ولله الحمد والمنّة، الأمور بخير، أعمل معلّماً بمدرسة مجاورة للبيت، قريبة جداً، لا آخذ سيارة إليها، ومرتبي أحد عشرَ ألف ريال.وهذا الجامع الذي أسكن في سكنه المجاني.آخذ منه على الإمامة والخطابةِ ثلاثة آلاف ريال وزيادة ولله الحمد.وأدرّس عصراً في حلقة تحفيظ «خيريّة»آخذ منها قريباً من ألفي ريال وكما ترى.. مأذون أنكحةٍ أنا، وقد آخذ على الرأسين يجتمعانِ في الحلال ألف ريالٍ أو نصفها. والأمور بخير ولله الحمد. مرةً راسلت مجلة «خيريّة» بأخبار أنشطة المسجد فمنحوني ألفاً وخمسمائة، ثم اعتزلتهم؛ لأن مجلة دعوية «خيريّة» أخرى قالت لي سنمنحك ثلاثة آلافٍ من الدراهم مردفات، ولله الحمد والمنّة.
كنت أتأمله: عمامة منشّاة كعريس/عريش، وثوب أبيض ناصع لامع، وهاتف محمول، لو وضعت في كفّة ووضع في الأخرى، لرجحت وطاشت كفّتي، وفوق ذلك "طيب" يجلّله بالبهاء والكمال.
كنت أذكره في الصفّ قديماً، لم يكن بذاك الولد المدلّل ولا الفتى صاحب الرفاه، بسيطاً فقيراً، لا يأبه له أحدٌ ولا يعرفه، وتأمّلت في الدنيا، وسرعة تقلّب الأحوال.
ثمّ تذكرت ما جئتُ لأجله. قلت له حضرة الشيخ: تعرف كم نحب الخير، وكم يحبه الله. قال: لا شك في ذلك. وقرأ عليّ حديثين صحيحين في الخير ومساعدة الناس والبرّ والصدقة. قلت له: بارك الله فيك، وقد فتحنا في الحي المجاور مغسلة أموات، أو على وشك أن نفتحها. فبارك هذا الجهد منّا لخدمة أموات الأمة. قلت له: نريد بعضاً من معونة لنكملها ونغسل أول ميت في مطلع الشهر القادم؛ ولأنّ بعض المئونة نقصت، بعض المعونة نفدت، نريد من نقدكَ وجاهك. النقد لنكمل ما تبقّى من سكنِ مغسّل الأموات، والجاه لتشفع لدى مأمور البلدية أن يهبنا تصريحَ بابٍ من جهة الشرق التي تعرف.
قلت له: ولا نريد كثيراً. يكفينا القليل منك، راتب التحفيظ مثلاً. قال لي بتجهم واضح: تعرف ابتلاءات الله للعبد، وسوء أحوال البلد، وكثرة العيال والولد، وتدرك أن الله يمتحن عباده في الدنيا.
لكن المتقين يصبرون. وأردف: ولصبرهم حدود! ففهمت أنه يقصدني. قلت له بنفَسٍ أخير: شكراً أيها الشيخ الشهم الجليل، لكني لا أودّ كثيراً، راتب المجلة الخيرية يكفينا!
قال لي بطلاقة المستفّزّ: أأنفقنا على الأحياء ما يدنّسهم، كي ننفق على الأموات ما يغسّلهم؟ وهل أنا ملزم بتسكين مغسّلِ أمواتٍ، ما دام الأحياء لم يسكنوا بعد؟ ومتى فتحنا جيوبنا مبرّاتٍ خيريّة؟
كان صادقاً فيما قال، والأذان ارتفع، ومضيت.
بعد شهر اكتملت المغسلة. كانت سيارة كبيرة فارهة تقف أمامها، أخرجوا الجنازة، غسلوا أول جنازة حزينين عليها، فرحين لافتتاح المغسلة الجديدة. قلت لمجاوري: جنازة من هذه؟ قال لي:
إمام مسجد مجاور، مدرس قديم، أستاذ حلقة، ومأذون أنكحة، وترحّمت على صاحبي الشيخ كثيراً.