آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

على ضفاف الديمقراطية الأمريكية

الجمعة 11 صفر 1438 الموافق 11 نوفمبر 2016
على ضفاف الديمقراطية الأمريكية
 

هل الديمقراطية تعكس اختيار الشعب ؟

يالها من مُفارقة ..

عندما كانت جامعة واشنطون بمدينة سانت لويس تُعد العُدة لاستقبال المناظرة الرئاسية الثانية – بين دونالد ترامب وهيلاري كلينتون - قال لي أحد الأصدقاء المبتعثين : أنا أنتظر هذه المناظرة بشغف ، أريد أن أرى الديمقراطية والحُرية بعيني!

في يوم الانتخابات الرئاسية – الثامن من نوفمبر – أرسل لي صديق رسالة نصية مضمونها : انظر إلى الديمقراطية والحرية التي يعيشها هذا الشعب ، يختارُ رئيسه ومستقبله ، لقد وصلوا إلى حالة من التطور لم نصل إلى ربعها!

بعد يوم من المناظرة الرئاسية الأولى بين المرشحين – دونالد ترامب وهيلاري كلينتون – كنا في قاعة الدراسة ننتظر الأستاذة – أستاذة أمريكية متخصصة في العلوم السياسية - لتلقي علينا المحاضرة ، وفي بداية المحاضرة سألتنا : من منكم تابع مناظرة أمس ؟ كان أغلب الطلاب دوليين = غير أمريكيين. الأغلب تقريباً رفع يده. سألها أحد الطلاب ماذا عنك ؟ قالت : لم أتابعها! لقد تابعت مباراة البيسبول!

أمريكا الديمقراطية ... الحُلُم..

هل الديمقراطية تعكس حقاً خيار الشعوب ؟ وبطريقة أخرى : هل الشعب يحكم نفسه بنفسه في ظل النظرية الديمقراطية ؟ ربما أصبح هذا السؤال ملغياً من قواميس الكثير ، لأن الشعارات الديمقراطية أصبحت طاغية إلى الحد الذي يجعل مثل هذا السؤال غير مستساغاً. لكن ومع ذلك دعونا نُجيب

عنه ، وستكون الإجابة اعتماداً على الواقع الديمقراطي الأمريكي المعترف به على الورق والممارس على الواقع ، ولن نخوض فيما يحدث خلف الستار أو تحت الطاولة ..

إما هذا وإما هذا .. لا خيار آخر ..

عندما تتوقف عند السوق لشراء مشروب ، فإنك ستذهب إلى ذلك السوق الذي لدية عشرات الأنواع من العصيرات لتختار منها ما تشاء ، وسيكون ذلك السوق مُحترِماً لخياراتك .. لكن هناك سوق آخر للمشروبات يزعم أنه يعطيك خيارات مفتوحة للاختيار ، إلا أنك تتفاجأ وأنت بداخله بأنك مُقيدٌ بخيارين لا ثالث لهما – المشروب (أ) أو المشروب (ب) – أو فليسعك بيتك! لا بأس من حق هذا البائع أن يفعل ما يشاء لكن ليس من حقه الزعم أنه يوفر ما يريده الآخرون..

الديمقراطية الأمريكية تُمارسُ هذا بالضبط. في أمريكا حزبان رئيسان = الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي. نظرياً يحق لمن هو مستقل – لا ينتمي لأي من هذين الحزبين – أن يرشح نفسه للرئاسة ، لكن عملياً لا يمكن أن يكون الرئيس من خارج هذين الحزبين ، فعبر التاريخ الأمريكي لم يحدث هذا ، بل إن دونالد ترامب ، في عام 2011 صرح بأنه في حال نافس على الرئاسة فإنه سيكون مستقلاً عن كلا الحزبين ، إلا أنه في عام 2016 قرر أن يُنافس كممثل للحزب الجمهوري لأنه عرف حقيقة اللعبة وأنه يستحيل أن يكون هناك رئيس من خارج هذين الحزبين!

أنت غير مؤهل ..

الانتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية انتخابات غير مباشرة ، بمعنى أن هناك مجموعة من الأشخاص ينتخبون بالنيابة عن الشعب! من أين جاء هذا القرار - أعني قرار اعتماد الانتخابات غير المباشرة ؟

آمن الآباء المؤسسون لأمريكا بأن الناس غير مؤهلين لمعرفة الأصلح لهم وبالتالي فالحل توكيل غيرهم ليصوت عنهم! هذه هي الفلسفة التي يجيب بها المؤرخون وعلماء الدستور عن سبب اعتماد التصويت غير المباشر ، ولا يزال العمل على هذا المنوال إلى يومنا هذا! هؤلاء الآباء المؤسسون هم أنفسهم الذين يكتبون ويصرحون أن الإنسان أصبح قادراً على اختيار ما يناسبه ، وأن الكمال

الإنساني قد وصل إلى أعلى مراتبه وبالتالي لا حاجة للوصاية ، لكن عندما نأتي للحقيقة فإن هذه الشعارات والخُطب تختفي وتحلُ محلها الحقيقة كما هي بلا رتوش! ومع هذا فإن بعضنا يرفع الشعارات الديمقراطية ويقدمها في أبهى لبوس ويعتبر هذه الطريقة – الانتخابات غير المباشرة – طريقة جيدة ومحترمة لا غبار عليها ، لكنك إن حدثته عن مكانة أهل الحل والعقد في دولة الشريعة ؛ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.

إما المال وإما العلاقات ..

المال أو العلاقات = الطريق الوحيد الموصل للرئاسة ، مهما كنت فاسداً جاهلاً قبيحاً ، فسوف تنافس إن كنت تملك المال أو العلاقات ، ومتى فقدت أحد هذين الشرطين فإن الطريق إلى الرئاسة سيبقى مُوصداً حتى وإن كنت تُقدم مشروعاً أفضل من منافسيك.

في الانتخابات الأمريكية الأخيرة ، يكاد أن يُطبق الجميع أن الخيار الأفضل للشعب الأمريكي = بيرني ساندرز ، وهو ديمقراطي اشتراكي ، لكنه لم يستطع الفوز على منافسه الآخر في الحزب الديمقراطي = هيلاري كلينتون ، لأن هيلاري حليف بل جزء من الوول ستريت = العصابة الاقتصادية ، وبالتالي كان الفوز حليفها لأنها تملك العلاقات والإعلام ، بينما فشل ساندرز في ذلك مع أنه يُقدم مشروعاً جيداً ولكن بلا مال ولا علاقات. وفي الحزب الجمهوري نجد أن ترامب استطاع أن يتقدم على غيره رغم وقوف الحزب ضده إلا أنه كان يملك المال وبالتالي استطاع أن يثقدم نفسه إعلامياً بشكلٍ لافت.

إذن في الديمقراطية ليس الأصلح للشعب  من يصل ، هذه حقيقة تستطيع أن تقتنع بها تماماً بالتأمل في النظرية الديمقراطية ، أو بالنظر في الممارسة الديمقراطية ، أو يكفيك أن تسأل الشعوب نفسسها من حولك وانظر ماذا يقولون!

المندوبون والمندوبون السوبر :

في المرحلة الأولى للإنتخابات – مرحلة التنافس بداخل الحزب نفسه – نجد أن المصوتين في الحزب الديمقراطي ينقسمون إلى قسمين : 1) delegates 2) superdelegates فيما يتعلق

بالقسم الأول فإن أفراده يختارون الشخص الذي يستحق أن يكون مرشحاً للحزب في السباق الرئاسي ، ويكون اختيارهم هذا – في الغالب – متفقاً مع رغبة المواطنين ، أي أن الديلقيتز يتعهد =pledged  للمنتخبين بأنه سيختار المتسابق الذي يُفضلونه. تبدو الأمور جيدة وعادلة إلى حدٍ ما فيما يتعلق بالقسم الأول ، لكن الأمرو تختلف فيما يتعلق بالقسم الثاني (Super Delegates ) لأن أعضاء السوبر ديليقيتز أحرار فيما يختارون! فهم يختارون من يشاءون وبحسب تفضيلاتهم الشخصية وليس وفقاً لما يطلبه منهم المواطنون ، وتبلغ نسبة السوبر ديليقتز تقريباً 20% بينما الديليقتز العادي يأخذ النسبة الباقية 80%. ولكي يكون العضو سوبر ديليقتز  فإنه يجب أن يكون رئيس سابق أو نائب رئيس سابق أو عضو كونجرس سابق أو غير ذلك من المراتب العليا. الذي يهمنا هنا هو أن 20% ممن يختارون مُمثل الحزب الديمقراطي ، هم أشخاص يختارونه بناء على رغبتهم وميولهم الخاص بلا التفات لرغبة الشعب! ومن هنا فقد حصلت حالات عديدة في السباق الديمقراطي الأخير بين ساندرز وهيلاري ، كانت الكفة تميل لساندرز لكن يتدخل السوبر ديليقتز فتتفوق هيلاري ، والسبب أن هناك لوبيات تقود السوبر ديليقتز ويكون بينها صفقات تخضع لمصالحها الخاصة وليست لمصلحة الشعب.

الفائز بالأغلب يفوز بالكل..

كما هو معلوم ، في الديمقراطية الأمريكية ، إذا حصل المتسابق على أغلب الأصوات في ولاية ما فإن كل أصوات الولاية تُسجل باسمه حتى أصوات أولئك الذين يُفضلون منافسه!

مثلاً ولاية (أ) لديها عشرة ملايين مواطن ، يمثلهم عشرون في المجلس الإنتخابي وولاية (ب) لديها عشرة ملايين مواطن أيضاً يمثلهم عشرون في المجلس الانتخابي.

في الولاية (أ) صوت تسعة ملايين مواطن أي 90% منهم للمتنافس ( زيد ) بينما صوت الباقي = مليون أي بنسبة 10% للمتنافس (عمرو) = النتيجة أن جميع الأصوات تذهب للمتنافس ( زيد) بما فيها أصوات المصوتين للطرف الآخر ( عمرو) = أصوات الولاية (أ) وممثليها 20 صوت ذهبت إلى المتنافس (زيد)

نأتي للولاية (ب) صوت خمسة ملايين ومئة ألف شخص أي بمعدل 51% للمتنافس (عمرو) بينما صوت الباقي = أربعة ملايين وتسعمئة ألف أي بنسبة 49% للمتنافس (زيد). النتيجة أن جميع الأصوات تذهب للمتنافس (عمرو) بما فيها أصوات المصوتين للطرف الآخر والتي تبلغ تقريباً المنتصف = أصوات الولاية (ب) وممثليها 20 صوتاً ذهبت للمتنافس (عمرو)

إذن النتيجة تعادل المتنافسين في التصويت وفق النظام الديمقراطي الأمريكي ، لكن الحقيقة أن أحد المتنافسين – المتنافس زيد - حصل على ثلاثة عشر مليوناً وتسعمئة ألف صوت ، بينما حصل الآخر – عمرو - على ستة ملايين ومئة ألف صوت فقط! ومع هذا فهم متساوون وفق الديمقراطية الأمريكية!

هذا النظام المُسمى (The winner takes it all ) مُطبق في جميع الولايات الأمريكية باستثناء ولايتين ( نبراسكا و ومَين ) وهناك محاولات عديدة في ولايات كثيرة بتغيير هذا النظام وتحويله إلى نظام نبراسكا ومَين والذي يعطي الأصوات بحسب النسبة.

في الإنتخابات الأخيرة بين ترامب وهيلاري كلينتون ، فاز ترامب بالرئاسة مع أن الأخبار تؤكد فوز هيلاري بأغلبية الأصوات ، ولكن بسبب الطريقة المشار إليها آنفاً فاز ترامب ، وقد فاز بهذه الطريقة أربعة رؤساء ، الأول : رذرفورد هايز الرئيس التاسع عشر لأمريكا. الثاني : هاريسون الرئيس الثالث والعشرون لأمريكا. الثالث :بوش الإبن الرئيس الثالث ووالأربعون لأمريكا. الرابع : دونالد ترامب.

هل يثق الشعب الأمريكي في الديمقراطية؟

من العوامل المهمة التي ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند تصور شيءٍ ما ثم الحكم عليه ؛ النظر في مدى تقبله والرضا به لدى الملتصقين به ، والشعب الأمريكي في سؤالنا حول الديمقراطية الأمريكية ، هو الأجدر بالحكم عليها وإعطاء إجابة داعمة على أقل تقدير.

تشير الإحصاءات الحكومية إلى أن ما يقارب النصف من الشعب الأمريكي المؤهل للتصويت = لا يصوت.

في عام 2008 كان عدد المؤهلين للتصويت يقارب 230 مليون ، لكن لم يشارك في التصويت إلا 131 مليون فقط. وفي عام 2012 نقص عدد المصوتين إلى 126 مليون فقط بينما ما يقارب 100 مليون لم يصوتوا!

في الانتخابات الحالية بلغ عدد المؤهلين للتصويت 231 مليون وشارك في التصويت 131 مليون فقط بينما لم يشارك 99 مليون مواطن أمريكي. أي أن معدل 43% من الشعب الامريكي لا يصوت!

ننتقل إلى إحصاءات أخرى تتعلق بنسبة المواطنين المستقلين = غير جمهوريين وغير ديمقراطيين. تُشير الإحصاءات إلى أن ما يقارب من 42% من الأمريكيين = مستقلين. مما يعني أن ما يقارب من نصف الشعب الأمريكي غير منتم لا إلى الجمهوريين ولا إلى الديمقراطيين وكما عرفنا فإن هؤلاء المستقلين مُجبرين على الاختيار بين الحزبين أو الصمت ولا خيار آخر !

من هنا يتضح جيداً أن هناك رفض – صامت – كبير جداً للعملية الديمقراطية الأمريكية ، حيثُ تُعد أمريكا واحدة من أسوأ تسع دول من الدول  الديمقراطية في العالم من حيث عدم الرضا الشعبي عنها ومقاطعتها.

فيا أيها الحالمون .. لا تكونوا أمريكيين أكثر من الأمريكيين عند دفاعكم عن ديمقراطيتهم التي لا يثقون بها..

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف