آخر تحديث الساعة 16:01 (بتوقيت مكة المكرمة)

ديكتاتورية العقلاء أو ديموقراطية البسطاء

الخميس 17 جمادى الآخرة 1438 الموافق 16 مارس 2017
ديكتاتورية العقلاء أو ديموقراطية البسطاء
 

 

حديثي سينصب على أحد أهم تطبيقات الديمقراطية وهي مبدأ الحاكمية أو السيادة الشعبية، مبتعداً عن بسط الكلام فيها من زاوية شرعية خالصة قد لا تكون محل إلزام للبعض ولكثرة ما كُتب عنها من فقهاء المسلمين، وإنما من منطلق سياسي وإنساني. المناهج والرؤى المتعلقة بالشؤون الدنيوية بشكل عام لا يحكم عليها بالسلب والإيجاب وهي في أول مسلكها، بل عقلاً وعدلاً يكون التقييم بعد حين من التجربة، ويزداد القطع بالحكم عليها كلما مرت على مراحل متباينة وظروف مختلفة. الشيوعية والاشتراكية على سبيل المثال بقيت تنظيراً وتطبيقاً قرابة القرن حتى حُكِم بفشلها من قبل أصحابها ومعتنقيها قبل خصومها، فنجد أن الدول التي انتهجت المذهب الشيوعي تحولت الى رأسملة أسواقها والملكية الفردية وسياسة العرض والطلب وفتح الأسواق وشبه اندراس لتوغل الحكومات في معاش الناس ونحو ذلك.

في العهد الحالي وصل إلى سدة الحكم بعض الرؤساء فاقدي الأهلية السياسية ممن ليست عندهم الحدود الدنيا من قطعياتها وثوابتها وأدبياتها كأحد مخرجات الدساتير الغربية، حيث تسمح طبيعة الأنظمة القائمة على الديمقراطية لكثير من دهماء الناس في الوصول إلى موقع مؤثر في صنع القرار من خلال تبني أفكار أغلبية الشعب ولو تضاربت مع الأعراف الشرعية والحقوق الفردية والقيم الاخلاقية وكفى به عيباً ونقصاً، ولو رام صناع القرار وصفوة القوم التقليل والتخفيف من آثار هذه العواقب بسن القيود وفرض ضوابط ومعايير للترشح ستحتج الشعوب على الأغلب لأنها ستدرك أن هذا الباب سيحرمها من أهم حقوقها وفق ما نصت عليه أنظمتهم الدستورية، والتعديلات ربما تُخْرِج الديمقراطية عن وضعها الاصطلاحي. هذا مع التسليم بصعوبة خطف الظفر بالانتخابات من مستقلين في ظل وجود أحزاب مهيمنة تملك من النفوذ، والأسبقية التاريخية في الظهور السياسي، والداعمين، والتغلغل الشعبي، والآلة الإعلامية، مما يُعسِّر على آحاد الناس -ممن لا يحظون بملاءة مالية وأصوات شعبية توازي ما تملكه هذه الأحزاب- إمكانية اعتلائهم عرش الحكم. وان كانت بعض الدول تحد من هذه الثغرة عن طريق التصويت أو الاقتراع غير المباشر لاختيار المرشح للرئاسة ضمن نماذج وأشكال مختلفة مثل المجمع الانتخابي كما هو مطبق في أمريكا حيث أن أعضائه المفوضين من الناخبين لاختيار مرشح محدد ليسوا بملزمين بهذا التوكيل الشعبي، أو تفويض أعضاء البرلمان كما هو حاصل في بعض الدول.

نجد ان أفلاطون مثلاً والذي عاصر الديمقراطية بمفهومها القديم التي تتقاسم المعنى الحديث من حيث الإيمان بمبدأ السيادة الشعبية ويختلفان في حدود من يملك هذا الحق من الناس كأحد المتماثلات والمختلفات ينتقد الديمقراطية واصفاً إياها بأنها تعطل المصلحة العامة على حساب المصالح الشخصية، ونتيجة لذلك تطفو على السطح الكثير من مظاهر الغرائز البشرية وتندثر القيم العدلية لمَّا سادت عامة الناس ممن يفتقرون إلى التأهيل أو الكفاءة والتي تخولهم إياها بناءً على نُظُمهم التي تتبنى الديمقراطية نهجاً دستورياً، وهذا أحد ما تخشاه وتتخوفه الشريعة الاسلامية؛ ولذلك من المقرر فيها أن المصلحة العامة مقدمة على المصالح الشخصية، ومصلحة الجماعة أولى من مصلحة الفرد؛ حيث أنها ترتكز على الذاتية السلبية وتقديم النفس على الغير. طبيعة الأنظمة التي ترتكز على النهج الديمقراطي قد تسمح للأحزاب أو الرؤساء بالتغافل عن المساهمة في القضايا العادلة، والتجاهل عن الظلم الحاصل على المستوى الداخلي أو الدولي خوفاً من انخفاض شعبيتهم وفقدان دعم ناخبيهم، وبالتالي يفضلون النأي بأنفسهم -من خلال تبريرات غير مطردة- عن التدخل المحمود لرفع المظالم المذمومة وانتزاع الحقوق المغصوبة، فآثروا مصالحهم الخاصة على حساب ما ينبغي أن يقوموا به؛ طمعاً في الحفاظ على التأييد المحلي ولضمان البقاء في السلطة لدورة انتخابية لاحقة. 

المتأمل في واقع الدول العاملة بهذا النهج يلحظ أن شعوبها تختار الحزب وإن كان واهناً والذي يرتكز برنامجه الانتخابي على سبيل التمثيل على عدم المساس بأجور العاملين، والوعد بخفض الضرائب وخزائنها البنكية ربما تكون شبه خاوية، وإلغاء الالتزامات التجارية والمعاهدات ونحو ذلك لغُنْم ود الناخبين وولائهم وجَنْي أصواتهم بالعمل على مصالحهم ومسايرة توجهاتهم، بينما الحال يتطلب ويستوجب عكس ما ذكر؛ مما يُحَمِّل الفترات الانتخابية اللاحقة حملاً لا تقواه، وعبئاً لا تهواه. ومع هذا فإنه في كثير من الأحوال حين يصل المرشح أو الحزب الفائز إلى موقع يتحمل من خلاله المسؤولية تتغير نبرة الصوت وإطلاق الوعود وتسفيه السلطة السابقة؛ لاطلاعه على ما كان خافياً، وحصوله بحكم منصبه على ملفات لا تراها المعارضة، ولكون الأنظار شاخصة إليه، فمن الأفضل على من تستهويه المعارضة أن يضع هذا في الحسبان لكي يبرر لنفسه حينما يعجز عما يدعو إليه حين الوصول إلى موقع من كان ينتقدهم.

كذلك مما يلاحظ أن جمعاً من الأحزاب المناوئة تجنح وتصير إلى مواجهة برامج وسياسة الحزب الحاكم ولو كانت الحاجة تدعو إليها، وتقر تلك الأحزاب المعارضة باطناً بأهميتها؛ سعياً في تشويه الحزب الحاكم والتضييق عليه، وتأليب الرأي العام ضده؛ فعن العدل يحيدون وإلى الظلم يركنون، وإلا كيف لها أن تتولى الحكم لولا عبور هذا الطريق وسلْك هذا السبيل في كثير من الأحايين؛ فتراهم يفتقرون الى الأخلاق السياسية لعدم وجود آليات تمنع مثل هذا الممارسات؛ والتي قد تعرض مصالح الأمة لمخاطر لا تُبتغى وعواقب لا تُرتجى.

وَمِمَّا يجب استحضاره في هذا الباب كون بعض الدساتير الغربية تؤكد تنصيصاً أو ضمنياً لتوقيعها على معاهدات أو تسليماً للقانون الدولي والاتفاقات الأممية المعنية بحقوق الإنسان وغيرها على صون حقوق الأقليات كالحرية في المعتقد، وتقلد المناصب العليا، وتحقق العدالة الجنائية، إلا أن الواقع -في مراحل زمنية متباينة وان لم يتصف بصفة الدوام- يشهد تهديداً لمثل هذه الحقوق، وغضاً للبصر، وتجاهلاً بينا من قبل الطبقة الحاكمة لئلا تكدر إرادة وميول المجموعات الناخبة والأنصار، فنجد أن المعاني الأخلاقية والمصالح العامة تتوارى بالتصريحات المجملة والبيانات المتشابهة -إن لم يكن من التعليق واتخاذ موقف بد-. وتزداد دواعي التملص من هذه الحقوق والإلتزامات كلما كانت العقائد أو الأعراق المهيمنة في خطر.

ومما ينبغي الإشارة إليه أن تلك النظم والأمم ربما يسهل اختراقها كونها تقوم على أساس الاختلاف والتخاصم ومؤدَّاها التهاكل والتنازع في الرؤية والمنهج كأحد آثارها، فضلاً عن الفرقة بين الأحزاب المتصارعة والتي ربما تنعكس على الطبقة الناخبة.

الغلو في التمثيل الشعبي وأحقية الفرد العادي أن يكون له صوت ظاهر على المستوى السياسي كأحد متطلبات العدالة السياسية انسحب على المجال القضائي في الدول التي تتبنى نظام هيئة المحلفين، فمن خلاله تدْلُوا مجموعة من عامة الناس أُختيروا اقتراعاً بما لا يزيد عن اثني عشر شخصا -وفقاً لشروط محددة ليس من بينها كونهم يملكون التأهيل القانوني- برأيها بشكل يؤثر في أكثر من وجه على قرارات المحاكم والقضاة خاصة فيما يتعلق بالقضايا الجنائية، حيث أن هذه الوسيلة أدعى للوصول في نظرهم إلى العدالة القضائية، ومن نافلة القول أني سألت أحد القضاة في أمريكا عن هذا فلم أَجِد إلا امتعاضاً من هذا المسلك. هل تسمح هذه النظم لعامة الناس أن يتدخلوا في أعمال بعضهم البعض في جميع التخصصات للتحقق من الوصول إلى إنتاج فكري أو مادي على نحو أكثر ارتضاءً وقبولًا قياساُ على ضمان المحاكمة العادلة؟ هل نسمح بتدخل فرادى الناس في عمل الأطباء للحيلولة أو التخفيف من الأخطاء الطبية على سبيل الاعتبار بما هو حاصل من اختيار المواطنين عشوائيا لتكوين هيئة محلفين.

لعلَّ الثَّغرات اليسيرَة في الأنظمة الدستورية أن تُغتفر وربما أمكن ملؤها، بينما الشقوق الكبيرة والنقائص العريضة تُبرز الحاجة إلى إعادة هيكلتها، ولا ينفع معها بعض الدواء وإلا لكان كمن يسكب ثلجا على فوهة بركان. وهذا ما تحتاجه الأنظمة الديمقراطية الحديثة حيث إن من مآلاتها وآثارها أن ارتفع صوت خلق كثير من الشعوبيين، وخَفَت صوت من بالعقل راجحين وللأمة ناصحين. ربما توصل الديمقراطية ثاقبي النظر وصائبي الفكر، ولكن أهذا الحال يكون على التأبيد أو التأميد. بينما الحال في الأنظمة الدستورية في العالم المنعوت بالثالث أن السلطات الثلاث تتركز بيد الحاكم، فعلى الرغم من الجدل الذي تصحبه تلك السياسة إلا أن وجود حاكم عادل وعامل وذو رؤية ثاقبة فوق كل هذه السلطات سينهض بالدولة بشكل أسرع مما هي عليه عند الأنظمة الديموقراطية التي كثيراً ما يصادف حكامها ورؤساؤها عقبات على المستوى التشريعي أو القضائي أو الشعبي يحد من تحقيق أهدافهم وقراراتهم فيما لو كانت نبيلة وسامية، فربما تطول عملية تغيير الخلل أو العيب الذي يراد اصلاحه، وإن كان تعزيز الفصل بين السلطات الثلاث ربما يحد من مخاطر ما تجنيه وتحصده سياسات وحماقات السلطات التنفيذية.

وليس القصد بعد هذا تجويز وتبرير واقعٍ من عدمه، أو التمجيد للنظم السياسية المعمول بها حالياً من قبل بعض الدول الاسلامية ففيها من النقص الكثير، أو السقوط الكلي في حق الأمم أن يكون لها دور في تولية من يتولاها ويقوم على شؤونها ويعمل على مصالحها وفق ما تناوله فقهاء المسلمين، أو استدعاء تجارب أو نماذج قُدِّر لها الفشل للحكم بفسادها، أو رَفْض كل ما عند الغرب من النظم فبعضها سُنَّ وقُرِّر بل وعُمل به في بلاد المسلمين كالنضج في مجال مكافحة الفساد، وتنازع أوتضارب المصالح، ومواجهة المحاباة، والإستقلال القضائي ونحو ذلك من النظم والسياسات مما لا يتعارض وشرع الله، لكن المقصود ذكر وإيراد ما للنظامين المتقابلين المطبقيْن حالياً من بعض المحاسن والمفاسد في هيكليْهما، وتبيان ما يعتري النظام الغربي من ثلمات عريضة سمحت بمثل ما آلت إليه بعض الدول.

ويحسن التنبيه إلى توخي الدقة عند تناول هذا المصطلح -الديمقراطية- الذي تعددت مفاهيمه وتباينت تصوراته؛ فنجد أنها تحمل معنا في السابق على خلاف ما هو مستقر عليه في عصرنا الحاضر عند المشتغلين بالعلوم السياسية مع بعض القواسم المشتركة، والتي هي في تحديث وتطوير مستمر، فضلا عن توسع الناس في مجالات استعمالات هذا اللفظ، و إنزاله على معانٍ تختلف عما اصطُلح عليه علميا، مما يستوجب على البعض التريث عند الاستفتاء مثلا، والاستفصال عن هذا المفهوم حتى لا يطلق حكما بالسلب فيكون أحد مدلولاته مستحسناً شرعاً، ويسري التأني على غيره من جنس هذا المصطلح.

ويبقى أن هناك وجهات نظر تنازعنا الرأي في بعض من وصل إلى سدة الحكم، حيث أن قسما من الناس لا يقطعون بأمر ما مالم يرونه ويتحسسونه، كمن لا يُؤْمِن بشمسٍ حتى يقلبها بين يديه، والمعضلة أننا لن نسمع حسيسهم ناهيك عن آرائهم فقد أحرقهم لهيبها! ومنشأ هذا العتب أن هذا القسم لا يُحسن استشراف النتائج والمآلات فيما وُضع من سياسات، بل ينتظر حتى يراها عياناً بياناً. وأكاد أجزم أن النتائج السلبية للقوانين الدستورية الغربية لم تقارب الإجماع على نقدها بمثل ما قاربت منه عليها اليوم.

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف