يخطئ من يظن أن علماء الإسلام وحدهم الذين نصروا الإسلام أو كانوا سبباً في نهضته. كانوا فعلاً جنوداً في العلم، يفتون الناس في مسائلهم وقضاياهم، ويقوِّمون مسيرة الدولة وينصحون الحاكم، ويضبطون كل تعاملات المجتمع وتصرفاته على ضوء الشريعة.
نذكر مواقف سعيد بن جبير أمام الحجاج، ونصائح الحسن البصري لعمر بن عبد العزيز، ومؤلفات مالك والشافعي وابن حنبل، وزهد إبراهيم بن أدهم والحارث المحاسبي، وإقراء عاصم وحمزة والكسائي ونافع للقرآن الكريم، وتحديث البخاري ومسلم، ومناظرات الغزالي وابن تيمية،
وهل كانت هزيمة جيش مسيلمة في تهامة إلاّ ببطولات قُرّاء القرآن؟ وهل كان اندحار المعتزلة إلاّ بموقف الإمام أحمد؟ وهل كان فتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح إلاّ بتربية العالمين: أحمد الكوراني الذي كان لا يخاف في الله لومة لائم، فربّى الفاتح على الشجاعة والصدق، ومحمد بن حمزة الروحي آق شمس الدين الذي كان يحثه على الجهاد وتحقيق البشارة النبوية. كان الشيخ شمس الدين يوحي دوماً لمحمد منذ صغره بأنه الأمير المقصود بالحديث النبوي: "لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش'، حتى تشبّع فكر محمد على أنه المعني بهذا الحديث، واستدعى الفاتح يوماً، ثم قام بضربه ضرباً شديداً بلا سبب، وبكى الفاتح بشدة، وظل يتذكر تلك الواقعة حتى لما تولى السلطنة أيام أبيه مراد استدعى شيخه آق شمس الدين، وسأله بغضب شديد: 'لما ضربتني يوم كذا، ولم أكن قد فعلت ما أستحق عليه الضرب؟' فقال له شيخه: 'أردت أن أعلمك كيف يكون طعم الظلم، وكيف ينام المظلوم حتى إذا وليت الأمر لا تظلم أحداً'.
وعندما أراد الفاتح بعد فتح القسطنطينية أن يعتزل، ويتفرغ للعبادة سأل الشيخ آق، فقال له الشيخ: 'إنك إذا دخلت الخلوة تجد لذة تسقط عندها السلطنة من عينيك، فتختل أمورها، وما أنت فيه أفضل من دخولك للخلوة والتعبد'.
وهل ينجح المصلح إلاّ بذلك العلم؟
ذلك كان دور العلماء في حضارة الإسلام، ولكنه ليس الدور الوحيد، بل كان هناك أعضاء آخرون في المجتمع يبنون حضارته ويشيدون انتصاراته،
كان في المجتمع الشاعر المبدع الذي يدافع عن الإسلام ورسول الإسلام، ويبين محاسنه، ويفضح الكفر والفسوق ويبين مثالبه، وينصر المجاهدين، ويقوي العزائم، ويفضح الظالمين، ولا يخفى علينا شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك، والعباس بن مرداس في تثبيت الإسلام، قال حسان:
فما نخشى بحول اللهِ قوماً * وإن كثروا وأجمعتِ الزحوفُ
إذا ما ألّبوا جمعاً علينــــا * كفانا حدَّهم ربٌّ رؤوفُ
سمونا يوم بدرٍ بالعوالـي * سراعاً ما تضعضعُنا الحتوفُ
فلم ترَ عصبة في الناس أنكى * لمن عادوا إذا لقحت كشوفُ
لقيناهم بها لما سمونــا * ونحنُ عصابــــةٌ وهم ألوفُ
وبعدهم أمم كمحمد إقبال، وهاشم الرفاعي، ومحمود غنيم وأحمد محرم، ومحمد عاكف، والعشماوي.
وهل ينجح المصلح إلاّ بتلك الحماسات؟
وكان في المجتمع الواعظ الذي يرقق القلوبَ بالآثار الزهدية، ويساهم في صفاء القلوب وتطهير النفوس، وكثير منا يعرف أشعار أبي العتاهية، ورقائق ابن أبي الدنيا، ومواعظ ابن الجوزي، قال أبو العتاهية:
لعَمْرُكَ، ما الدّنيا بدارِ بَقَاءِ؛..... كَفَاكَ بدارِ المَوْتِ دارَ فَنَاءِ
فلا تَعشَقِِ الدّنْيا، أُخيَّ فإنّما يُرَى عاشِقُ الدُّنيَا بجُهْدِ بَلاَءِ
حَلاَوَتُهَا ممزَوجَةٌ بمرارةٍ ..... ورَاحتُهَا ممزوجَة ٌ بِعَناءِ
فَلا تَمشِ يَوْماً في ثِيابِ مَخيلَةٍ ..... فإنَّكَ من طينٍ خُلقتَ ومَاءِ
لََقََلّ امرُؤٌ تَلقاهُ لله شاكِراً؛ ..... وقلَّ امرؤٌ يرضَى لهُ بقضَاءِ
ومَا الدهرُ يوماً واحداً في اختِلاَفِهِ ..... ومَا كُلُّ أيامِ الفتى بسَوَاءِ
وما كلّ ما لم أرْجُ أُحرَمُ نَفْعَهُ؛ ..... وما كلُّ ما أرْجوهُ أهلُ رَجاءِ
أزُورُ قبورَ المترفينَ فَلا أرَى... بَهاءً وكانوا، قَبلُ،أهلَ بهاءِ
وكلُّ زَمانٍ واصِلٌ بصَريمَةٍ ..... وكلُّ زَمانٍ مُلطَفٌ بجَفَاءِ
يعِزُّ دفاعُ الموتِ عن كُلِّ حيلةٍ..... ويَعْيَا بداءِ المَوْتِ كلُّ دَواءِ
ونفسُ الفَتَى مسرورَة ٌ بنمائِهَا ..... وللنقْصِ تنْمُو كُلُّ ذاتِ نمَاءِ
وكم من مُفدًّى ماتَ لم يَرَ أهْلَهُ... حَبَوْهُ ولا جادُوا لهُ بفِداءِ
أمامَكَ، يا نَوْمانُ، دارُ سَعادَةٍ .... يَدومُ البَقَا فيها، ودارُ شَقاءِ
خُلقتَ لإحدى الغايَتينِ، فلا تنمْ، ...وكُنْ بينَ خوفٍ منهُمَا ورَجَاءِ
وقال ابن الجوزي: إخواني: لو تَفكَّرت النُّفُوسُ فِيمَا بَينَ يَدَيهَا وَتَذَكَّرَت حِسَابهَا فيما لها وعليها؛ لبعث حزنها بريد دمها إليها، أما يحق البُكاء لمن طالَ عِصيانهُ، نهاره في المعاصي، وقد طال خُسرانه، وليله في الخطايا فقد خفَّ ميزانه، وبين يديه الموت الشديد فيه من العذاب ألوانه؟!
وقال: إخواني تفكروا في الحشر والمعاد، وتذكروا حين تقوم الأشهاد، إن في القيامة لحسرات، وإن في الحشر لزفرات، وإن عند الصراط لعثرات، وإن عند الميزان لعبرات، وإن الظلم يومئذ ظلمات، والكتب تحوي حتى النظرات، وإن الحسرة العظمى عند السيئات، فريق في الجنة يرتقون في الدرجات وفريق في السعير يهبطون الدركات، وما بينك وبين هذا إلاَّ أن يُقال: فلان مات وتقول: رَبِّ ارجعوني فيُقال: فات ..
وهل ينجح المصلح إلاّ بهذه المواعظ؟
وكان في المجتمع المرأة المربية التي تبني الأجيال، وتؤسس التقوى، وتعين الأب على التربية الصالحة، ومثال ذلك: أم الإمام الشافعي الذي كان يتيم الأب و فقيراً أيضاً..و لم تكن أمه تملك المال الكثير لتعلمه مثل أبناء الأغنياء..فكان معلم الأمام الشافعي يتركه و يعلم أبناء الأغنياء ..و كان عمره أربع سنوات آنذاك فذهب الإمام لأمه يشكو حاله.. فقالت له: يا بني عندما يذهب أستاذك ليعلم أبناء الأغنياء اذهب أنت و اجلس بجانب أحدهم كالغلام، و لا تضايقه، ولا تشعره أنك تتطفل عليه، قال: ففعلتُ كما أمرتني أمي..
حتى أصبحت أدرّس أبناء الأغنياء في حال غياب المعلم..
والأمام الشافعي من شدة فقره لم يكن يملك الورق ليكتب عليه ذهب إلى أمه أيضاً يشتكي..فقالت له: لا عليك يا بني.. وذهبت به إلى ديوان الملك حيث يقوم المدون بكتابة ما يريد ثم يرمي الورق.. فكانت تأخذ الورق المرمي و تحضره لابنها ليكتب عليه من الخلف.. و قد كانت أمه يتصدق عليها الأغنياء فتطلب أن يتصدقوا عليها بالورق فلم تكن تكفيه.. فذهبت به أمه إلى مكان ذبح الغنم، و تأخذ عظم الغنم، و تجففه ليكتب عليه، و كان الإمام الشافعي يحمل العظم على كتفه، و يذهب إلى المدرسة وهو ابن السابعة..
وكانت حريصة أن يكون ابنها حافظاً للقرآن الكريم.. و الحديث و التفسير.. فكانت تسافر به إلى أي مكان تجد فيه هذا العلم.. حتى إنها رهنت منزلها.. لتغطية مصاريف السفر و الدراسة.. و بهذا حفظ الإمام الشافعي القرآن كاملاً في السابعة من عمره، و حفظ الحديث و التفسير و عمره ثلاث عشرة سنة.
وهل ينجح المصلح إلاّ بتلك التربية؟
وكان في المجتمع التاجر الباذل الذي يعدّ المجاهدين، ويكفل الأيتام والأرامل، ويفكّ الأسرى، ويقيم المشاريع الخيرية، وكلنا يعرف إنفاق أبي بكر وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، والذي لا نعرفه إنفاق ابن المبارك الإمام الفقيه العابد الزاهد المجاهد الذي قال فيه ابن المديني: انتهى العلم إلى رجلين: ابن المبارك، ثم ابن معين. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خلف ابن المبارك بالمشرق مثله. كان يُؤتى ببعيرين محملين دجاجاً مشوياً لسفرته. وكان يصحب معه في طلب العلم صانعاً للحلوى خاصاً لطلاب العلم، وكان غنياً شاكراً.
والليث بن سعد إمام مصر قال فيه الشافعي: الليث أفقه من مالك. كان الليث إذا رحل في البحر كانت له ثلاث سفن: له ولأضيافه، وسفينة لعياله، وسفينة لخدمه. وكان يضع الدنانير في الحلوى لأصحابه يرغبهم ويغنيهم، وأرسل إليه مالك طبقاً في تمر، فرد الطبق بألف دينار. وكان يلبس لباس الملوك.