله أن يعجَّل بفرجها- تدمي القلب وتسيل الدمع فمن ذا الذي يرى عراق الإسلام وهو خامد تحت الحصار الأمريكي البشع الذي يشبه سياسة فرعون مع بني إسرائيل ، قال تعالى : ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيء نساءهم إنه كان من المفسدين ) ثم طرح هذه السياسة بعد البعثة النبوية لموسى – عليه الصلاة والسلام – قال تعالى : ( وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيء نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ).
وقال تعالى : ( فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال ).
ولكن الفرق أن أهل العراق قد اجتمع عليهم بلاء الغرب وبلاء صدام، فاللهم كن لهم وأعنهم وخذ بأيديهم واجعل لهم من أمرهم فرجاً.
المسلمون من أهل العراق هم إخواننا وأحبتنا وهل ننسى بلاد أصدرت لنا شريعة محمد – صلى الله عليه وسلم – وحافظت عليها، فمن ذا الذي يستطيع أن ينسى مدارس الكوفة ووعظ البصري حسن وأئمة الدين في بغداد، إلا قلباً قد قسى حتى بلغ من قساوته أن نفر جسد منه، فلذلك وتعلقنا بالعراق نعلق الوليد بأمه والعاشق بمعشوقه وأيم الحق إننا لنتطلع إلى رؤية العراق وأهله؛ لنرى تراث المسلمين وعلمهم ومخطوطاتهم، ولكن لا نملك إلا أن نقول كما أمر ربنا ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ).
فلقد جثم على العراق كابوس الظلم والطغيان منذ أكثر من ثلاثين سنة، ولا نملك إلا أن نعيد ذكر قول ابن الأثير في تاريخه: لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها كارهاً لذكرها فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً فنقول : عمَّت الخلائق وخصت المسلمين، فلو قال قائل : إن العالم منذ أن خلق الله – سبحانه وتعالى – آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً؛ فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها .
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بخت نصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس، وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس، وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل، ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يأجوج ومأجوج.
وأما الدجال فإنه يبقى على من اتبعه ويهلك من خالفه، وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، شقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وأنا أقول آه ثم آه لو رأى ابن الأثير فعل الأمريكان بإخواننا في العراق، لبكى الدم محل الدمع، فإن القتلى أكثر من ألف ألف، والمرضى فوق الحصر، أما الجوعى فهو الكل فلا نقول إلا ما أمرنا به إنا لله وإنا إليه راجعون .
وأقول لإخوتي أهل العراق ما قاله الشيخ سلمان العودة لأهل الكويت عام 1411هـ وقد عدلت في الأبيات : | أهل العراق وأبنـاء العمومات | |
هل تشكون جرحاً فلا نشكو له ألما |
إذا حزنتـم حزنا في القلـوب لكم | |
كالأم تحمـــــــل من ابنهـا سقمـا |
وكم نظرنـا بكـــم نعما يجسمهـا | |
بنا الــسرور فكانت عندنــا نعما |
صبراً على الأقدار إن حلت مصائبها | |
إن المصائـب مـما يوقظ الأمما |
إذا المقاتل من أخــلاقهـم سلمت | |
فكل شـــيء على آثارها سلمــا |
يا أهل العراق اعلموا أن الله – تعالى – يبتلي العبد حتى يمشي على وجه الأرض وليس على ظهره خطيئة، والضابط لذلك هو الصبر والفضل فيه الرضا واعلموا أن الأيام دول يداولها الرب بين الناس، فيوم بؤس ويوم نعم، ومن لم يذكر إلا البأساء فقد أساء الظن بالرب – جل في علاه -
فالواجب تعداد النعم ليكون لها الشكر ثم تزداد " لئن شكرتم لأزيدنكم" وتذكروا حصار الكفار للحبيب في الشعب ثلاث سنين، حتى أكلوا أوراق الشجر وجلود النعم من الجوع ثم أبدل الله البأساء نعماء سادت الدنيا بأسرها، وما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
فلا بد من ملازمة الاستغفار ومراجعة الحال في التقصير في جانب الوهاب القهار.(وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ).
يا أهل العراق:
الحديث حديث تصبُّر وتوجّع وتأمل لطريق الأمل وفعل لأسباب الفرج والنصر وذاك لا يكون إلا بجهد أهل العراق ومناصرة إخوانهم لهم، فعلى أهل العراق أن يحصنوا أنفسهم بالإيمان الحق والتأصيل الجاد للحياة المستقبلية وتنشئة الأجيال على الطريقة المحمدية، وفتح باب الأمل والفأل لهم فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يعجبه الفأل وأن النفوس لملأى بالفأل والمستقبل المشرق .
يا أمة الإسلام:
أهل العراق ضحية لتآمر الصليب مع البعث والكفر ملة واحدة، والقاعدة في الكفار أنهم لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء) والمحادة لله في اتخاذ الكافرين أولياء فلا بد من معرفة حقد الكافرين على أمة الإسلام ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ).
قال ابن كثير " لا تتخذن بطانة من دونكم " أي من غيركم من أهل الأديان وبطانة الرجل هم خاصة أهله ".
ويطرد ذلك على المخالطة مع القناعة سيما مع سهولة الاتصال الفضائي والمعلوماتي اليوم والغرر بكثير من آراء الكافر، فالواجب على المسلمين التحصن بحب أهل الإيمان وبغض أهل الكفر، وفي الحديث ( أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ). وفي لفظ (سأل أبو ذر –رضي الله عنه-رسول الله – صلى الله عليه وسلم –عن أوثق عرى الإيمان فقال الرسول – صلى الله عليه وسلم- ( الموالاة في الله والحب في الله والبغض في الله ).
وواجب الموالاة المناصرة في كل وقت وحين، والمؤمن كيس فطن يعرف كيف ينصر أولياءه ويحارب أعداءه، مراعياً في ذلك الحكمة والمصالح والمفاسد الشرعية الحقة ووحدة الصف وعدم تمكين العدو من الأمة .
يا أمة الإسلام:
أهل العراق اليوم هم درع من دروع الإسلام وهم قوة لا يستهان بها وقد عرف قدرها العدو فسعى في تحطيم جميع أنواع قوته الحسية والمعنوية فدمر الفكر بالبعث ودمر علوم الأسلحة بالحصار ودمر القوة البدنية بسياسة التجويع، ولكن في الله الخلف وهو الذي أحيا العراق بعد اجتياح التتار قادر على أن يحييه بعد اجتياح أمريكا وعلى أهل الإسلام مد جسور التعاون بينهم وبين شعب العراق الأبي بإظهار الحب والمناصحة والتعاون الوثيق في جميع المجالات .
يا تجار المسلمين:
ها هو العراق يفتح أبوابه أمام أموالكم، فاستثمروا أموالكم بين إخوانكم فإن أهل العراق قد منع العجم عنهم القفيز والدرهم، فكونوا طلائع الجند في فتح جديد على أمة الإسلام ولعلكم تكونون نواة لحديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه مسلم ( يوشك أهل العراق أن لا يجبى لهم قفيز ولا درهم، قلنا : من أين ذاك؟ قال : من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي، قلنا: من أين ذاك ؟ قال: من الروم، ثم سكت هنيهة ثم قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عدداً قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : لا .
فمن أسس لهذه البشرى كان له خيري الدنيا والآخرة.
يا علماء المسلمين:
إن أهل العراق يتطلعون إلى وقفة علمية جادة تؤصل منهجهم وتنير طريقهم، إن حقاً لأهل العراق عليكم أن تولوهم عنايتكم الخاصة بفتح صدوركم لهم وقد يسر الله سبل اللقاء عن طريق القنوات الفضائية والشبكة الإلكترونية، فسارعوا في بذل العلم لهم والحفاظ على هويتهم الإسلامية، فقد نصب لهم العدو الشراك والله الله في تبيين الموقف الشرعي الحق من غزوهم والاعتداء عليهم.
يا دعاة الإسلام:
أين العراق من طرحكم وأين العراق من محاضرتكم لماذا ننسى تاريخه المشرق ومستقبله الواعد بإذن الله؟ أنسيتم مدارس الكوفة والبصرة؟ أنسيتم أحمد والخطيب وابن الجوزي؟ فحق لأهل العراق عليكم أن تناصروا قضيتهم وأن تبصروا الجموع بحقهم وأن تكونوا عوناً لهم ومثبتاً في محنتهم .
يا كتَّاب الإسلام:
يا أهل الصحافة والكتابة! إن الواجب عليكم الصدق في القلم وألاّ تحكم الظروف السياسية أحبار أقلامكم، فاكتبوا نصرة لأهل العراق لا لنظامه، نصرة للإسلام لا للبعث وحراسه، نصرة للتوحيد وحماته. (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين).
وهنيئاً لمن كان قلمه شاهداً له لا عليه، وأن أهل العراق في أمس الحاجة لتحليلكم المتقد للأحداث ومجرياتها والساعة ومعطياتها، فابذلوا النصح لهم وقفوا معهم في محنتهم .
وبعد فهذه أسطر في نصرة أهل العراق أحتسبها عند الله لا نصرة للنظام، فإني كافر بالبعث وأعوانه وحراسه والنظام الخادم له، أسطر وإن لم تف أهل العراق حقهم، فلعلها أن تسد رمق البعض منهم وأن تفتح الطريق أمام الأقلام الأقوى والأجدر والله الموفق.