الرئيسة » مقالات » نقد ومراجعات
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
ميكي ماوس .. وأزمة الإعلام العربي
الاثنين 14 شوال 1429 الموافق 13 أكتوبر 2008
 
ميكي ماوس .. وأزمة الإعلام العربي

الإسلام اليوم / خاص

اندهشت كثيراً وأنا أقرأ بعض الصحف المصرية هذا الأسبوع، وأفاجأ بها، وهي تنتقد في صفحتها الأولى ما أسمته "فتوى إهدار دم ميكي ماوس"!!
كنت أظن أن الكلام في هذه الحكاية استنزف وقتاً من الغثاثة والاستخفاف بالعقل، إلى حد أنه لم يعد يليق بأي إعلام محترم أن يعيد ويزيد فيها، ولكن ما حدث ويحدث -حتى الآن- في هذه المسألة يكشف عن أزمة مركبة في الإعلام والثقافة العربية، أعتقد أنها تحتاج إلى بعض الكشف.
المسألة ـ كما اتضح ـ لا صلة لها بالفتوى، وإنما بحوار تلفازي مع الداعية الشيخ محمد صالح المنجد تحدث فيه عن أثر الصورة على الوعي الديني، خاصة لدى الأطفال، واستشهد بأفلام الكرتون الغربية التي "تطبع" نفسية الصغار مع حيوانات أو كائنات مستقذرة شرعاً وفطرة، مثل الفئران والخنازير، وبعضها يُقتل في الحل والحرم كما الفئران لضررها الشديد صحياً وبيئياً واقتصادياً (الصين كانت ترصد مكافأة مالية لمن يقتل أكبر عدد من الفئران)، وضرب مثلا بأفلام (ميكي ماوس) التي تروّج لحب الفئران، وأعمال فنية أخرى تروّج لحب الخنازير والكلاب، مما يخالف الرؤية الثقافية الإسلامية.
هذه الإشارة الثقافية العادية التقطها موقع أمريكي معروف بترصّده للإعلام العربي من أجل التشويه والإساءة، فقدمه على أنه "فتوى" دينية إسلامية بإهدار دم (ميكي ماوس)، طبعاً الصياغة كان مقصوداً منها الإثارة وجذب الانتباه، غير أن الفضيحة الحقيقية أن صحفاً كبيرة ووسائل إعلام أمريكية وأوروبية كبيرة نقلت ما اعتبرته "فتوى" على الفور، وحولتها إلى مادة للتندّر والسخرية من الإسلام والمسلمين والعرب، على النحو المعتاد.

هناك آلاف الأفلام والمسلسلات التي تختلق الأكاذيب على المسلمين والعرب للإساءة والسخرية العرقية والدينية، وكان المذيعون في بعض البرامج يطلقون قصة "إهدار دم ميكي ماوس" ليطلقوا بعدها موجة من الضحك والتنكيت، وحدث ذلك حتى في نشرات أخبار، الفضيحة هنا أن أياً من وسائل الإعلام الغربية هذه لم يفكر في العمل وفق ألف باء الخبرة المهنية، وهي التحقق من الخبر، بالاتصال بالجهة المنسوبة إليه، خاصة عندما يكون بهذا القدر من الغرابة وصعوبة التصور مما يحتاج إلى التحقق والتأكد من صدوره بالفعل، وهو أمر لن يكلف أكثر من دقائق معدودة من أي مكان في الأرض، ومع ذلك لم يفعل أحد منهم ذلك، وهذا الموقف لو حدث في أي واقعة أخرى لا يكون العرب والمسلمون طرفاً فيها، لخضع كل من نشر هذا الخبر للتحقيق الإداري والفني من المؤسسة الإعلامية التابع لها؛ لأن هذا يمثل سقوطاً مهنياً لا يمكن تجاوزه، ولكن لأن السخرية جاءت على ما يهوى الجميع هناك، فإن أحداً لم يسأل ولن يسأل عن القواعد المهنية للتحقق.

غير أن المصيبة الأكبر حدثت في الإعلام العربي؛ إذ فوجئت ببعض الصحف وبعض الأقلام تعلق بنفس السخرية، مضافاً إليها غضباً مصطنعاً وغيرة متكلفة على الفتوى والدين، من غير أن يكلف أحدهم نفسه دقائق معدودات للتحقق من القصة أصلاً، أو سؤال صاحبها المنسوبة إليه، وكأن هذا "البعض" في الإعلام العربي كان ينتظرها بلهفة وشوق، على الرغم من عدم معقوليتها، حتى إن "الضجة" عندما وصلت إلى مصدر الكلام الأصلي المنسوبة إليه(الشيخ المنجد) أُصيب بالذهول من غرابة الكلام وقال: "وهل ميكي ماوس له دم حتى أطالب بإهداره"؟!
وأكد أن أي طفل يستطيع أن يستسخف الحكاية ويستغرب الكلام، وهو محق في ذلك، ولكن الإعلام العربي -فيما يبدو- لم يشأ أن يرقى حتى إلى مستوى الوعي الطفولي!!
وإذا كنا نفهم السلوك الإعلامي الغربي في هذا الموقف بوصفه "ترصّداً" بالإسلام والعرب ورغبة مكبوتة في السخرية والاستهزاء لها آلاف السوابق في الإذاعة والتلفاز والسينما والمسرح، بآلاف الأعمال التي تختلق الأكاذيب عن أخلاق العرب والمسلمين وسلوكياتهم، إلاّ أننا يصعب أن نستوعب سلوك بعض وسائل الإعلام العربية تجاه هذا الموقف، سوى أن يكون الأمر خضوعاً لهيمنة الإعلام الغربي واعتباره مرجعاً لا يقبل التشكيك أو حتى التحقيق فيما يبثه، حتى فيما يخص أدق هموم ثقافتنا نحن، وهذه تبعية معرفية وثقافية كنا نتصور أن الإعلام العربي ـ بعد ثورة الفضائيات والإنترنت ـ قد وصل إلى درجة من النضج والرشد تتيح له تجاوزها.

كما أن الواقعة تكشف عن نزوع بعض المشتغلين بالإعلام أو الثقافة العربية إلى "التعالي" على الواقع والمجتمع، والتكبر على كل شيء في ثقافة الأمة وسوادها الأعظم، فيتمثلون ـ زوراً ـ دور الحكيم الذي يرى ما لا يراه الآخرون، وأنهم هم الذين يدركون ما يُقال وما لا يُقال في الدين والدنيا سواء، وهو نوع من الكبِر والغلوّ في تقدير الذات يورث أصحابه المهالك، ويورّطهم في أن يكونوا "جسراً" لمرور الأكاذيب وممراً لترويج الشائعات السخيفة التي يستحي العقلاء أن يردّدوها، أو أن تُنسب إليهم صدوراً أو مروراً، على النحو الذي حدث -وما زال يحدث- في حكاية قتل (ميكي ماوس).

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم