آخر تحديث الساعة 06:03 (بتوقيت مكة المكرمة)

مراجعات لمشروع النهضة الجزء الثاني

الاحد 26 رجب 1438 الموافق 23 إبريل 2017
مراجعات لمشروع النهضة  الجزء الثاني
 

 

 

في المقال السابق ذكرنا عن شُح المراجعات الفكرية من لدن التيارات الإسلامية، حيث عني المقال بالتركيز على فكر الإخوان المسلمين بشكل محدد أكثر من أي شيء آخر، في هذا المقال سوف نستعرض المراجعات الفكرية التي حدثت في الخليج والتي عنيت إصلاح ونقد أفكار الإخوان المسلمين. كما أشرنا أن الدكتور عبدالله النفيسي كان له السبق في نقد الإطار الفكري للإخوان عبر ندوة شملت عدد من المفكرين الإسلاميين من سائر العالم العربي، وأيضاً للدكتور جاسم السلطان مساهمة فكرية سوف تقود إلى تحولات كبرى على فكر الإخوان المسلمين خليجياً على الحد الأدنى..

 

بنية أفكار الإخوان المسلمين في الخليج تتفاوت من دولة إلى دولة، حيث أفكار إخوان الكويت متمثلة في جمعية الإصلاح متقدمة على سائر إخوان الخليج في وجود مؤسسة تمثل توجه الإخوان ولها مشاركات وحضور اجتماعي ولها أعضاء في البرلمان وحضور شعبي يتمدد ويتقلص حسب الظروف السياسية والاجتماعية، لكن الوضع في السعودية مختلف، حيث أن هناك ثمة حضور لفكر الإخوان المسلمين لا يأخذ ذات الحضور الكويتي المؤسساتي والصريح، بل أن إخوان السعودية هم ذاتهم يختلفون حسب المناطق التي ينتمون لها والتي تعني إلى أي درجة تأثر الإخوان بالفكر السلفي، حيث يعتبر إخوان نجد متأثرين بالسلفية أكثر من إخوان الحجاز والجنوب، ليس المهم هنا الشكل الوصفي لحضور الإخوان أو هيئة أو هيكله حضور الإخوان، المهم هنا مراجعة الإطار الفكري والمراجعات التي حدث وتحدث في الخليج العربي ويتأثر بها إخوان السعودية.

 

ربما من أهم المراجعات والنقد الذي حصل هو تمثل في ظهور موقع الأحرار في منتصف العقد الماضي، حيث كان الموقع يقدم عدد من المقالات التي تقدم نوع من النقد والمراجعات الفكرية لفكر الإخوان المسلمين، لكن هذا الموقع على قصر فترته كان له تأثير واسع على قواعد الإخوان، حيث كان نوع الكتابات التي قُدمت تحمل نوعا من الجرأة الفكرية في طرح تساؤلات حول أفكار الإخوان. أيضاً ظهرت كتابين صغيري الحجم  لكن عظيمة المحتوى للدكتور مختار الغوث ( في بناء الفكر) و(العقل أولاً)، قدمت هذين الكتابين نقداً ومراجعة هادئة لأزمة التكوين الفكري للإخوان وكيفية وضرورة بناء العقل بالمعرفة والكتب الجادة.

التأثير الأهم الذي حدث هو خروج مشروع النهضة للدكتور جاسم، حيث كانت ثلة من قواعد الإخوان في حالة تململ من رتابة وجمود الإطار الفكري للإخوان، وأن سقف الأفكار محدود إلى درجة أن هناك أزمة في تسرب وعزوف عدد من الأفراد عن القناعة بجدوى فكر الإخوان. كان مشروع الدكتور جاسم "النهضة" منقذ لتلك الشريحة المتعطشة للخروج من الرتابة والجمود الفكري. تمثل مشروع النهضة في تقديم مادة معرفية في كتب ومحاضرات يقدمها الدكتور جاسم السلطان لمن له رغبة في فهم المشروع، حيث طُبع في منتصف العقد الماضي خمسة كتب أساسية: ١- من الصحوة إلى اليقظة، ٢- قوانين النهضة، ٣- فلسفة التاريخ، ٤- الذاكرة التاريخية، ٥- التفكير الاستراتيجي والخروج من المأزق الراهن. كانت ولازالت هذه الكتب بمثابة مقدمات أساسية لفهم ماهية مشروع النهضة، المشروع الذي لا تطغى عليه أيديولوجيا ولا يحمل طابع الأبوية أو الأستاذية، مشروع يقدم المعرفة العميقة والأساسية في قالب معرفي تبسيطي وأساسي للفهم وللمراجعة. حقيقة أن مواد المشروع كانت صدمة معرفية بكل ما تعنيه الكلمة، حيث اللغة المعرفية التي طرحت جديدة على  قواعد الإخوان الذين لم يكن لهم تواصل فكري ومعرفي خارج إطار وأدبيات الإخوان مما جعل لغة المشروع تبدو صادمة لأنها تبين ضحالة وسذاجة الوهم الذي يختزل عقول الإخوان.

مشروع النهضة هو مقدمات 101 في فلسفة التاريخ والذاكرة التاريخية، والإقتصاد وفهم السياسية، أي أن المشروع عبارة مواد فكرية ومعلوماتية عن أساسيات الفكر ومحاولة الفهم والتحليل قبل الشروع في تصورات وهمية لا تجد أدنى إجابات لها. وكأي مشروع فكري يحاول أن يقدم مادة مختلفة قوبل المشروع بالهجوم والتشويه من داخل الإخوان، وهذا ليس بجديد، فصاحب المشروع لم يكن له طموحات أبويه، غير المساهمة الفكرية النزيهة في تقديم محتوى فكري يشكل ويساهم مع الوقت دعم تحول فكري وتصورات لمشروعات أكثر عقلانية وراشدة في أهدافها وتصوراته. كان الدكتور جاسم يقول أن استجابات البشر تختلف من فرد إلى آخر، حيث من الصعب أن يكون الناس كلهم على درجة ومقدرة واحدة من الفعل، من الناس من يكون مشروعه الخاص، ومنهم من يدعم مشروع بجهده ووقته أو ماله، ومنهم من يكون هو ذاته مشروع ( حسب فهمي)، يتسم طرح الدكتور جاسم كان أكثر عقلانية وبساطة وقدره على شرح الأفكار الكبرى بمحتوى ساحر ومذهل.

من خلال كتب الدكتور جاسم ومشروعة فتحت أبواب من التساؤلات والأفكار والقراءات في فضاءاتها الخاصة، حيث من كان مهتم بالاقتصاد سلك الطرق المعرفية والجادة لمحاولة فهم الإقتصاد و إشكالياته وماهيته، وكذلك الاجتماع والفلسفة والإصلاح الديني. ربما يكون الدكتور جاسم السلطان من أهم الإصلاحيين الإسلاميين المعاصرين، حيث قدم طرحاً معرفيا خارج الصندوق وبعيداً عن الدخول في صراعات فكرية، بل إنه تعالى عن كل هذا المعارك وقدم مادة ستبقى مهمة وأساسية للإسلاميين أولا لفهم إشكالياتهم الحقيقة عبر محاكمتها وتطبيقها على إطارها المعرفي. التفاعل الذي أحدثه دخول محتوى معرفي جديد كان ولازال ذو أثر إيجابي في تغيير البوصلة الفكرية، التي تشير أنه آن الأوان أن يتغلب منطق الرشد على منطق الصحوة التي تنحاز للمشاعر على حساب العقل، حيث الصحوة مرحلة أولية تأتي بعدها مرحلة الرشد ثم مرحلة النهضة. فهل آن الأوان أن ينتقل الإسلاميين إلى الرشد في خطابهم و أفكارهم؟




تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف