كم يتمنى أهل التوحيد والإيمان لو يُجِلُّون الله حقَّ الإِجلال، ويقدرونه سبحانه حق التقدير؛ لأنهم إن فعلوا ذلك فازوا وحازوا الخيرات والدرجات، وهذا من العبيد حقٌّ للرب عليهم، ومهما فعلوا فلن يقدروا الله سبحانه وتعالى حق قدره (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). [الزمر: 67]، وأنّى لهم ذلك وكلُّ ما هم فيه فضلُه وكرمُه سبحانه وتعالى؛ بل إنهم إن فعلوا ما أُمروا به فأَجلُّوا الله وقَدَرُوه حق قدره؛ فهذه مِنَّةٌ منه؛ فأنت في منن متلاحقة متواترة؛ لذا عليك أن تعمل وتستحضرَ التقصير، والله كريم يرضى بالقليل من العمل مع الإخلاص.
قد يبتغي الموفقون العمل الذي يُجلُّون به اللهَ تعالى، وهذا أمر لا يكاد يُحدّ أو يُحصر، ولكنَّ الله -سبحانه وتعالى- رحمةً بعباده وتيسيراً عليهم أوقف عباده على بعض العمل على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبر أنهم إن فعلوا تلك الأمور حقّقوا بعضاً من إجلال الله سبحانه وتعالى، فمن ذلك احترامُ كبار السن وتقديرهم وتوقيرهم ورعايتهم، كذلك معرفة الفضل لحفظة القرآن الكريم العاملين به، ولم يكونوا من أهل الغلو فيه أو الجفاء، وكذلك الإمام العادل المسلم القائم بما قلد من أمانة خير قيام، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط».
كثيرة دعاوى الناس وأمنياتهم في تحقيق إجلال الله، ولكن تنقص تلك الدعاوى البيّنات، التي تجعل تلك الدعاوى في رحاب الصدق أو الكذب، وهذا الحديث يوقف الفريقين على حقيقة بواطنهم؛ إن صدقاً وإن كذباً، وكم تتباين حقائق الناس تجاه هذه الأمور الثلاثة تبايناً كبيراً، وحقيقة ذلك جلية لكل أحد لا تحتاج إلى برهان.
قلّب النظر لترى كيف يتعامل الناس مع كبار السن؟ وكيف هي منزلة حملة الكتاب العزيز بينهم؟ وما موقفهم من حكامهم عندما يُذكرون عندهم في مجالسهم ومنتدياتهم؟ لا ريب أنك واقف على عَوَارٍ كبير وخطل عظيم؛ لقد فرَّط الناس في هذه الأمور، وانتجعوا خللاً لا يُسدّ، مع أنها من الأهمية بمكان؛ لذا جعل الله المحافظة على رسومها من إجلال الله سبحانه وتعالى وتعظيمه؛ فبإجلال الكبير المسن حِفْظٌ لبناء المجتمع، وإشاعةٌ لروح التراحم والتكاتف بين أفراده، وجعلُ أفراده لحمةً واحدة، وبرعاية أهل الكتاب العزيز وحفظتِه يُصان جناب الدين، وتُحمى حوزته؛ فمن أجلَّ أهل الكتاب لا ريب أنه للكتاب أكثرُ صيانة ورعاية، ولمعالم الدين وشرائعه أكثرُ إجلالاً، وبالالتفات لإمام المسلمين وقائدهم ومحبته ومعرفة حقه، وتلمس المعاذير له والدعاء له؛ نراعي جانب سياسة الدولة، ونبني الولاء للأمة، ونغرس المواطنة في القلوب والنفوس، وبهذا تكون للمسلمين شوكة.
فمن راعى هذه الأمور الثلاثة وما كان على وزنها من قيم، لا ريب أنه خطا خطوة نحو إجلال الله سبحانه وتعالى، فتعالوا بنا نفتش عن خبايا هذه الأمور في النفوس، وهل هي على نهج قويم نحوها أم أنها قد تنكّبت السبيل تجاهها؟
فكبير السن لك أو لغيرك بات يشكو الغربة بين أبنائه وأحفاده، فقد تغيرَّت عليه الدنيا برحابها؛ فقد ودّع قريباً، وودّع حبيباً، وفارق زوجاً أنيساً؛ فلم يعد ثَمَّ من يحفل به أو يقيم له وزناً، فهو يُعدُّ في عُرف من يختلط بهم أو يلتفون حوله من بقايا الحقبة البائدة ذاتِ الأفكار النخرة، وكم يتمنى لو لحق بمن تقدمه في ظل هذا التهميش وذلك الإقصاء المقيت، قد يكون هذا حقيقة وقد يكون وهماً منه، والواقع يصدقه أو يكذِّبُه، والمجتمع كفيل بتحقيق ذلك أو استبداله بواقع خيرٍ منه، وكُلُّ ذلك يكون بتحقيق الإكرام والتقدير لهذا الكبير المسن؛ وتكون البداية بإعادة الثقة لنفس هذا المسن بإشراكه في تداعيات الحِرَاك الاجتماعي، وذلك برد المشورة له، والاستنارة برأيه، والأخذ به، ولا بد أن تعاقب الأيام والليالي عليه حمَّله التجارب، وأكسبه الخبرة، وأوثقه بالحكمة، فهو ينطلق في قوله وفعله عن قدم راسخة عارفة بموطئها، وفي الأخذ بها ضَمانة عن الزيغ والخلل، ولو تقدمنا قليلاً واحتفلنا بذي الشيبة المسلم؛ فقُدِّم في المجالس وجُعل في صدرها، وكُفِيَ مؤونة السلام بأن يتوجه جميع من في المجلس للسلام عليه صغاراً وكباراً وقُبِّل رأسه، وأُسمع من التبجيل والتكريم ما هو جدير به، وأُديرت الحوارات التي تناسب عقليته وفهمه، لا ريب أننا ننتزع من ذلك الشيخ المسن بعض نفوره، ونحقق له بعض الثقة في المجتمع وأهله، وليس هذا بكافٍ، بل لا بد من تفعيل بعض الخدمات التي تَحُدُّ من العنت الذي ربما واجهه كبار السن في مراجعاتهم في الدوائر الحكومية؛ فكثيراً ما يلحق المسنَ العنتُ والمشقةُ عندما يراجع دائرة من الدوائر الحكومية؛ إذ تتقاذفه توجيهات الموظفين، فتسلمه تلك التوجيهات للسآمة والنصب، ولو أحسنا لجعلنا في كل دائرة حكومية صالة تنعم بالراحة لكبار السن، وزُوّدت بالموظفين ذوي الخلق الحسن والحلم، وجعلنا مهمتهم إنهاءَ حوائج كبار الأسنان، لا ريب أننا إن فعلنا ذلك سننّا سنة حسنة لنا أجرها ما عُمِلَ بها، ولحقّقنا إجلال الله في أنفسنا وامتثلنا وصايا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهنا لا بد أن ندرك أننا لو فعلنا ذلك فإننا إنما نمهد لأنفسنا؛ فما نفعله لكبار السن منا سيُفعل بنا إن أطال الله في أعمارنا وعداً حقاً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أكرم شاب شيخاً لسنّه إلاّ قَيَّض اللهُ له من يُكرِمُه عند كبر سنّه» الحديث رواه الترمذي. وهنا لفتة لطيفة كفيلة بالأخذ بمعاقد العزم عندك؛ لتحقيق الإكرام لكل شيخ مسلم، وهي أنك عندما تتوجه لهذا الشيخ الكبير المسن تذكر أنه قد عفَّر الجبين لله قبلك بقدر السنين التي قضاها في دنياه، وهذه السنون لها ميزان عظيم عند ربِّها، فقد ورد: أن أخوين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم: أحدهما استشهد، والآخر مات بعده بشهر أو شهرين أو نحوٍ من ذلك، فرأى رجل رؤيا منام أن الذي مات متأخراً مرتبته في الجنان أعلى من مراتب الشهيد، فتعجب غاية العجب؛ إذ كيف يكون الميت أعلى من الشهيد؟ فذهب يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسبب في ذلك، وهو أن الثاني عُمِّر بعد الأول شهراً أو شهرين فصلى؛ فارتفع بتلك الصلاة عن درجة صاحبه. فكيف بمن صلَّى قبلك عقوداً متعاقبة.
وعندما يكون المسن أبا أو أماً؛ فلا ريب أن الخطب أكبر، وحقهما لجلائه لا يخفى؛ وإن كان ثمَّ أمر مهم يجدر بي أن أجعلكم على بينة منه، فهو أن كثيراً من الأبناء ربما أطلق على أمه العجوز وعلى الأب الشايب، وربما قال غير ذلك، ولا ريب أن هذا خلاف إطلاقات القرآن الكريم؛ إذ وسمهما بالوالدين،(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً). [النساء: 7] (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً). [الإسراء: 23]، وربما تطرف بعض الناس فوسمهما بألفاظ تنبو عنها الأذواق، وهذا ولا ريب مناف للبر، وناظم لقائله في سلك العقوق، نسأل الله السلامة والعافية، بل إن وسم الأب باسمه الصريح، ومناداتِه به أو بكنيته شعبة من العقوق.
والإنسان أي إنسان قد يشرف لشرف ما يحمله من مضامين ورؤى، ولا أشرف ولا أعظم من الكتاب العزيز وما شرَّعه من عقائد وأحكام، وهي من الله بمنزلة عليا، وبقدر احتوائها حفظاً يكون القرب من الله، لذا يستحق من انتظمها الحفاوة والتكريم، وكان حقاً على من عرف لهما ذلك أن يجلهما لمكانة الكتاب العزيز منهما، ولا عجب فأهل القرآن هم أهل الله وخاصّته، وأهل القرآن هم خيرة الله من خلقه، وحافظ القرآن حوى النبوة بين جنبيه إلاّ أنه لا يُوحى إليه، ولكن ليس كل حافظ للكتاب المقدس جدير بهذه التكريم، إنما هو من لم يكن غالياً مبتدعاً فيه، قائلاً فيه بلا علم، أو جافياً مفارقاً لحكمه وأحكامه، بل سلك معه هدي السلف اهتداء واقتداء، عند ذلك يكون لمن حمل الكتاب الإجلال والتكريم.
وإجلال الحافظ للكتاب الكريم الحامل له، العامل بمحكمه، المؤمن بمتشابهه، يكون بتقديمه في الإمامة، «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وتقديمِه كذلك في المجالس والمحافل، وتصديرِه فيها، وقضاءِ حوائجه إن كان له حاجة، ورفعِ المشقة عنه إن عرضت له، وإن ألمت به فاقة سدت فاقته وكشفت، والعثرة منه تُقال إن بدت، وجماع القول كل أمر فيه تكريم وإجلال ورفعة معنوية أو حسية؛ فالحافظ لكتاب الله الكريم جدير به وحقيق.
وإذا تجاوزنا ذلك إلى الثالث من أهل كرامة الله وإجلاله، فهو الإمام العادل، وهو الحاكم القوي الذي يجمع القلوب، وينصر كلَّ مظلوم من ظالمه، فهو ظل الله في الأرض يأوي إليه كلُّ محروم ومضطهد، والعدل هو الذي يولد محبة الولاة في القلوب ويسكنهم منها السويداء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم». الحديث رواه الحاكم، والإمام العادل مسؤول أمام الله عن حفظ الدين؛ فهو راع ومسؤول عن رعيته.
ولا ريب أن هؤلاء الأئمة سيسألهم الله عما استرعاهم إياه؛ فإن هم حفظوا دين الله ونشروا العدل والأمان كانوا برحمة الله جديرين، حيث يكونون فى ظلِّ الرحمن يوم لا ظل إلاّ ظله، ويكونون على منابر من نور. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا».
وفى الدنيا نحن مأمورون بطاعة الإمام العادل، فتكون طاعته من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله، وكذلك نحن مأمورون بإجلالهم وتقديرهم، وذلك من إجلال الله، وعدم الخوض في أعراضهم، فأين الأمة عن هذا التوجيه وهذا الهدي القويم؛ فلطالما كانت أعراض الحكام والولاة مرتعاً يرتع فيه كل راغب بحق أو بغير حق، ولو تفكّروا لنزعوا عن هذا المرتع الوخيم العواقب في الدنيا والآخرة؛ ففضل الحكام عظيم ومنزلتهم جليلة، وهم إن بدا منهم شيء فهم بشر؛ فربما كان عن اجتهاد، واجتهادهم مغفور. وما أحسن أن تلتمس الأمة لولاتها المعاذير، وأجمل من ذلك المناصحة لهم، وهم إن علموا صواب النصيح وصدق الناصح قبلوا بل وأكرموا، وما أحسن قول القائل: ذنوب الملوك كالجبال، وحسناتهم كالليل؛ وإذ جن الليل تلاشت تلك الجبال، وأنت ولا ريب واقف على صدق هذا المثل؛ فأنت ترى الجبال وعظمتها؛ فلا تكاد تخفى معالمها على أحد، والتفت إلى هذه الجبال ليلاً لا ريب أن الظلام قد أخفاها وحجب رسومها، فبالحكام تُقام الشعائر، وتُحفظ الحدود، ويُرفع الظلم، ومنزلة ذلك من الله عظيمة.