8 - رأي ابن تيمية وابن كثير في ما يحدثه الشيعة يوم عاشوراء:
أ - قال ابن تيمية: وصار الشيطان بسبب قتل الحسين -رضي الله عنه- يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء من اللطم والصراخ والبكاء والعطش وإنشاد المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سبّ السلف الصالح، ولعنهم وإدخال مَن لا ذنب له من ذوي الذنوب حتى يسبّ السابقون الأولون، وتُقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب، وقصد من سنّ ذلك فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة من أعظم ما حرم الله ورسوله. والذي أمر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع... وإذا كان الله قد أمر بالصبر والاحتساب والاسترجاع عند حدثان العهد بالمصيبة، فكيف مع طول الزمان؟ فكان ما زيّنه الشيطان لأهل الضلال والغي من اتخاذ يوم عاشوراء مأتماً، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير والصدق فيها ليس فيه إلاّ تجديد الحزن والتعصّب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسّل بذلك إلى سبّ السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدنيا.
ب - وأما ابن كثير فيقول: فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه هذا الذي وقع من قتله رضي الله عنه؛ فإنه من سادات المسلمين وعُلماء الصحابة، وابن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي هي أفضل بناته، وقد كان عابداً وشجاعاً وسخياً، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنّع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه، وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين، فإن أباه قُتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة، وقد قُتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذُبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم مقتله مأتماً، وكذلك عمر بن الخطاب، وهو أفضل من عثمان وعلي، قُتل وهو قائم يُصليّ في المحراب صلاة الفجر وهو يقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً، وكذلك الصديق كان أفضل منه، ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موته مأتماً يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين، ولا ذكر أحد يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادّعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء، وغير ذلك، وأحسن ما يُقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما رواه الحسين بن علي عن جدّه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من مسلم يُصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها، فيُحدثُ بها استرجاعاً إلاّ أعطاه الله من الأجر مثل يوم أُصيب بها". يقول ابن تيمية تعليقاً على هذا الحديث: هذا حديث رواه عن الحسين ابنته فاطمة التي شهدت مصرعه، وقد علم أن المصيبة بالحسين تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام أن بلغ هو هذه السنة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر يوم أُصيب بها المسلمون، وأما من فعل مع تقادم العهد بها ما نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- عند حدثان العهد بالمصيبة فعقوبته أشد، مثل: لطم الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.
9 - مَن يتّخذ عاشوراء عيداً:
هم من النواصب، والنواصب إحدى طوائف أهل البدع التي أُصيبت في معتقدها بعدم التوفيق للاعتقاد الصحيح في الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فقد زين لهم الشيطان عدم محبة أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- وحملهم على التدين ببغضه وعداوته، والقول فيه بما هو بريء منه، كما تعدّى بغضهم إلى غيره من أهل البيت، كابنه الحسين بن علي -رضي الله عنهما- وغيره فالنصب هو بغض علي -رضي الله عنه- والنيل منه والانحراف عنه، وسُمّي من كانت هذه صفته ناصبياً، فالنصب كالرفض؛ لأن الرفض هو بغض أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنيل منهم بالشتم والسب وكلاهما ضلال وابتعاد عن منهج الله في وجوب حب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة سابقتهم في الإسلام وجهادهم بأنفسهم وأموالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كانت الشيعة اتخذت يوم عاشوراء مأتماً وحزناً اتخذته طائفة أخرى عيداً وموسماً للفرح والسرور، وهم إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته رضي الله عنه، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال والاختضاب وتوسيع النفقات على العيال وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح مقابلة لأولئك، وهي بدعة ثانية. ومما ورد في ذلك من أحاديث موضوعة ومكذوبة ما يلي:
أ - حديث: مَن وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سنته.
ب - ابتداع صلاة مخصوصة في يومه وليلته: رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلّى لله يوم عاشوراء ما بين الظهر والعصر أربعين ركعة يقرأ في كل رقعة بفاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي عشر مرات، وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة والمعوذتين خمس مرات فإذا سلم استغفر سبعين مرة أعطاه الله في الفردوس قبة بيضاء" ، وغير ذلك من البدع التي أحدثت في ذلك اليوم، والتي لا أصل لها في دين الله عز وجل. وقد سُئل ابن تيمية عما يفعله الناس في عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة وطبخ الحبوب وإظهار السرور، وعزوا ذلك إلى الشارع، فهل ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك حديث صحيح أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين. لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه، ولا استحبّ ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً لا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً. ولا في كتب الصحيح ولا في السنن ولا في المسانيد، ولا يُعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة، وإنما حصلت هذه البدع في يوم عاشوراء؛ لأن الكوفة كان فيها طائفتان: طائفة رافضة يظهرون موالاة أهل البيت، وهم في الباطن إما ملاحدة زنادقة، وإما جهال وأصحاب هوى، وطائفة ناصبة تبغض علياً وأصحابه لما جرى من القتال في الفتنة ما جرى. فوضعت الآثار في الاحتفال بعاشوراء لما ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة، فإن هؤلاء اتخذوا يوم عاشوراء مأتماً، فوضع أولئك آثار تقتضي التوسع فيه واتخاذه عيداً وكلاهما باطل. فهؤلاء فيهم بدع وضلال وأولئك فيهم بدع وضلال. فمن جعل يوم عاشوراء مأتماً وحزناً ونياحة، أو جعله يوم عيد وفرح وسرور فقد ابتدع في الدين وخالف سنة سيد المرسلين.
10 - هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- في يوم عاشوراء:
يوم عاشوراء من الأيام الفاضلة التي حث النبي -صلى الله عليه وسلم- على صيامها، فجاء في الحديث الصحيح عن أبي قتادة -رضي الله عنه- أنه قال: "ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا الدهر كله، وصيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده، وصيام عاشوراء احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرّى صيام يوم فضله على غيره إلاّ هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان" . فالسُّنة إذاً في اليوم هذا الصيام فحسب، وقد صامه صلى الله عليه وسلم، وأخبر بفضل صيامه كما في الحديث السابق وأمر بقيامه، فقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.
أ - فعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان. قال: صلى الله عليه وسلم: "إن عاشوراء من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه" .
ب - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصيامه" . وعنه أيضاً قال: "أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصوم يوم عاشوراء العاشر" .
ج- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "حين صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، يوم تعظّمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع. قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وفي رواية "لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع" . وعنه أيضاً قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود؛ صوموا قبله يوماً وبعده يوماً" .
ولقد ذكر العلماء أن صوم يوم عاشوراء على ثلاث مراتب:
أ - صوم التاسع والعاشر والحادي عشر لحديث: "صوموا قبله يوماً وبعده يوماً" .
ب - صوم التاسع والعاشر لحديث: "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع" .
ج- - إفراده بالصوم أي صوم يوم عاشوراء وحده، للأحاديث الدالة على تأكيد صومه.
فهذا هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في يوم عاشوراء، ومن هنا تتجلى وسطية أهل السنة والجماعة؛ فلا إفراط ولا تفريط، إنما هو تمسّك بهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وامتثال لأمره رجاء لثواب الله تعالى.
ثانياً: التحقيق في مكان رأس الحسين رضي الله عنه:
إن سبب الاختلاف في موضع رأس الحسين -رضي الله عنه- عند عامة الناس إنما هو ناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين، والتي أقيمت في عصور التخلف الفكري والعقدي - وكلها تدعي وجود رأس الحسين، ثم إن الجهل بموضع رأس الحسين جعل كل طائفة تنتصر لرأيها في ادّعاء وجود الرأس عندها، وإذا أردنا التحقيق في مكان الرأس فإنه يلزمنا تتبع وجود الرأس منذ انتهاء معركة كربلاء. لقد ثبت أن رأس الحسين حُمل إلى ابن زياد فجعل الرأس في طست وأخذ يضربه بقضيب كان في يده، فقام إليه أنس بن مالك -رضي الله عنه- وقال: لقد كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافاً بيّناً بشأن رأس الحسين -رضي الله عنه- ولكن بعد دراسة الروايات التي ذُكرت أن ابن زياد أرسل الرأس إلى يزيد بن معاوية وجدت أن الروايات على النحو التالي، هناك روايات ذكرت أن الرأس أُرسل إلى يزيد بن معاوية، وأخذ يزيد ينكث بالقضيب في فم الحسين، الأمر الذي حدا بأبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- على أن ينكر على يزيد فعلته، ولكن هذه الرواية التي ذكرت وصول الرأس وتعامل يزيد معه بهذا النحو ضعيفة. وقد استدل ابن تيمية على ضعف هذه الرواية: بأن الذين حضروا نكثه بالقضيب من الصحابة لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق، ومما يدل على فساد متن هذه الرواية هو أن متنها مخالف لتلك الروايات الصحيحة، والتي بينت حسن معاملة يزيد لآل الحسين وتألمه وبكاءه على قتل الحسين رضي الله عنه، وقد قال ابن تيمية: ورأس الحسين إنما حُمل إلى ابن زياد وهو الذي ضربه بالقضيب كما ثبت في الصحيح، وأما ما حمله إلى عند يزيد فباطل، وإسناده منقطع، وقد ذهب ابن كثير إلى ذهاب الرأس إلى يزيد فقد قال: وقد اختلف العلماء في رأس الحسين هل سيّره ابن زياد إلى الشام أم لا على قولين، الأظهر منها أنه سيّره إليه، فقد ورد في ذلك آثار كثيرة والله أعلم، وهو ما ذهب إليه الذهبي.
وقد ذُكر بأن رأس الحسين مقبور في ست مدن وهي:
1 - دمشق: ذكر البيهقي في المحاسن والمساوئ: أن يزيد أمر بغسل الرأس وجعله في حرير، وضرب عليه خيمة، و وكّل به خمسين رجلاً، وساق ابن عساكر بإسناده عن ريا حاضنة يزيد بن معاوية أن الرأس مكث في خزائن السلاح حتى ولي سليمان، فبعث فجيء به فبقي عظماً فطيّبه وكفّنه، فلما وصلت المسودّة، سألوا عن موضع الرأس ونبشوه فالله أعلم ما صنع به، ورواية القصة (ريا) هذه ذكرها ابن عساكر، ولم يذكر فيها جرحاً، ولا تعديلاً وتكون بذلك مجهولة، وبذلك تكون رواية ساقطة لا يُعتمد عليها بأي حال من الأحوال، وقد أورد الذهبي بإسناده عن أبي كريب قال: كنت فيمن توثب على الوليد بن يزيد بدمشق، فأخذت سفطاً وقلت فيه غنائي، فركبت فرسي، وخرجت من باب توما، قال: ففتحته، فإذا فيه رأس مكتوب عليها، هذا رأس الحسين بن علي، فحفرت فيه بسيفي فدفنته؟ وهي رواية ضعيفة جداً. ومن ناحية أخرى ما هي فائدة يزيد في احتفاظه برأس الحسين، وجعله في خزائن سلاحه؟!
2 - كربلاء: لم يقل أحد بأن الرأس في كربلاء إلاّ الشيعة الإمامية، فإنهم يقولون بأن الرأس أُعيد إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من القتل، ودُفن بجانب جسد الحسين -رضي الله عنه- وهو يوم معروف عندهم يسمون فيه زيارة الأربعين، ويكفي أن هذا القول إنما تفرد به الشيعة الإمامية، وهم ليس عندهم في ذلك أي دليل، إنما أقاويل عارية من الحجة والبرهان، وقد أنكر أبو نعيم الفضل بن دكين على من زعم أنه يعرف قبر الحسين -رضي الله عنه-، وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عُفي أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه.
3 - الرقة: لقد انفرد سبط ابن الجوزي بإيراد خبر يذكر أن الرأس قُبر بالرقة وقال: إن الرأس بمسجد الرقة على الفرات، وأنه جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: لأبعثن إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان وكانوا بالرقة، فدفنوه في بعض دورهم، ثم دخلت تلك الدار بالمسجد الجامع، وهو إلى جانب سور هناك. وهذا خبر مستبعد؛ فالرواية ليست مسندة، ثم إن الخبر فيه نكارة واضحة لمخالفته النصوص الصحيحة، والتي ثبت فيها حسن معاملة يزيد لأسرة الحسين وتحسّره وندمه على قتله، ثم إن سبط ابن الجوزي هذا قال عنه الذهبي: ورأيت له مصنفاً يدل على تشيعه.
4 - عسقلان: لقد أنكر جمع من المحققين الخبر القائل بأن رأس الحسين دفن في عسقلان قال القرطبي: وما ذُكر أنه في عسقلان فشيء باطل، وأنكر بن تيمية وجود الرأس بعسقلان، وتابعه على ذلك ابن كثير.
5 - القاهرة: يبدو أن اللعبة التي قام بها العبيديون (الفاطميون) قد انطلت على الكثير من الناس؛ فبعد أن عزم الصليبيون الاستيلاء على عسقلان سنة تسع وأربعين وخمسمائة خرج الوزير الفاطمي صالح طلائع بن زريك هو وعسكره حفاة إلى الصالحية، فتلقى الرأس ووضعه في كيس من الحرير الأخضر على كرسي من الأبنوس، وفرش تحته المسك والعنبر والطيب، ودُفن في المشهد الحسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف. وكان ذلك في يوم الأحد الثامن من جمادي الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وقد ذكر الفارقي أن الخليفة الفاطمي نفسه قد خرج وحمل الرأس، وذكر الشبلنجي أن الوزير الصالح طلائع افتدى الرأس من الإفرنج، ونجح في ذلك بعد تغلبهم على عسقلان وافتداه بمال جزيل، ولقد حاول بعض المؤرخين أن يؤكدوا على أن الرأس قد نُقل فعلاً من عسقلان إلى مصر، وأن المشهد الحسيني في مصر إنما هو حقيقة مبني على رأس الحسين -رضي الله عنه- وقد أثبت أحد المتأخرين وهو حسين محمد يوسف بأن الرأس الموجود في المشهد الحسيني هو حقيقة رأس الحسين، وخطّأ من يقول بغير ذلك، وكان الاستدلال الذي جاء به: هي تلك المنامات والكشوفات التي تجلّت لبعض الصوفية، والتي جاء في تلك المنامات أن الرأس هو في الحقيقة رأس الحسين، ثم أورد تأييداً لهذا القول، باستحداث قاعدة قال فيها: إن الرأس يوجد في القاهرة، وذلك بسبب الشك الذي تعارض مع اليقين، واليقين هم أصحاب الكشف. وهذا الاستدلال لا يخضع إلى عقل أو منطق أو حجة علمية، أو برهان علمي - فضلاً عن قواعد المنهج الإسلامي في الاستدلال. إن الاستدلال على وجود رأس الحسين في القاهرة كان مبنياً على استناده بأن الرأس كان في عسقلان، وقد أثبتنا قبل قليل بطلان وجود الرأس بعسقلان، وبالتالي يكون الرأس الذي حُمل إلى القاهرة، والمشهد المعروف اليوم والمقام عليه والمسمى بالمشهد الحسيني هو كذب، وليس له علاقة برأس الحسين -رضي الله عنه- وإذا ثبت أن الرأس الذي كان مدفوناً بعسقلان هو ليس في الحقيقة برأس الحسين، فإذاً مم ادّعى أن رأس الحسين بعسقلان وإلى من يعود ذلك الرأس؟ يقول النويري: أن رجلاً رأى في منامه- وهو بعسقلان- أن رأس الحسين في مكان بها، عُيّن له في منامه، فنبش ذلك الموضع، وذلك في أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر، ووزارة بدر الجمالي، فابتنى له بدر الجمالي مشهداً بعسقلان، وقام الأفضل بعد ذلك بإخراجه وعطّره ووضعه في مكان آخر من عسقلان، وابتنى عليه مشهداً كبيراً، ولعلك تعجب من إسراع العبيديين لإقامة المشهد على هذا الرأس، لمجرد رؤيا رجل فقط؟ ولكن إذا عرفت تاريخ العبيديين فإن الأمر لا يُستغرب لهذا الحد، فإحساسهم بأن الناس لا يصدقون نسبتهم إلى الحسين، جعلهم يلجؤون إلى تغطية هذا الجانب، باستحداث وجود رأس الحسين بعسقلان، ويظهروا من الاهتمام به وبناء المشهد عليه والإنفاق على ترميمه وتحسينه من الأموال الشيء الكثير حتى يصدقهم الناس، ويقولون: إنه لو لم يكن لهم نسب فيه لما اهتموا به إلى هذا الحد، ثم إن هناك بعداً سياسياً آخر باستحداث وادعاء وجود رأس الحسين بعسقلان دون غيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، وهو محاولة مجابهة الدويلات السنية التي قامت في بلاد الشام، ومن المعروف أن حكومة المنتصر بالله العبيدي قد صادفت قيام دولة السلاجقة السنية التي تمكن قائدها طغرلبك السلجوقي من دخول بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة. ومما يدل على أن استحداث وجود رأس الحسين بعسقلان ونقله إلى مصر ما هو إلاّ خطة عبيدية، هو أنه لم يرد بأن رأس الحسين وُجد في عسقلان في أي كتاب قبل ولاية المنتصر الفاطمي. وهذا مما يعزز كذب العبيديين وتحقيق أغراض خاصة لهم بذلك، وقد ذكر ابن تيمية أن هذا الرأس المزعوم بأنه رأس الحسين ليس في الأصل سوى رأس راهب. وقد نقل ابن دحية في كتابه (العلم المشهور) الإجماع على كذب وجود الرأس بعسقلان أو بمصر، ونقل الإجماع أيضاً على كذب المشهد الحسيني الموجود في القاهرة، وذكر أنه من وضع العبيديين وأنه لأغراض فاسدة وضعوا ذلك المشهد، وقد أزال الله تلك الدولة وعاقبها بنقيض قصدها. وقد أنكر وجود الرأس في مصر كل من: ابن دقيق العيد، وأبو محمد بن خلف الدمياطي، أبو محمد بن القسطلاني، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهم. وقال ابن كثير: وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين الذين ملكوا مصر قبل سنة أربعمائة إلى سنة ستين وخمسمائة أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر، الذي يُقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة، وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يروّجوا بذلك بطلان ما ادّعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء في دولتهم، قلت: والناس أكثرهم يروّج عليهم مثل هذا، فإنهم جاؤوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم، واعتقدوا ذلك والله أعلم.
6 - المدينة النبوية: إن المدن التي مرّ ذكرها لم يثبت لدينا أدنى دليل على وجود الرأس بها، ولم يبق أمامنا سوى المدينة، فقد ذكر ابن سعد بإسناد جمعي: أن يزيد بعث بالرأس إلى عمرو بن سعيد والي المدينة، فكفّنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن تيمية: ثم إن دفنه بالبقيع: هو الذي تشهد له عادة القوم؛ فإنهم كانوا في الفتن، إذا قتل الرجل منهم، - لم يكن منهم - سلموا رأسه وبدنه إلى أهله، كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه، ثم سلموه إلى أهله، وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير، وأن ما كان بينهما من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه. كما أننا لا نجد انتقاداً واحداً انتقد فيه يزيد، سواء من آل البيت أو من الصحابة أو من التابعين فيما يتعلق بتعامله مع الرأس، فظني أن يزيد لو أنه تعامل مع الرأس كما تزعم بعض الروايات من الطوفان به بين المدن والتشهير برأسه، لتصرف الصحابة و"التابعين" تصرّفاً آخر على أثر هذا الفعل، ولما رفض كبارهم الخروج عليه يوم الحرة ولرأيناهم ينضمون مع ابن الزبير المعارض الرئيس ليزيد، ويؤيد هذا الرأي قول الحافظ أبو يعلي الهمداني: إن الرأس قُبر عند أمه فاطمة -رضي الله عنهما- وهو أصح ما قيل في ذلك، وهو ما ذهب إليه علماء النسب مثل الزبير بن بكار ومحمد بن الحسن المخزومي، وذكر ابن أبي المعالي أسعد بن عمار في كتابه (الفاصل بين الصدق، والمَيْن في مقرّ رأس الحسين) أن جمعاً من العلماء الثقات كابن أبي الدنيا وأبي المؤيد الخوارزمي، وأبي الفرج بن الجوزي قد أكدوا أن الرأس مقبور في البقيع بالمدينة، وتابعهم على ذلك القرطبي، وقال الزرقاني: قال ابن دحية ولا يصح غيره، وابن تيمية يميل إلى أن الرأس قد بعث به يزيد إلى واليه على المدينة عمر بن سعيد، وطلب منه أن يقبره بجانب أمه فاطمة -رضي الله عنها- والذي جعل ابن تيمية يرى ذلك هو: أن الذي ذكر أن الرأس نُقل إلى المدينة هم من العلماء والمؤرخون الذين يُعتمد عليهم مثل الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب، ومحمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب الطبقات، ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع، وهم أعلم بهذا الباب، وأصدق فيما ينقلونه من المجاهيل والكذّابين، وبعض أهل التاريخ، الذين لا يوثق بعلمهم، وقد يكون الرجل صادقاً، ولكن لا خبرة له بالأسانيد، حتى يميز بين المقبول والمردود، أو يكون سيّئ الحفظ، أو متهماً بالكذب أو بالتزوير في الرواية، كحال كثير من الأخباريين والمؤرخين.
وقال أبو عمر عبد الله بن محمد الحمادي: وهكذا اختلفوا في موقع رأس الحسين على ثلاثة أماكن، وكل واحد منهم يريد أن يكون الرأس عنده حتى تكثر الزيارات، فيكثر رمي الأموال على القبر ليتقاسمه السدنة، وحرّاس القبور، وبهذا الاختلاف جعلوا للحسين ثلاثة رؤوس، ومعلوم يقيناً أنه كان رضي الله عنه له رأس واحد. ومن خلال البحث، فإنه يتضح أن جسد الحسين -رضي الله عنه- بكربلاء، وأما رأسه بالبقيع في المدينة، والله أعلم.
1|2|3|4|5|6