انتكاسات

انتكاسات
صلاح شطا
 

في صبيحة السادس من أبريل عام 1985 تلا الفريق عبد الرحمن سوار الذهب- أطال الله عمره بالخير- البيان الأول لانقلاب أبيض على الحكم السوداني بمباركة الغالبية العظمى من أبناء السودان، ومن أهم ما تلاه الرئيس السوداني السابق "الاستيلاء على السلطة ونقلها للشعب عبر فترة انتقالية محددة".

ولمن يحب أن يراجع تفاصيل ثورة السودان فعليه أن يراجع شهادة الرجل مع الإعلامي أحمد منصور على قناة الجزيرة في برنامجه الرائع «بلا حدود»، أما ما حدث في مصر من انقلاب أسود لا يستند إلى إجماع شعبي ولا أسباب واقعية تبرره– مع وجود مشكلات قابلة للحل- ولا حتى إعطاء النظام فرصة كالسنوات الستة عشر التي منحها الشعب للرئيس جعفر نميري، والنقطة الأخطر هي عدم تحديد الانقلاب الأسود على يد الفريق السيسي ورفاقه لمدة الفترة الانتقالية وهو ما جعل حتى بعض المؤيدين للانقلاب وبعد هدوء ثورة الانفعالات قليلاً جعلهم يساورهم الشك في وفاء العسكر بوعودهم، بالذات وأنَّ لنا في مصر خبرة 60 سنة سوداء.

والحقيقة أن حجم الشائعات الهائل كل ساعة يجعل الحليم حيران، وهو تخطيط مخابراتي عالي لإلهاء الرأي العام وتضليله مع أو ضد وذلك حسب رغبة مطلقى تلك الشائعات، وهو الأسلوب الذي ساهم كثيرًا في رفع حالة الحنق والغضب ضد الرئيس الشرعي لمصر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وللحق نجحت كل الجهات الداخلية والخارجية في إخراج سيناريو متقن حققوا به هدفهم الأوحد وهو بوضوح لكلِّ ذي بصيرة إقصاء نموذج الحكم الإسلامي الوسطي وإظهار فشله للجميع، ولكن يبدو أنَّ الأمور وبعد أقل من 48 ساعة لن تسير على مثل ما يهوى السيسي وشركاه. فالغطرسة التي مارسها النظام العسكري القمعي خلال دقائق من الانتهاء من إعلان بيان الانقلاب العسكري من غلق للقنوات الإسلامية ولا ينبغي أن نطلق عليها الدينية لأنَّ قنوات الديانة المسيحية كلها تعمل على مدار الساعة وتستخدم كل أدواتها للنيل من أي فردٍ أو مظهر أو اتجاه إسلامي بل والسخرية الصريحة منه، واليوتيوب مليء بمثل هذه الإشارات، وكذلك حملة اعتقال المئات من أبناء الأحزاب الإسلامية وأغلبهم من دون إذن نيابة، وإطلاق الرصاص الحي على المعارضين واستشهاد العشرات خلال أقل من 48 ساعة، كل هذا وغيره دون استنكار حقيقي سوى بعض الأصوات الفاترة في الإعلام، بل وتشفي واضح ضد كل ما هو إسلامي وبلحية أو بنقاب وإخوانجي وسلفنجي وووووسلطنجي، على الرغم من أنَّ السادة الإعلاميين متخصصي تهييج الرأي العام ظلوا طوال السنة الماضية يسبون ويلعنون حتى الرئيس الشرعي ويصولون ويجولون دون ردع أو عنف أو استئصال، وبمجرد عرض السيد باسم يوسف على النيابة للاستماع لأقواله في مهزلته الأراجوزية وطبعًا طبطبت النيابة عليه ثم سألته إن كان يحب أن توصله سيارة النيابة بسائقها إلى أي مكان يريده بعدما تسببوا في تعطيل وقته ومصالحه، تسببت هذه الزيارة اللطيفة في حالة هياج عام من أبواق الإعلام الأصفر يتباكون فيه على قسوة التعدي على الحريات، وتحرك السيد البرادعي وأرسل لنا تويتته الحكيمة  بأنَّ هذا النظام فاشي يُجهض الثورة وأن تغييره حتمي.

أعود هنا وأؤكِّد أن هذا الانقلاب العبثي، لم تأتِ الرياح بما تشتهيه سفنه، فبأيدي النظام العسكري ذاته وفي أقل من يومين حصلت له ثلاث انتكاسات تهدد استمراره؛ الانتكاسة الأول استفزازه البشع بتصرفاته الغوغائية لقطاع عريض من نصف الشعب المصري الذي أَجلس الرئيس الشرعي الدكتور مرسي على كرسي الرئاسة، ومن هذا القطاع شرائح يعرف النظام العسكري جيدًا أنها يمكن أن تسبب له صداعًا حقيقيًا قد لا يستطيع السيطرة عليه بالذات في سيناء ومطروح والصعيد. الانتكاسة الثانية أنَّه خسر تعاطف قطاع من أنصار التمرد، وقد لمست هذا مع بعض أصدقائي المتمردين والذين نزلوا ميدان التحرير والاتحادية وشاركوا بحماسة في هذا السيناريو ولكنهم مع هذه المعطيات على أرض الواقع استشعروا أنَّ هناك لعبًا غير نظيف فعودة النائب العام ذاته الذي كان مطلبًا من المطالب الأساسية لثوار 25 يناير على اختلاف أطيافهم، وشائعات عودة الفريق شفيق ومحاولات تجهيزه للدخول في العملية السياسية من جديد واستقباله في المطار استقبال الفاتحين، وكذلك بروز الدور الأساسي للكنيسة والواضح أنَّ فيه التناغم بين البابا وأساقفته وأتباعه على العكس من موقف شيخ الأزهر الذي قوبل بمعارضة قطاع عريض يقدر بالمئات من علماء الأزهر ممثلين في جبهة علماء الأزهر، وهيئة الحقوق والإصلاح ورموز أخرى وهذا لم يحسب الفريق السيسي حسابه جيدًا، أما الانتكاسة الثالثة فهي أنَّ هذا الانقلاب الشرير لم يحظَ بتأييد دولي يشجعه ويثبت أقدامه، وهنا مربط الفرس والذي يأتي ليسبب حالة من الارتباك لدى القائمين على هذا الانقلاب، فبعيدًا عن التهريج الذي يظهره الرئيس الأمريكي من أنَّه قلق وقلقان ومش مبسوط، إلا أنَّه لكل ذي عينين يرَى أنه الراعي الأول لهذا الانقلاب الأسود، وطالعوا حضراتكم ما صرحت به السيدة كرستين أمانبور المتخصصة في الشئون الدولية بوكالة أنباء ABC الأمريكية في هذا المقطع من نشرة أخبار ال ABC بدءًا من الدقيقة السادسة ، وكيف ردَّت السيدة كرستين على سؤال مقدمة النشرة من أنَّ الحاصل في مصر ليس ثورة مطلقة على النظام فكما أنَّ هناك مئات الألوف معارضين فإنَّ هناك أيضًا مئات الألوف مؤيدين!!! وللأسف لم تكن إجابة السيدة كرستين منطقية ولا مبلوعة، ولكي تعلم مدى قوة شبكة ABC في صناعة الرأي الإعلامي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط بالذات ومدَى أهمية السيدة كرستين هناك أيضًا، فإنِّي أذكر حضراتكم بأنها هي نفسها الإعلامية التي أرسلتها وكالتها ABC بمباركة وكالة الاستخبارات الأمريكية لمقابلة الرئيس المخلوع مبارك قبل تنحيه بأيام لمحاولة تلميعه واستعطاف الرأي العام في صالحه كمحاولة من محاولات الساعات الأخيرة لإنعاش النظام القهري الذي أزاله الشعب المصري أجمع، والذي يعود الآن مرفوعًا على أعناق بعض من ذلك الشعب أيضًا !!!

وامتدادًا للانتكاسة الثالثة التي قد تكون سببًا قويًا في وفاة هذا الانقلاب قبل أن يخرج من حضَّانة الولادة، هو عدم اعتراف الحشد الدولي الذي من دونه لن يستطيع هذا المولود اللقيط البقاء على قيد الحياة وبالذات أنَّ اليوم هو الجمعة، وللجمعة بركات كثيرة !!!

خمس أو ستّ دول فقط مؤيدة حتى الآن هي صدمة كبيرة للفريق السيسي وشركاؤه في هذا الانقلاب الأسود، وكذلك تهديد الاتحاد الإفريقي بتعليق عضوية مصر، وضغط الاتحاد الأوروبي، وطلب مندوب الأمم المتحدة مقابلة الرئيس غير الشرعي اليوم هو مبعث قلق أيضًا لدى شركاء عملية الولادة الغير نظيفة، وما أعلنه المتحدث الرسمي باسم ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا العظمى من أن بريطانيا لا تقبل هذا الانقلاب على المسار الديمقراطي الرسمي، والذي يمكنكم متابعة الفيديو على الرابط التالي بجريدة "التليجراف اللندنية  ".

أرى أنَّ الانتكاسات الثلاثة ذات أهمية، ولكن أكثرها أهمية هما الأولى والثانية والذي أتوقع أنه قد ينقلب السحر على الساحر ونرى اليوم أو خلال الأيام القليلة القادمة الرئيس الشرعي د مُرسي يطل علينا عبر شاشات التلفاز ليلقي خطاب العودة والقبض على رءوس الفتنة الانقلابية السوداء وأنهم يحاكمون الآن بحضور النائب العام الذي ليس هو عبد المجيد محمود! تمامًا كما حدث في فنزويلا في أبريل عام 2002 حيث دعمت أمريكا أيضًا انقلابًا عسكريًا غير شرعي لمحاولة الاستفادة من بترول فنزويلا ووقف اعتمادها على بترول الشرق الأوسط المكلف والبعيد جغرافيًا، إلاَّ أنّ الضغط الشعبي المؤازر للزعيم الاشتراكي شافيز أبطل هذا الانقلاب وعاد برئيسه المحبوب إلى سدة الحكم من جديد بعدما أزاح الرئيس المؤقت غير الشرعي قبل مرور 48 ساعة ولعله كان في يوم جمعة أيضًا– بشرى خير إن شاء الله- وللعلم فهناك حوالي سبعة محاولات فاشلة للانقلابات العسكرية خلال الثلاثة عقود الأخيرة، وفي هذا تشجيع لتكرار إفشال الانقلاب الأسود في مصر، ولم لا وهذه الانتكاسات وغيرها قد تكون دافعًا قويًا لذلك اليوم أو غدًا أو بعد غد، وإن غدًا لناظره قريب.

السؤال المحير والذي لا أجد له حتى الآن إجابة شافية على الرغم من الاحتمالات الكثيرة، هو إذا كان معارضي الرئيس الشرعي على ثقة في هذا الحشد والتعاون الشعبي، وأضف لها ما اتضح لاحقًا وهو الدعم اللامحدود من قيادة القوات المسلحة التي اختصتهم في التحرير والاتحادية دونما ميادين الموالاة في رابعة والجامعة بطلعات التصوير من طائرات الهليكوبتر الحربية، وهي نفس الطائرات التي كانت تسقط أعلام مصر على متظاهري الاتحادية والتحرير دونًا عن رابعة والجامعة الذي يتظاهر فيهما مئات الألوف من أولاد البطة السوداء، وهذه كانت إشارة تواطؤ استباقية، كتلك الإشارات التي أرسلتها الشرطة حين وزع ضباطها زجاجات المياه الباردة على معتصمي التحرير والاتحادية مقابل أن يرفعوهم على الأعناق ناسين أو متناسين أن هؤلاء أنفسهم منهم من قتل أشقاءهم في الميدان إبان الثورة المباركة الحقيقية في يناير 2011 وللأسف لم يلقوا جزاءهم إلى الآن.... أعود فأكرر السؤال المحير: لماذا لم تصبر المعارضة التي تتمتع بهذه الحشود لمدة بضع أسابيع وتفوز بأغلبية مجلس النواب وتشكل الحكومة التي تُسير بها البلد كيفما يحلو لها؟ بل وتسحب الثقة من الرئيس إن أرادت حسبما ينصّ الدستور الذي انقلبوا عليه.... ولكن الذي يمكن أن يكون إجابة حقيقية وليست هُراء كما تدعي أطراف التمرد هو احتمالية نجاح فريق الرئاسة الشرعي في الإسراع بتشغيل مشروع محور قناة السويس، وهو المشروع الحلم لمصر والذي سيتسبب حال تنفيذه برؤية موسعة حديثة كالتي تبناها الرئيس الشرعي لمصر وفريق عمله، وكان هذا واضحًا في مداخلة الهارب شفيق مع الأستاذ الإبراشي على قناة دريم يوم الأول من يوليو الجاري من "أننا عاوزين نلحق نوقف توقيع عقود محور قناة السويس"، ولست هنا في مقام الحديث عن رأي الخبراء المحليين والأجانب مثل مهاتير محمد باني نهضة ماليزيا والذي قال إنَّ مشروع كهذا يقوم على تنمية مدن القناة الثلاثة غرب القناة، وتنمية سيناء شرق القناة يجعل من مصر محورًا للتجارة في العالم، ناهيك عن وادي التكنولوجيا ومشاريع السياحة المتوقع بناؤها على جانب مشروع القرن هذا.

لا يمكن هنا أن أنهي المقال دونما أشير إلى الموقف البطولي لفخامة الرئيس محمد مرسي وثباته على مبدئه وعدم انصياعه للضغوط والتهديدات التي مارستها عليه أطراف عدة في الأيام الأخيرة لقبوله بفكرة التنحي أو الاستقالة أو حتى أن يكون مجرد رمز لحكومة هو ليس طرفًا في اختيارها أو تسييرها.... الرجل طالب شهادة وهذا ما لا يدركه السيسي ولا رفاقه فإمَّا أن يحافظ أمام الله على الأمانة التي استودعه إياها غالبية الشعب، وإما أن يموت مرفوع الهامة... هكذا يكون العظماء والزعماء الذين لا ينساهم التاريخ، أما غيرهم فيتذكرهم التاريخ بقدر ما يستخدم من مناديل لأغراض النظافة حتى إذا فرغت علبة المناديل أُلقى بالعلبة الفارغة مع مناديلها في سلة الزبالة ومنها للحرق في مرمى النفايات.

اللهم هذا يوم الجمعة، وفيه ساعة إجابة... اللهم من أراد مصر بخير فوفقه لكل خير، وألهمه رشده، وشد من أزره، وافتح عليه من عندك بما فيه خير البلاد والعباد.. ومن أرادها بسوء فاجعل الدائرة عليه تدور واشغله بنفسه ولا ترفع له راية.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف

   

التعليقات

  1. 1 - ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,, ًصباحا 12:14:00 2013/07/09

    إنه ليجب على إخوان مصر، الرجوع إلى أنفسهم، وما ذا أحدثوا بعد؟؟ بعد أن مكنهم الله، فما أخذ أحد إلا بذنب ، وعند المعرفة يجيب الاسراع في التوبة لاصلاح مافسد , وألا ينشغلوا كثيرا بغير السبب الحقيقي!! إن القرارات التي دون تثبت ، وتقوى من الله ، وما جرت من مفسدة وإن كان دون علمهم بها يؤاخذون، قال الله سبحانه وتعالى(( أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم))الاية ومن يعمل؟؟ إلا أنه يخيل لي إن دعم الاقتتال في الشام، دون مراعات لما جر على المسلمين من قتل وتشريد، عمل به قد نصاب بالمعرة، والله أعلم.

  2. 2 - أمة الرحمن ًصباحا 08:24:00 2013/07/10

    ردا على تعليق الأخ الذي علق: اسمها دعم أو مُناصرة ثورة إخواننا المظلومين في الشام وليس دعم الإقتتال !! يجب عليك أن تُوصِف الحقيقة بشكلها الصحيح فنًصرة سوريا واجب على كل مسلم بالشكل الذي يستطيعه !