تحدث المفكر والأستاذ عباس محمود العقاد عن طبيعة الاختلاف في فهم وتفسير النصوص لدى أتباع الديانات السماوية، بدءاً من التوراة والإنجيل، وانتهاء بالقرآن الكريم؛ الذي تكلم عمّا حدث لأصحاب الديانات، من اختلافهم وتفرقهم شيعاً وأحزاباً، أما نحن معاشر أمة محمد فقد وقع مثل ذلك كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- إن صح الحديث في ذلك، بل إنه في أحاديث أخر وردت عن النبي في تفصيل ذلك وصفاً دقيقاً ذكرت فيها الأوصاف والأحداث والمواقع، كل ذلك يشهد ويسوّغ طبيعة الاختلاف، وإنه لا يمكن إزالته البتة، بل إن محاولة معالجته وإزالته يزيد الأمر تعقيداً، والناس تفريقاً. فالله المستعان وعليه التكلان.
دعوات كثيرات تحاول كيفية التعامل مع الاختلاف، والذي يسبقه الاعتراف والقبول بوجوده واقعاً ملموساً، وقبل ذلك تاريخاً مرصوداً، وبين قابل لهذا الطرح ورافض له في ظل وجود الدولة والسياسة التي ربما تستخدم ذلك لمصالحها؛ مما يجعل الأمر صعب التعامل غير قابل للتطوير، على الرغم من تقدم العلم والمعرفة، اللذين من المفترض أن يساهما في تقريب وجهات النظر على المستوى العلمي والتطبيقي.
يقول الأستاذ الكريم محمد قطب -حفظه الله- في مقدمة كتابه "لا اله إلا الله منهج حياة": إن أصحاب الدعوات يتغيرون لما يمارسون من المعالجة والمباحثة في صعيدي الفكر والتنظير والمساهمة في تصحيح واقع المسلمين، أما الأتباع البسطاء -وإن شئت قل عامة المسلمين- فهم لا يتغيرون، ويقفون عند رؤية واحدة، فتتأثر الحركات و المناهج، وحينما تختلف مناهج النخب العلمية الشرعية والفكرية يزدوج التوجيه، وربما يقع الصراع بين النخب من جهة، وبين الأتباع من جهة أخرى، فيزيد الأمر سوءاً والواقع ظلاماً.
في المجتمعات البدائية- والتي تكون في بداية التحضر والتقدم- يكون التغير بين النخب العلمية، بل وحتى السياسية أيضاً من الطبيعي والواضح تشخيصاً فيقع اللبس عند العامة، والتعارض والتضاد بين أهل بلد واحد وديانة واحدة، ولابد أن يُعرف ويُقرّر لدى الناس والأفراد أن التغير سنة كونية ربانية وضرورية. إن تغير الأفكار والرؤى أمر مطلوب شرعاً وكوناً، فكما أن الظواهر الطبيعية والجيولوجية تتغير، وبناء الإنسان يتغير من جنين إلى وليد، ثم إلى طفل وصبي، إلى أن يكون كهلاً تتغير ملامحه وأوصافه، بل أحياناً طبائعه وتصرفاته، فإذا اقترن بذلك تغير معطيات العلم والحياة والأنظمة والظروف كان لكل ذلك أثر على رؤيته وفكره.
إن الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، والسؤال: لماذا يغير الله ما بقوم؟ ولماذا يستلزم ذلك أن يغير أولئك القوم ما بأنفسهم؟
لأن ضرورة الحياة تستلزم ذلك، بل إن نبينا محمداً حث على ذلك. في الحديث المشهور حديث التجديد... إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وهنا نسب الدين إلى الأمة بحسبانه رأياً فقهياً قابلاً للاجتهاد؛ لأنه متلبس بتغير الزمن والواقع، وهو ما لمح إليه عقلاء الإسلام كابن القيم وشيخه عليهم رحمة الله.
يكون الأمر خطيراً على العلماء والمصلحين الذين يعيشون ويمارسون التوجيه والإصلاح في نقطة من الزمن بين جيلين، في نهاية جيل وبداية الآخر؛ إذ يطالبه البعض بما عليه الأسلاف، ويفرح به أصحاب الجيل الجديد، والذين يرون فيه المصلح والموجه الذي يتناسب مع عصرهم وواقعهم.
في مجتمع يقع فيه ويحتد النقاش والاختلاف بسبب الخلاف الذي وقع بين علمائه في مسائل فرعية كتوسيع المسعى الذي به توسعة للمسلمين في حجهم وعمرتهم، في ظل حكومة ارتأت هذا الرأي لتكمل به عطاءاتها وخدمتها للإسلام والمسلمين من علماء معتبرين وموثوقين، ومثل ذلك حينما وقع الشقاق والنيل من علماء أفاضل رأوا ترجيح أقوال في الحج خاصة في مواقع وأوقات الزحام، حتى أسقط، بل وُزّعت الكروت الحمراء قبل الصفراء على بعض العلماء، والملاحظ أنه في كل يوم يخرج عالم من دائرة العلم والمشيخة، فكيف لو كان الخلاف في مسائل الأصول التي يلحظ قارئ التاريخ تعايش العلماء والمسلمين في ظل الاختلاف في الفروع والأصول. الإمام أحمد سافر وزامل بعض العلماء الذين يختلفون معه من المعتزلة وأهل التصوف وغيرهم.
فالواجب علينا أن ننظر في هذا الأمر، وأن نعالج ذلك؛ لئلا يقع الشقاق والنزاع، فنبحث عن علماء فلا نجد أحداً، ونقول فسد الزمان، ونتوزع في شعب الجبال!!
يكون ذلك من خلال تشجيع عمليات الحوار والتقارب، وقبل ذلك من خلال التربية وتطوير المناهج الدراسية الصفية واللاصفية، وإدخال مادة الفلسفة والحوار في المرحلة الثانوية -إن أمكن ذلك- والله الموفق لما يحبه ويرضاه.