لم تجد أم مهنَّد صعوبة في الاستيقاظ مبكرًا لتجهيز الإفطار لعائلتها المكوّنة من ستة أفراد في خيمتها المطلّة على ساحة وسط الفلوجة، حيث أصوات الدبابات والعربات الامريكية كفيلة بإيقاظ الرضيع من مَهْده، وتطغى بها على صوت الصفير المتواصل الذي يحدثه الهواء الداخل على الخيمة من ثقوب صغيرة أحدثتها عوامل الطبيعة والأمطار المتواصلة لمن سبق لهم الهجرة في شتاء العام الماضي.
محافظة الأنبار غرب العراق واحدة من المدن التي تحتضن مئات العوائل المهجرة طائفيًا من بغداد والبصرة والحلّة ومدن جنوب العراق، وتقطن في مدارس أو ساحات عامة، وحتى دوائر أمنية وعسكرية سابقة منذ أشهر طويلة سرعان ما غطّت الأحداث في العراق على قضيتهم، وأصبحوا في عداد النسيان على الرغم من ازديادهم المتواصل، وشكلوا ظاهرة ما تعرف محليّا في العراق "بأهل الخيام ".
وتخيم في محافظة الأنبار أكثر من 437 عائلة في مخيمات صغيرة انتشرت في مدن عدة كالفلوجة والرمادي وهيت والكرمة حسب الدكتور عبد الستار الجميلي مدير جمعية الهلال الأحمر العراقية في الأنبار فإن جميع من يتواجد في تلك الخيام هم من العرب السنة الذين تَم تهجيرهم من قبل جماعات شيعية متطرفة كجيش المهدي وفيلق بدر على مدار الأشهر الماضية استقرّ بهم المطاف في الفلوجة؛ كونها أكثر أمنًا من غيرها من حيث العنف الطائفي.
الحاجة أم مهند 50 عامًا تسكن في إحدى تلك الخيام المطلّة على ساحة كبيرة اجتزأت من مدرسة ابتدائية واتخذت كمعسكر للاجئين على شارع الثرثار الرئيسي بالفلوجة، تقطن منذ أربعة أشهر في خيمتها مع ستة من أفراد عائلتها زوجها وأربعة بنات ومهند ذو العشرين عامًا. تصف حالها بشيء من الارتباك بعد زيارة من غير موعد مسبق إلى خيمتها المتهالكة ، بآية من القران لم تتمكن من إكمالها قبل أن تجهش بالبكاء:
{إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}
تعقب على الآية بقولها "مع أن الأمريكان ليسوا ملوكًا بل هم أرذل الخلق إلا أنهم حولوا أعزَّة العراقيين إلى أذلة".
كنا نسكن في منزل فخم وسيارة وزوجي موظف في دائرة كهرباء بغداد وفي يوم 13/5 من هذا العام جاء ألينا مسلحون من جيش المهدي وأجبرونا على مغادرة المنزل وإلا قتلوا زوجي وابني فهربنا دون أن نأخذ معنا قشّة واحدة من منزلنا، واستقرّ بنا المطاف هاهنا في خيمة لا تسع لثلاثة أشخاص يلفح بنا الحرّ والبرد والحشرات وتخرق آذاننا أصوات الدبابات والمدرعات والانفجارات
نجد صعوبة في كل شيء في النوم والأكل وحتى في قضاء حاجتنا، فعندي أربعة بنات كلهن يستحين الذهاب إلى الحمام وأعين الرجال تمزقهن ذهابًا وإيابًا، وأنا وبناتي نغتنم حلول الظلام للدخول وقضاء الحاجة والاستحمام، علمنا أن منزلنا في بغداد بحي الحرية استولى عليه شيخ يدعى سيد حسن وهو قيادي في جيش المهدي، ورفعنا شكاوى إلى الحكومة ورجال الدين لكن دون جدوى، وأصبحنا بين خيارين إما البيت أو فقدان أحد من أسرتي فاخترنا هذا الوضع على ألا أفقد زوجي أو ابني.
في هذه الأثناء سرعان ما تجمع رجال المخيم على مراسل "الإسلام اليوم" وكأن كل واحد منهم يحمل كتابًا من الضيم يريد تلاوته على مسامعنا، إلا أن أحدًا منا لم يجد سبيلاً في مقاومة محمد الجبوري 40 عام أحد المهجَّرين وهو يجرّ الفريق بكلتا يديه طالبًا منهم الدخول الى خيمته ومشاهدة حاله وحال أسرته؛ زوجة فقدت عقلها، وابن مختطف، وعجوز تندب حظها وتعيش على فضلات طعام المطاعم والمطابخ في المدينة.
الجبوري يعرف نفسه بأنه ضابط سابق في سلاح المدفعية العراقي برتبة مقدم هُجِّر مع أسرته من بغداد جانب الرصافة من قبل مليشيا تعرف باسم كتائب "ألطف" تابعة لجيش المهدي، واستقرّ به الحال في الفلوجة في خيمة صغيرة ورضي بالحال، لكن ابنه الوحيد أصر على الذهاب إلى بغداد للمطالبة ببيت والده قبل أسبوعين، وذهب ولم يعد، ويقسم أنه يبحث اليوم على أي فصيل مقاوم كي ينضوي تحت لواءه لقتال الأمريكان والمليشيات على حد سواء.
وعن وضع العوائل المهجّرة في تلك الخيام يرى الدكتور الجميلي مدير جمعية الهلال الأحمر في الأنبار أن أعدادهم في تزايد رهيب، وأن الكثير منهم يأتون إلى المدينة بلا ملابس يرتدونها وتكون أولَى محطاتهم في المساجد وبعدها يتم تحوليهم إلى المخيمات.
وفي السابق كان الأهالي يتبرعون بإسكانهم في منازلهم أو يتبرعون لهم بثمن إيجار ثلاثة أشهر لمنازل فارغة، ألا أن الأعداد المتزايدة جعلت الأمر يفوق قدرة المنظمات الشعبية الخيرية ويتطلب وقوف حكومة بغداد على المشكلة.
وصلتنا مساعدات من مؤسسة خليجية خيرية، وكذلك مؤسسة الشيخ زايد الخيرية ومن هيئة علماء المسلمين، وهذا كله والحكومة العراقية تغضّ الطرف عن المشكلة
وأرى أنها قبل أن تطالب بالمصالحة وتدعوا لها عليها أن تحل مشاكل مدنيين سينخرطون بلا شك في القتال المسلح من أجل حقوقهم.
على الجانب الثاني من مشكلة المهجّرون طائفيًا يقف العراقيون الشيعة موقفًا مماثلاً، فعلى الرغم من أن عدد مَن هجِّر منهم قليل جدًا قياسًا بالمهجَّرين السنة، إلا أنهم يقبعون أيضًا في مخيمات بمناطق جنوبية خوفًا من تهديدات القاعدة لهم بالقتل إن هم لم يعتنقوا المذهب السني ويعلنوا الولاء لدولة العراق الإسلامية.
وحسب تقديرات جمعية الهلال الأحمر قالت الدكتورة إيهاب نضال: إن عدد مَن هجّر طائفيًا واستقرّ به الحال في مخيمات ومبانٍ حكومية ومنازل نظامية داخل العراق قد يفوق عدد اللاجئين خارج العراق مع نهاية العام الجاري أغلبهم عرضة لعمليات السطو والاختطاف والأمراض، وحتى الاغتصاب بعد اضطرار الكثير من العوائل الى إسكان بناتهن في مخيمات بالعراء يكونون فيها عرضة للعصابات الإجرامية.
فيما اشتكى مدير دائرة الإغاثة في الهلال الأحمر السيد محمود الزوبعي من أن الآلاف من العوائل المهجّرة على مختلف مذاهبها امتهنت التسوّل أو السرقة أو انخرطوا في مسلسل العنف الجاري بالعراق.