الرئيسة » مقالات » أصداء سياسية
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
تطلّعات الشعب السعودي في يومه الوطني
تطلّعات الشعب السعودي في يومه الوطني
الثلاثاء 6 ذو القعدة 1429 الموافق 04 نوفمبر 2008
 
تطلّعات الشعب السعودي في يومه الوطني

مهنا الحبيل

مرّت علينا احتفالات اليوم الوطني السعودي، والذي صادف الثلاثاء الأخير من رمضان هذا العام 1429 للهجرة، ورغِبت الجهات الرسمية في إحياء هذه الذكرى في وقت مناسب لتنشيطها في ذاكرة أبنائنا وبناتنا بعد بدء العام الدراسي، وهي ذِكرى ستبقى عزيزة في خصوصية إنشاء الدولة وتوحيدها لأقطار عربية في معقلها الجزيري، وضم شعوبها في عقد وطني موحّد نشأ في زمن كانت حركة التجزئة الاستعمارية للوطن العربي في أوجها، وقد كان ضعف القدرة العربية مشجعاً لها لزيادة فرقتها وشتاتها، وهو ما عمل الملك المؤسس -رحمه الله- له في اتجاه معاكس لأطماع الاستعمار، فوحّد هذه البلدان؛ عربية القومية إسلامية الشعار. ومن أوائل ما يعتبر مقياساً راشداً لدى الدول المتقدمة في وعيها الإنساني وإخلاصها الوطني، أن تتحول هذه الذكرى -إضافة إلى الاحتفاء- إلى حلقات نقاش وحوار راقية تقيّم وتنقد الحالة الوطنية برؤية موضوعية يشترك فيها المواطن من خلال استطلاع الرأي العام، ومن خلال الجدل الحي اليقظ الذي تديره النخبة المثقفة المسؤولة والوطنية، وليست المُداهِنة أو المتسولة لأجل مصالحها الشخصية ورغباتها النفعية فئوياً أو فردياً. ولذا فعلينا أن نمارس هذه الروح الوطنية وفق هذا المنظور، وهي منهجية تُفهم الرأي العام وجيلنا الصاعد من الشباب والفتيان من الجنسين بأنّ هذا وطنكم وعليه فاستمعوا وأسمعوا خواطركم، وهي رسالة بلّغها المليك مراراً، ولكنها لم تُتبنَّ مع الأسف على الصعيد الحكومي والإعلامي. إن أول نجاحات التقدم الوطني أن يستشعر أفراده وأبناؤه بأنهم شُركاء في العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، ولذا فإن من أوائل هذا الطرح بل الأساس أن تُنظَّم هذه العلاقة على أساس دستوري يُرتب الحقوق والواجبات كواجهة انطلاق، تتحقق فيها للمواطن نوافذ عديدة تُجسِّد المشاركة الشعبية والتعبير الحر الراشد من خلال رعاية هذه الثقافة وخاصة في جوانبها الحقوقية. ولقد ذَكرتُ مُشيداً في معرض دراسة كتبتها لمركز أبحاث الخليج في دبي عن أهمية صدور نظام القضاء السعودي والذي سيسري قريباً، ودوره في اختصار المسافة إلى تدوين الدستور الإسلامي، وتكريس المنهج الدستوري للدولة، ومن خلال إعلان نظام القضاء يتبين لكل الأوساط الوطنية حقيقة تاريخية وتشريعية إسلامية وضرورة وطنية، مفادها أن الشريعة الإسلامية الغرّاء وتطبيقها لا يعني منع اللجوء للتقنين بل وتكريس الوسائل المدنية لتحقيق أسس العدالة لأبناء الشعب بين بعضهم البعض، ثم بينهم وبين رعاتهم. ولذا فنحن نرجو أن يكون تطبيق نظام القضاء الجديد مقدمة مُفعّلة بحيوية لإيجاد أجواء هذه المفاهيم للحريات المنضبطة والمشاركة الشعبية، وهذه الرسالة الخالدة -وخاصة من خلال البناء الحقوقي للعهد الإسلامي الراشد- أعطت حركة الثقافة وتاريخ التشريع الإسلامي مرجعاً خصباً لتحقيق التقدم المدني النهضوي والحقوقي تحت أحكام الشريعة الغراء. وتزامن هذا التطبيق مع خطوة مهمة تمثلت في قرار إحالة المتهمين بأعمال العنف والارتباط بجهات خارجية غير مشروعة للقضاء مؤخراً، وهو بعد يُؤخذ ويُقاس وفقاً لهذه الرؤية التي تفتخر بها الدول المُتقدمة، وهي الجانب الحقوقي للمتهم وليس الجانب الانتقامي، ولكن العقابي حين تثبت التهمة ويستحق العقاب لحماية المجتمع، فالأصل المعروف شرعاً وفي الأنظمة الوضعية وعُرفاً، هو "أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، يُكرّس هذا المفهوم ويحميه حقوقياً، وتنجو به الدول وتحمي بناءها واستقرارها الوطني، حين يصدر القرار بعد استكمال دوائره الحقوقية القانونية، ومن باب أولى أن تسع هذه الفلسفة الحقوقية المُتهمين في تعبيرهم الفكري أو السياسي السلمي وإعطائهم كل الضمانات الحقوقية أو إطلاق سراحهم. وهي برنامج إجرائي وأفق وطني يُحقق الاستقرار الوطني، ويدعم مسيرة الدولة وبناءها النهضوي الذي نصبوا له مخلصين لأجل هذا الوطن العزيز، وهي لُغة تكامل راقية بين الحاكم والمحكوم تُكرِّس هذا الفضاء الحقوقي، وتدمج الشعب أكثر في رصّ بنائه ووحدته، ويعطيه قوة مناعة من التطورات الإستراتيجية الكُبرى حوله، والتي ليست بعيدة عنا، ونحن ساحل هذا الخليج الملتهب التي تتزايد الأطماع فيه والصراعات عليه.

طموحنا الاقتصادي


والباب الآخر المُهم وهو يحمل الضفة الأخرى من همّنا وطموحنا الوطني ربما يعكسه ذلك التلقف الكبير الذي تعامل معه الشعب في الخبر الذي أشيع ولم يتأكد ـ بعد بحسب علمي ـ عن الزيادة المُستحقة في مكافآت الطلاب، إنها مؤشر لحجم تطلع المواطن وما يعيشه من وضع اقتصادي صعب ومأساوي لشرائح عديدة، وإنّ زيادة دخل الفرد إنما تحتاج لمعالجة جذرية في الدخل الشهري، أو المؤسسات الرديفة والضرائب التي يدفعها لأجل الخدمات المتنوعة، وهي حاجيات ضرورية كالكهرباء والماء، فلعلها لحظة مراجعة تنطلق فيها المسيرة الوطنية لتنتهج تغييراً رئيسياً لدخل المواطن ومعيشته.

مؤسسات بناء الدولة الحديثة


وقبل أيام لاحظت تصريحاً مهما ولافتاً للأمير منصور بن متعب (نائب وزير الشؤون البلدية)، ذكر فيه بأنّ الوزارة تعمل على استقدام خِبرات لمعالجة جوانب القصور في المجالس البلدية ومقترحات لمعالجة تعثراتها، وهو تسجيل صريح مشكور للواقع الذي استيقظ عليه الناس من أنّ المجالس البلدية لم تُحقق شيئاً، ومن أهم الأسباب المعيقة حرمانها من الصلاحيات المطلوبة، وهي خطوة مركزية لأي دولة في بنائها الوطني، مجالس بلدية منتخبة بالكامل وصلاحيات تناسب مهامها في الميدان التنموي. إنّ هذا السياق يدفعنا إلى تساؤل بدهي عن تجربة مجلس الشورى وما الذي قدم للمواطن، وخاصة أنّ الدولة قد أعلنت أن الوصول إلى مرحلة الانتخاب قضية مطروحة وراجحة، وبنفس المقياس الذي افتُقد في المجالس البلدية يتأكد في مجلس الشورى باعتبارين رئيسين: الأول: وصول الوطن لمرحلة المشاركة الشعبية التي تُحقق التقدم والتفاعل الإيجابي على أرض التنمية واستقراراً ضرورياً للضمير الوطني. والثاني: منح الصلاحيات للنخبة التي يختارها المواطنون في بلد أثبت أن لديه كنوزاً من الثروة البشرية والمواهب الإبداعية، فتُردَم فجوات من التراجع والخسائر حين يبدأ ممثلو السلطة التشريعية وفقاً لمنهاج التشريع الإسلامي الخالد بوضع مشاريعهم لأجل البناء والتنمية. ولعل البعض يتساءل عن الخطوات الأولية للوصول إلى هذه المرحلة، ومن حق الجميع أن يستمهل المسيرة على الرغم من قناعتي بمستوى الوعي الوطني واستثماره في هذا المضمار الدستوري التنموي، لكن التدرج الواثق والفعّال في إنجازه وبرنامجه الزمني ليس خطأً، لكن المُهم أن نعيشه بالفعل في وطننا الحبيب، ثقافة في التعبير عن همّنا الوطني، وليس عن همّ الأجنبي وملاحظاته علينا وفقاً لمصالحه وثقافته، ولذا فينبغي أن تُفتح الأبواب وتُعزّز الجسور والحريات الراشدة، للوصول إلى التوافق الوطني لتحقيق رؤية هذا الشعب وطموحه الوطني. دعاؤنا المخلص أن يحفظ الله الوطن، ويحمله إلى مصاف التقدم الحقوقي تحت رايته العربية الإسلامية المجيدة.


إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم