آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مراجعات مشروع النهضة الجزء الأول

الجمعة 17 رجب 1438 الموافق 14 إبريل 2017
مراجعات مشروع النهضة  الجزء الأول
 

 

 

المراجعات الفكرية ونقد الأفكار من داخل الحركات الإسلامية ظاهرة موجودة، لكن ليست بذلك الانتشار والقبول، حيث في كثير من الأحيان تفضل الحركات الإسلامية أن يكون النقد والمراجعات الفكرية داخليا وفي دوائر مغلقة، حفاظاً على تماسك بنية الحركة وحفاظاً على المكاسب. هناك نوع من المراجعات من لدن الإسلاميين جرت خلال العقود الماضية وظهرت كتب وملتقيات ومشاريع تدعم هذا المسار، حيث للدكتور عبدالله النفيسي كتاب عن نقد الحركة الإسلامية يشمل عدد من المفكرين الإسلاميين أمثال المرحوم حسن الترابي (السودان)، طارق البشري و محمد عمارة و فريد عبدالخالق (مصر)، وصلاح الدين الجورشي (تونس)، بالإضافة لعدد آخر من المفكرين الإسلاميين. كما أن هناك إسهامات فردية كتبت عن ضرورة تقديم مراجعات فكرية للحركات الإسلامية، من أهمها كتاب المرحوم الشيخ فريد الأنصاري عن الأخطاء الستة للحركات الإسلامية وهي معنية بمراجعة الحركة الإسلامية في المغرب العربي. أيضا للدكتور راشد الغنوشي مساهمات متعددة في نقد الحركات الإسلامية سواء بالمقالات أو حوارات، ومن أهم هذه الأعمال هو كتاب مسيرة الحركة الإسلامية وأيضا كتاب من تجربة الحركة الإسلامية في تونس. وفي مرحلة سابقة كتب الشيخ القرضاوي عدة كتب في نقد الصحوة من أهمها كتاب الصحوة من المراهقة إلى الرشد.

 

هذا النوع من المراجعات لا يتوقف ومن فترة إلى أخرى تخرج بعض المقالات والكتب من داخل الأطياف القريبة من الحركات الإسلامية تحاول أن تمارس نوع من المراجعة والنقد لها، لكن صدى هذه الكتابات محدود و ربما غير مرغوب فيه داخل أورقة الحركات الإسلامية ويتم تجاهل هذا النقد، وكأن الأمر لا يعنيهم. وفي بعض الأحيان يتم إقصاء الكاتب والتعامل معه نقده على أنه خطيئة لا يجب أن تمر على أي فرد من أفراد الحركة الإسلامية لكي لا يتأثر بالنقد والملاحظات الفكرية الموجهة للحركة الإسلامية. هناك ثقة شبه تامة داخل أورقة الحركات الإسلامية أن المراجعات التي تأتي من إسلاميين ليس لهم انتماء تنظيمي هي نوع من العبث، ولا يجب أن يسمع لهم، بحجة أنهم لا يعلمون ماذا يجري داخل أروقة الإسلامين، لكن الحقيقة أن أفكار الإسلاميين الحركيين هي ذاتها لم تتغير، وهناك تأكيد على بعض الأفكار، لكن ربما يتغير شكل التعامل والتعاطي، لكن تبقى الأفكار الأساسية الحاكمة لمنطق "التنظيم" أو "الحركة" واحدة. حيث جمود في التعاطي الفكري مع القضايا والأفكار الأساسية والسبب يعود لمصدر المرجعيات الفكرية التي يتم استقاء الأفكار منها. في الخليج العربي تعتبر أفكار الشيخ محمد أحمد الراشد هي الأفكار الصلبة التي يتم تنشئة أفراد الحركة عليها، وبعض كتب المرحوم الشيخ سعيد حوى وبعض كتابات المرحوم الشيخ فتحي يكن، والعجيب والغريب أن كل من حوى ويكن تراجعوا عن الأفكار الصلبة والمركزية الداعمة للحركات الإسلامية.

 

في الخليج والجزيرة العربية، ربما مساهمات الدكتور جاسم السلطان واحدة من أهم المراجعات التي قُدمت بشكل مختلف كلياً عن جل المراجعات العربية السابقة،  حيث تجربة الدكتور جاسم مع الحركة الإسلامية طويلة وله محاولات مبكرة لإصلاح عالم الأفكار داخل عقل الحركة الإسلامية. كتب في مرحلة مبكرة "حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة "قراءة في فكر الإمام حسن البنا"، حاول الكتب أن يقدم رؤية عصرية عن أفكار حسن البنا بمنهجية علمية تعتمد على دراسة التاريخ والواقع، ويؤكد في فصل كامل على دراسة التاريخ الإنساني و مراحله وأطواره، ثم دراسة تاريخ الأمم الناهضة والمتقدمة، ثم دراسة تاريخ حركات النهضة والتغيير وضرورة دراسة الواقع بإستخدام التحليل الوصفي (النوعي) و الإحصائي (الكمي)، ثم قدم قوانين للنهضة مستخلصاً تجارب وتأملات فلسفية وفكرية أساسية في التغيير، وفي آخر فصلين يقدم الدعوة لمشروع النهضة ومرجعية مشروع النهضة.  قُدم هذا الكتاب بلغة منهجية، وأيضا بلغة تشرح للإخوان بشكل خاصة أفكار حسن البنا، وكيف يمكن تفعليها بدلاً تمجيدها والتبرك بها كإيديولوجيا حتمية، حاول الدكتور جاسم في هذا الكتاب أن يرسم طريق جديد يساهم لفتح باب مرحلة جديدة و تقديم نقد عن التصورات الحالية والمتخيلة للجماعة، لكن لم يحدث أي شيء من هذا وبدلا من يكون الكتاب مفتاح للمراجعة والنقد لحال الحركة الإسلامية صار الكتاب بمثابة صك لدى الجماعة يحملونه إلى خصومهم لكل من يشكك في مشروع حسن البنا.

 

في سنوات لاحقة أعاد الدكتور جاسم ترتيب مشروعه الفكري "مشروع النهضة" بمبادرة ذاتية لكل من يرغب أن في إيجاد حلول لانسداد الأفق الإسلامي والإنغلاق على الذات. حيث كانت ولا زالت الحركات الإسلامية في الخليج ذات وضع صعب، وتعاني من عدم وجود إجابات لتساؤلات عدة وهذا ما ولد حالة من الإحباط لدى بعض أفراد الحركة، مما ولد حالة ملاحظة من التسرب والابتعاد عن مد خطوط تواصل مع الحركة، مما يعني أن هناك كتلة تعلم أن الحركة مفلسة فكريا، و تعاني من ترهل أزمات التساؤلات ربما بعضها مصيري، حيث لا تملك الحركة أدنى إجابة عن هذا النوع من التساؤلات المنطقية والواقعية. على سبيل المثال، يسأل أحدهم ما هو مشروع التنظيم، ما هي الرؤية التي يجب أن تكون بوصلة حاضرة في عقلية أفراد الجماعة؟ تأتي "إجابة الدعوة إلى الله" ، لكن يأتي الرد بأن المجتمع يتفق معك في مجمل ما تقول من أفكار عن الدعوة إلى ولا أحد يخالفك فيها إلا نفر محدود من المجتمع، ولا يستحق أن يكون كيانا حركيا بهذا الحجم لأجل دعوة المجتمع إلى الله كما تشير لأن المجتمع ببساطة مسلم ومتدين إلى حد كبير، وهذا الهدف لا يحتاج إلى بنية تنظيمية فيها نوع من المخاطرة والمجازفة التي لا منطق معها. كانت ولا زالت هذه النوعية التساؤلات والحوارات هي بمثابة مرحلة جديدة للمراجعات الفكرية للحركة الإسلامية.



تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف