الرئيسة » مقالات » نقد ومراجعات
إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
فلسفة النص السياسي العربي(2/2)
الاربعاء 8 ذو الحجة 1422 الموافق 20 فبراير 2002
 
فلسفة النص السياسي العربي(2/2)

أنور بن علي العسيري

لعل المتابع لطبيعة النص السياسي العربي تاريخياً يلحظ سمات مميزة؛ فهو نص فرضي أريد له أن يقدم قائمة بعباراته وملامح نموذجه في مجتمعات لاتنتمي له؛ فاضطر إلى بذر بذور الكسر ، واستخدام مصطلحات الإجبار. هذا النص وهذه الفلسفة "الهوبزية" المستخدمة منذ قرون لا تتيح تشكيل مجتمع إسلامي مبدع واعٍ متفتح ، فشعور المرء بإنسانيته هو ما يمنحه القدرة على التميز وبالتالي ينسحب هذا التميز على شكل الأمة ، على عكس الفلسفة "الهوبزية" المتسلطة التي تخرج أنماطاً من البشر ذات سلوك -على أحسن الأحوال- غير فعال وعلى أسوأ الأحوال متمردة على سلطة القرار المفروض . هذا النوع من القرار نجده قد استفرغ كل شخصيته السلطوية في مؤسساتنا العربية فتحولت كل منظمة- رسمية كانت أو غير رسمية-إلى حقل تجارب لهذا النمط من صناعة القرار، وكذا تناثرت أشلاؤه على بنيان المجتمعات حتى وصلت إلى البوابة الأولى للمجتمع المسلم وللأسرة التي غدت -الا فيما ندر-قهرية وسلطوية على رقاب أبنائها يفكر الآباء عنهم خيارات حياتهم، ويقررون عنهم تفاصيل آمالهم دون أن يتاح لهم فرص التعود على نمط الشورى في المجتمع عبر إتاحة نافدة لشورى الأسرة المسلمة! كل ذلك شكل في المحصلة جيلا تواقاً للانعتاق من هذه المتوالية القمعية التي تخنقهم في دوائر متشابكة لا يفصلها فاصل .
والآن وقد توسعت مدارك الإنسان و تأكد ـ حتى السياسي ـ بأن كل ما جرب كان سبباً في إعطاء الانهيار سمة مركبة، كان علينا أن نقف جميعاً لنواجه الحدث فأمريكا تريد أن تتحكم في رؤوسنا و شخصيتنا وملامح عقول أبنائنا، وشكل بناتنا، ومكاسب تاريخنا؛ و من هنا فعلى المصلحين أن يخترقوا الجدار في اتجاهين وفي تواز وبمستوى متقارب من الجهد، واحد باتجاه يراد منه بث الوعي في المجتمعات ، وباتجاه آخر يراد منه فتح باب الحوار بكل وسيلة ممكنة لفرض نمط من التغيير في سلوك القرار السياسي، وبنية تركيبه، وإعادة صياغته اسلامياً ، مع الاعتبار بأن هذه المعركة تبارزنا فيها الامبراطورية الأمريكية التي تسعى في هذه الأيام إلى كوننة نمطها السياسي ليسهل لها قيادة الركب بشكل كامل عبر توالي قصفها السياسي والعسكري على المنطقة؛ فلم يبق في العالم الضعيف من يجرؤ على التحدث إلا المسلمون ورغم أنهم في ذيل العالم هذه الأيام إلا أن دينهم وبقيته المستمسكة أبى الله عليهم إلا أن يكونوا أصحاب مشروع يخيف أعتى الامبراطوريات العالمية سطوة في التاريخ !!
إن أكثر ما يدفع تفاؤلنا للاعتقاد بتناسب أرضية الزمن الحالي لإعطاء هذه اللحمة المأمولة شكلاً ملموساً هو هذا التحول المفصلي في تاريخ الغرب مع العالم الإسلامي ، إذ نشهد اقتحاماً لكل خصوصياتنا في عملية وقحة أقل ما يقال عنها: إنها استخفاف بهذه الشعوب وتاريخها ! وهذه هي الحال فكلنا على نفس القارب وعلينا جميعاً أن نكون على قدر المسؤولية... وبهذا فإننا ندعو قوى الوعي وأرباب القرار، وعلماء الأمة ومفكريها على حد سواء إلى العودة لهذا الدين الذي تجاهلناه كثيراً في شؤوننا، وأن نفتح أبواب الحوار الصادق لنحدد مسار تلك العودة، فالحالة التي نمر بها أكبر من أن يسكت عنها مخلص أو أن يمررها ناصح ، فمجرد الانصياع (لروشتة) العلاج الأمريكي سيؤدي إلى اقتتال وفتنة داخلية أتاحت وستتيح فرصاً أوسع لتشكيل العالم الإسلامي ومناطق قواه أمريكياً ، فالإرهاب "المزعوم" لم يكن سببه مناهج تعليمية دينية بل العكس هو الصحيح فإن أهم أسبابه هو غياب المناهج الإسلامية في أغلب دول العالم الإسلامي التي ترشد سلوك الشباب، إضافة إلى ذلك غياب قوى الحرية في مقابل تحرر قوى القمع.إننا نربأ بأمتنا أن تفتح ذراعيها لمثل هذه التوجهات ونعلم تمام العلم أن الحضارة لا ترتقي على أكتاف القهر أو بشعار(( نحن فقط من يملك الحق )) فالغرب يتجه بسرعة مذهلة للاستغراق في الماديات القاتلة حتى أعلن كثير من مفكريه أن الإسلام هو المخرج الوحيد لاعادة التوازن إلى العالم، ولا غرو فنحن نملك المفتاح ولكننا لم نعره بالاً بعد!! فهل يفتح القرار يديه للفكر ، وهل يقبل الفهم أن يرشد الأداء ؟! ... نعم كل ذلك ممكن لو أعلنت الأمة رغبتها الصادقة الموسومة بالعمل في العودة، ولو قررت تفريغ مفكريها لبحث التاريخ ونبش كل مكنوناته لنعرف أين كنا؟ ولماذا أصبحنا وما هو المخرج ؟؟
من هذا المنطلق وعبر هذه المعرفة فليس أمام العقل السياسي وأهل العلم والفهم إلا أن يتكاتفوا أكثر من أي وقت مضى، وأن يفتحوا بوابة طالما أغلقت ... بوابة فتحها العالم الغربي باتجاه أبنائه فاستطاعوا الانطلاق؛ لأن عقولهم حية تنبض كل دقيقة ولا أدل على ذلك من وجود أكثر من أربعين ألف خلية أو وحدة فكرية في أمريكا كل خلية تضم مجموعة من المفكرين المنشغلين بقضية بعينها بحثاً واستقصاءً ودراسةً ... إنهم يستخدمون الفهم لتحديد خططهم وخطواتهم ، فكم مركز بحثياً يوجد في هذه الأمة ؟ وهل فعل القرار السياسي بنتائج تلك المراكز الاسلامية البحثية على قلتها ؟ إننا أمام معضلة داخلية أهم ما يجب علينا فيها أن نلغي الذاتية وأن نحل مكانها الأمة بمجموعها.
بهذا الفهم ستعز الأمة، وسيدوي في العالم صدى حضارتنا، فلامجال أمام الذاتية إلا في الانحسار إزاء ركب الأمة المسلمة .
واخيراً فالحل لن يكون بقرار ... بل بفكر إسلامي حر يحمل على يديه العقيدة
ولا يجب على هذه الأمة مهما احلولك الظلام أن تنسى أننا عباد رب... لاعباد غرب!!

|1|2|

إرسال إلى صديق طباعة أضف تعليق حفظ
Bookmark and Share
 بحث متقدم

أضف تعليقك
الاسم
التعليق
أدخل ارقام الصورة   أنقر هنا لتغيير الرقم