|
يمرّ العالم منذ شهور بموجة غلاء أثّرت على مدّخرات العامة, وألحقت بها ضرراً فادحاً, ولا تزال هذه الموجة في تصاعد مستمر! وفي ظل هذه الموجة الصاعدة لا تزال البنوك والمصارف تتعاطى مع هذه الأزمة بتجاهل صارخ!! وليس العتب على البنوك بعامة, ولكن على البنوك والمصارف والنوافذ الإسلامية بخاصة؛ وذلك أنها حين صبغت تعاملاتها بالصبغة الإسلامية, فقد أثقلت كاهلها بمسؤولية كبرى, وبأمانة عظمى, ينبغي أن تقوم تجاهها بالدور الريادي الذي يتطلع إليه الجميع, فلا يصح أن يُختزل هذا العنوان العريض:(بنك إسلامي) بمجرد تحويل المعاملة المحرمة إلى معاملة مشروعة, كلا, فالبنك أو المصرف الإسلامي ينبغي أن يكون له دوره الإستراتيجي الهام في تقديم النموذج الإسلامي بمعناه العريض والواسع, سواء أكان ذلك من خلال إشراك المواطن في تعاملات إسلامية حقيقية, تجني له أرباحاً مجدية- غير مضمونة- بأسلوب المضاربة, أو الاستصناع..., فترفع من مستوى دخله, وتخفّف عليه من لهيب الغلاء, أو كان ذلك من خلال بناء أوقاف خيرية يستفيد منها أصحاب الدخل المحدود, أو من خلال بناء مراكز طبية يستفيد منها مرضى الكلى, أو السرطان, أو التوحّد...الخ، أو حتى من خلال تقديم قروض حسنة لمن ظهرت حاجته الملحة بالأمارات والقرائن, أو من خلال توسيع دائرة (الإسلامي) لتشمل المنفعة والتنمية كل أفراد المجتمع, وذلك ببناء مراكز علمية أو بحثية..الخ, وبهذا تستطيع هذه البنوك الإسلامية أن تفخر بانتمائها الإسلامي وهي مرفوعة الرأس, وأن تقدم نموذجاً حسناً, يُقتدى به في سائر أقطار العالم, لا أن تقدم نموذجاً مادياً صرفاً, أو أن تقدم نموذجاً تقليدياً وتكسوه لباساً إسلامياً, أو تقدم صكوكاً ما ثم يظهر أنها قد وقعت ضحية خطأ أو استنساخ!!
وعلى سبيل المثال-وبما يخص موضوع الغلاء- فإنه إذا كان البعض ينادي بسحب السيولة التي هي من أبرز أسباب التضخم, وذلك من خلال رفع سعر الفائدة, وهي أسلوب تقليدي محرم, فلماذا لا تقوم البنوك الإسلامية بدور إيجابي, فتقدم نموذجاً متميزاً وشرعياً, تساعد به المجتمع من انتشاله من أزمة التضخم, وذلك من خلال طرح صكوك إسلامية (مضاربة أو غيرها..)؛ من أجل المشاركة في سحب السيولة بالأسلوب الإسلامي المنتِج, لا بالأسلوب التقليدي العقيم!! وبهذا يزول الغبش الجاثم على بنوكنا الإسلامية, وتصبح هذه البنوك همّ كل مواطن, لا همّ التاجر, أو همّ أعضاء مجلس الإدارة فقط!! وذلك لأنها أصبحت تمارس دوراً مجتمعياً وإنسانياً, وبهذا يمكن لهذه البنوك أن تقدم نماذج خيرية للمجتمع يشكرها عليه جميع أفراده, وتعيد بنا الذاكرة لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سأله رجل عن بعض الأعمال الفاضلة, فذكر منها:(تعين صانعاً, أو تصنع لأخرق) والبنوك الإسلامية هي خير من يقوم بهذا الدور الرائد, وما المانع أن تقوم البنوك الإسلامية بوضع رؤية إستراتيجية خمسية, تساهم من ورائها في تنمية المجتمع, وخدمة الصانع الذي لا يجد مالاً, أو صاحب المال الأخرق الذي لا يحسن الصنعة؟ إنها مسؤولية كبرى تقع على كاهل أصحاب هذه البنوك, وهيئاتها الشرعية؛ فأعضاء الهيئات الشرعية لا ينبغي أن يقف دورهم عند حد تقديم الحلول الشرعية للمعاملات التقليدية المحرمة, أو عند حد اقتراح العقود الشرعية التي يعود ريعها لمالكي المؤسسة أو الشركة المالية, وحسب, بل ينبغي على أصحاب الفضيلة- وهم محل الثقة, والمسؤولية- تقديم الرؤى الشرعية, والمقترحات الواقعية التي تساهم في تنمية المجتمع, والنهوض به, وعلاج بعض مشكلاته الاقتصادية التي يمكن أن تنهض بها البنوك الإسلامية, وبهذا تحقق هذه البنوك نهضة اقتصادية واجتماعية تشرئب إليها أنظار العامة, كما ستنأى بنفسها عن تهمة التورّط في تجاهل المجتمع وأوضاعه المتردّية, بل وتساهم في استقطاب العديد من المواطنين إلى باحة هذه البنوك؛ لأنهم يرون فيها نقطة تحول إيجابي لصالح المجتمع, بكل فئاته.
إنه لا يخفى على مطّلع أن من أبرز سمات الرأسمالية الغربية أنها تزيد الغني غنًى, وتزيد الفقير فقراً, وهذا ما لا نريده لبنوكنا الإسلامية؛ لأنه يُفترض فيها أن تكون مرجعاً اقتصادياً إسلامياً للبلد وأهله؛ تحسّ بآلامه, وتشعر بآهاته, لا أن تكون حضناً دافئاً للتاجر وأرصدته!! وأنا لا أطالب أن تتحول البنوك الإسلامية إلى جمعيات خيرية, ولكن ما أطالب به هو أن نرى اليوم الذي تطل فيه بنوكنا الإسلامية بميزانياتها وقوائمها المالية وهي تحفل ببعض البنود التي تخدم المجتمع, وترتقي به إلى سلم النهضة والرقي, وألاّ يقف دور هذه البنوك عند حد التمويل بالمرابحة, أو نحوها من التعاملات التي تثقل كاهل المجتمع بالديون, وحسب!! وعليها أن تأخذ العبرة من أزمة الديون أو الرهون التي تمر بها الولايات المتحدة, وشركاؤها, فلا تساهم بأموالها الطائلة في توريط المجتمع بتعاملات تقود إلى أزمات لا يعلم أثرها وعاقبتها إلاّ الله تعالى.
|