آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

من جديد: قضية التترس

الاحد 5 شوال 1429 الموافق 05 أكتوبر 2008
من جديد: قضية التترس
 

لم تكن قضية التترس حاضرةً بقوةٍ يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 م وقت تفجير برج التجارة العالمي، ولكنها في الوقت ذاته لم تكن غائبة بالكلية، لذا لم يلتفت إليها أحدٌ بالقدر الكافي سوى القليلين.. فقد انشغل البعض بمحاولة تبرئة الذات، والبحث عن فاعلٍ آخر، لعله الولايات المتحدة في بعض الآراء !! كل ذلك على حساب بناء عمل فكرى شرعي يُوَضِّحُ جادة الصواب في مسألة التفجيرات.
كانت القضية تلقي بظل خافت على التفجيرات الدامية، ولكنها كانت تُشَكِّلُ محورًا هامًّا من المحاور التي تُشَكِّلُ البنية الفكرية لتنظيم القاعدة، وعادت لتظهر بقوةٍ في مشهد تفجيرات المحيا بالسعودية ، وتفجيرات بالى بأندونيسيا، وتفجيرات الدار البيضاء بالمغرب، وغيرها من التفجيرات الدامية التي حصدت مئات الأرواح من المسلمين معصومي الدم، من أجل الوصول إلى نَفَرٍ يُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة من غير المسلمين.
واليوم تعود القضية إلى صدر المشهد الدامي في صنعاء، على إثر هجوم جديد على سفارة أمريكا، خلّف وراءه – حتى كتابة هذه السطور - ستةَ قتلى من حُرَّاس السفارة اليمنيين ( المسلمين ) ، وأربعةً من المدنيين تَصَادَفَ وجودهم في مكان الحادث، ( وهم أيضًا مسلمون) ، وستةً من منفذي الحادث (وهم أيضًا مسلمون)!
أما إذا ما سألت عن السند الشرعي الذي يُبِيحُ هَدْرَ كل هذه الدماء المعصومة، وكيف تتم محاولةُ التفجير، واليقينُ المقطوعُ به أنّ العديد من المسلمين سيُقْتَلُون بسببها؟!
تأتي أحد الحُجَجُ الجاهزة والْمُعَدَّةُ سلفًا في الاستشهاد بفتوى التترس، فتحت سِتَارِهَا، وباسمها رُوِّعَ الآمنون ، وسُفِكَتِ الدماء ، وخُرِّبَتِ الديار ..
فما حقيقة الفتوى ؟ وما ظروف صدورها ؟ وهل يجوز تنزيلها على واقعنا الحالي ؟
ضوابط تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع :
من المعلوم سلفًا في قواعد الشريعة أنّ هناك فرقًا جوهريًّا بين الفتوى وبين الحكم الشرعي، فالحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال الْمُكَلَّفِين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
أمّا الفتوى فهي تنزيل الحكم الشرعي على واقعةٍ بعينها، ولهذا قُرِّرَ أن شَرْطَيِ الفتوى هما :
• العلم الشرعي المفضي إلى تَمَلُّكِ آلية الاجتهاد .
• العلم بالواقع المراد تنزيل الحكم عليه.
وهذا ما عَبَّرَ عنه الإمام ابن القيم رحمه الله في ( إعلام الموقعين ) بقوله : " لا يتمَكَّنُ الْمُفْتِي ولا الحاكمُ من الفتوى والحكم إلا بِنَوْعَيْنِ من الفهم :
• أحدهما : فَهْمُ الواقع والفقه فيه، واستنباط حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلاقات حتى يحيطَ بها علمًا .
• والنوع الثاني : فَهْمُ الواجب في الواقع ، وهو فهم حكم الله الذي حَكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – في هذا الواقع ، ثم يُطَبِّقُ أحدهما على الآخر، فمَنْ بذل جَهْدَهُ، واستفرغ وُسْعَهُ في ذلك لم يَعْدِم أجرين أو أجرًا " .
فتنزيل الأحكام الشَّرْعِيَّة على الواقع، من أكبر المهامِّ التي يجب أن يضطلع بها الفقهاء الراسخون في العلم، الْمُلِمُّون بأحوال عصرهم ، وظروف حياتهم .
ثم إن التعامل مع الفتوى يقتضى مراعاةَ تغير الزمان والمكان، فلا يكفي العلمُ بفتوى أصدرها فقيهٌ في قَرْنٍ من القرون الماضية، حتى يتم تنزيلُها على واقعنا الْمُعَاشِ، دون النظر إلى التَّغَيُّر الطارئ على حياة الناس وعاداتهم.
حتى إن ابن القيم رحمه الله عَنْوَنَ فصلًا في إعلام الموقعين، بعنوان: " فصل في تَغَيُّرِ الفتوى واختلافها بِحَسَبِ تَغَيُّرِ الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد".
ثم إن تنزيل الأحكام الشرعية مرتبطٌ بشيءٍ آخرَ، على قَدْرٍ كبيرٍ من الأهمية، كثيرًا ما أغفله الكثيرون، وهو ضرورةُ تَوَفُّرِ الشروط، وانتفاء الموانع التي تحول دون نفاذ الحكم الشرعي في الواقعة محل الفتوى.
فالواقعة قد تتوفر فيها الشروط المناسبة لتنزيل الحكم الشرعي عليها، ولكن تقوم موانِعُ تَمْنَعُ من إمضاء الحكم. وهذه دقيقةٌ لا يَلْتَفِتُ إليها إلا مَنْ رسخ قدمه في العلم، وأحاط علمًا بمفردات زمانه.
هذه جُمْلَةٌ من الضوابط المرعية عند تنزيل الحكم الشرعي على واقعةٍ أو حادثة ما، لا يكفي فيها مجرد القراءة والاطّلاع على الكتب الشرعية ، وحفظ متونها ، وقراءة شروحها وحواشيها، بل لا بُدَّ من مراعاة الاعتبارات الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا .. وما أَفْقَهَ ابن القيم رحمه الله، وهو يقول مُقَرِّرًا هذه الحقيقة :
" ومَنْ أفتى الناس بِمُجَرَّدِ المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفِهم، وعوائدهم، وأزمنَتِهم، وأمكنتهم، وأحوالهم، وقرائِنِ أحوالهم، فقد ضلّ وأَضَلَّ ، وكانت جنايتُه على الدين أعظمَ من جناية مَنْ طَبَّبَ الناسَ كُلَّهُم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم، بما في كتابٍ من كُتُبِ الطِّبِّ على أبدانهم، بل هذا الطبيبُ الجاهلُ، وهذا المفتي الجاهل، أَضَرُّ على أديان الناس وأبدانهم.. ".
ماهية فتوى التترس :
نشأت هذه المسألة من واقِعِ حروب المسلمين الجهادية؛ إذ لجأ الكفار إلى التترس ( الاحتماء ) بأسرى المسلمين، حتى إذا لجأ المسلمون إلى رَمْيِهِم أصابوا إخوانهم، وفي الوقت ذاتِهِ، فالامتناع عن رَمْيِهِم يُعْطِي الفُرْصَةَ للكفار للرمي، وإصابة المسلمين.
هذا هو الواقع الذي نشأت فيه الفتوى، فماذا قال فيها العلماء؟
ننقل هنا كلامًا نفيسًا للإمام الغزالي – رحمه الله - : " إنّ الكفار إذا تَتَرَّسُوا بجماعةٍ من أُسَارى المسلمين، فلو كَفَفْنَا عنهم لَصَدَمُونا، وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافّة المسلمين ، ولو رَمْيَنا التُّرْسَ لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عَهْدَ به في الشرع! ولو كَفَفْنَا لَسَلَّطْنَا الكُفَّار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضًا.
فيجوز أن يقول قائل : هذا الأسير مقتولٌ بكل حال، فحِفْظُ جميع المسلمين أَقْرَبُ إلى مقصود الشرع؛ لِأَنَّا نعلم قطعًا: أنّ مقصود الشَّرْعِ تقليل القتل، كما يقصد حَسْمَ سبيله عند الإمكان، فإن لم نَقْدِر على الحسم قدرنا على التقليل.
ثم يقول : لكنّ تحصيلَ هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل مَنْ لم يُذْنِب، غريبٌ لم يَشْهَدْ له أصلٌ مُعَيَّنٌ.
فهذا مثالُ مصلحةٍ غيرِ مأخوذة بطريق القياس على أَصْلٍ معين، وانقدح اعتبارها باعتبارِ ثلاثة أوصاف؛ أنها ضروريةٌ قطعيَّةٌ كُلِّيَّة، وليس في معناها ما لو تَتَرَّسَ الكُفَّار في قلعةٍ بمسلمٍ؛ إذ لا يَحِلُّ رَمْيُ الترس؛ إذ لا ضرورة، فنَعْدِلُ عنها إذْ لم نَقْطَعْ بِظَفَرَنِا بها؛ لأنها ليست قطعيةً بل ظنية .... " اهـ .
ويقول الإمام ابن قدامة – رحمه الله - : «إنْ تَتَرَّسُوا بمسلمٍ، ولم تَدْعُ حاجةٌ إلى رميهم؛ لكون الحرب غيرَ قائمة، أو لا مكان للقدرة عليهم بدونه، أو للأمن من شَرِّهِم لم يَجُزْ رميهم، فإنْ رماهم فأصاب مسلمًا فعليه ضمانُهُ، وإن دعت الحاجة إلى رَمْيِهِم للخوف على المسلمين جاز رميهم؛ لأنها حالةُ ضرورة، ويَقْصِدُ الكفار، وإن لم يَخَفْ على المسلمين، لكن لم يقدر عليهم إلا بالرمي، قال الأوزاعي والليث: لا يجوز رميهم؛ لقوله تعالى: «ولولا رجال مؤمنون....... الآية».
قال الليث: «تَرْكُ فتح حِصْنٍ يُقْدَرُ على فتحه، أفضلُ من قَتْلِ مسلم بغير حق». وقال الأوزاعي: «كيف يرمون من لا يرونه؟ إنما يرمون أطفالَ المسلمين»، وقال القاضي الشافعي: "يجوز رَمْيُهُم إن كانت الحرب قائمةً؛ لأنّ تَرْكَهُ يُفْضِي إلى تعطيل الجهاد"
وسأكتفي هنا بهذين النقلين، دَرْءًا للإطالة، وإحالةً على مظانها.
عَوْدٌ على بدء :
فانظر معي إلى كلام الغزالي، وهو يضع لنا ضوابِطَ صارمةً لتطبيق الفتوى؟!
فقد شرطها بثلاثة شروط، وهي أن تكون ضروريةً جامعةً كُلِّيَّةً، فأي ضرورة في تفجير سفارةٍ في دولةٍ ذات سيادة ؟ ! وأي نَفْعٍ سيعود على المسلمين بتفجيرها ؟! ناهيك عن كَمِّ المفاسد الْمُنْتَظَرِ من جراء مثل هذه العمليات التفجيرية ؟ !
بل انظر إلى الغزالي – رحمه الله – وهو يمنع نفاذ الفتوى إذا تترَّسَ الكفار في قلعةٍ لن يُقْطَعَ بالوصول إليهم، فهنا نعدل عنها ..
وابن قدامة – رحمه الله – يمنع من الرمي خوفًا على المسلمين إذا لم تكن الحرب قائمةً، أي حادثةً وقت الرمي ، مع القطع بالقدرة عليهم، بل إذا حدث وأُصِيبَ مسلمٌ جَرَّاء الرمي فيجب الضمان!
فمن يضمن مسلمي اليوم الذين يموتون جَرَّاء تفجيرات عشوائية لا تُقِيم دينًا، ولا تُصْلِح أوطانًا؟! بل قد يُقْتَلُ المرء وكل ذنبه أنه تَوَاجَدَ قَدَرًا في مكان التفجيرات، كما كان شأن الأربعة المدنيين الذين قُتِلُوا في تفجيرات صنعاء الأخيرة!
من يضمن المسلمين الذين قُتِلُوا في المحيا بالسعودية، وفي المغرب، وفي الجزائر حتى وقتنا الراهن، وأخيرًا في صنعاء؟!!
وما أنفس ما قاله د./ عصام دربالة في كتابه الهام " استراتيجية القاعدة " :
" فقد حدد العلماء عدة شروط للقول بجواز رمي الترس المسلم، وهي :
1. أن تكون حالة الترس بالمسلم قائمةً، وعلى غير رضًا منه بذلك .
2. ألا يقصد رَمْيَ الترس، إنما يقصد رَمْيَ مُهْدَرِ الدم ، وأصحاب التفجيرات غالبًا ما يبدءون أوّلًا بِقَصْدِ الحراس بالقَتْلِ – أيِ التُّرْسِ- وفقًا لتفسيرهم- قبل استهداف الضحية.
3. ألّا يكونَ هناك وسيلةٌ أخرى تُحَقِّقُ المقصود، سوى الرمي بما يؤدي إلى العام – أي المارّ المتسع الذي لا يُمَيِّزُ – أما إذا وُجِدَتْ وسيلةٌ أخرى فلا يجوز ذلك.
4. أن تكون هناك ضرورةٌ لرَمْيِ الترس، بحيث لو لم يتم رَمْيُهُ؛ لأدى ذلك إلى هزيمة المسلمين، ومن ثم أيضًا قتل الترس بعد ذلك بأيدي المتترس بهم "
وأكاد أجزم أن فتوى كفتوى التترس إذا احتاج إليها مسلمو اليوم لانْعَقَدَ من أجل إقرارها وتنزيلها على واقعنا المعاصرِ مَجْمَعٌ فِقْهِيٌّ يضم بين جنباته خِيرةَ مجتهدي الأمة، لا أن يُقَرِّرَهَا شبابٌ بمجرد النظر في كتب السلف ، وأَخْذِ نُتَفٍ من هنا، ونُتَفٍ من هناك؛ لصناعةِ نَسَقٍ فِكْرِيٍّ، تُهْدَرُ على أساسه دماءٌ صانتها الشريعة، وجعلت إهلاكَ نفسٍ واحدةٍ منها كإهلاك الناس جميعا.
واليوم يُطَالَبُ علماءُ الأمة، الذين يَحْظَوْنَ بمكانةٍ لدى شباب الصحوة، بتدشينِ جهدٍ عِلْمِيٍّ مُوَسَّعٍ؛ لِنَقْدِ هذه الأفكار، وعدمِ الاكتفاء ببيانات الشجب والإدانة وفقط؛ حتى لا نتركَ ثَغْرَةً يَنْفُذُ منها أعداء الإسلام بعد كل حادثةٍ؛ لمحاصرتنا بحجة محاربة الإرهاب ومكافحته!
والأهم: حتى نبرأ إلى الله من هذه الدماء التي تُهْدَرُ دون وَجْهِ حَقٍّ!!

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

  1. 1 - ندى مساءً 05:02:00 2009/04/07

    بارك الله فيكم وجزاكم كل خير على الموضوع

  2. 2 - أثير العراقي ًصباحا 05:14:00 2011/08/30

    "من يضمن المسلمين الذين قُتِلُوا في المحيا بالسعودية، وفي المغرب، وفي الجزائر حتى وقتنا الراهن، وأخيرًا في صنعاء؟!!" هناك بلد لم تذكروه إسمه العراق حصل فيه ويحصل فيه أسوأ مما حصل في السعودية والمغرب بكثير جدا

  3. 3 - الزبيدي مساءً 08:21:00 2011/11/12

    علينا بالجهاد وحسابنا على الله بنيتنا واخلاصنا

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف