إن الواجب على إعلام للمسلمين -في الوضع الراهن للأمة- أن يستهدف بثّ ثقافة سُنَنِيّة (ثقافة بالسنن الربانيّة) حتى تكون مواقفنا ورؤانا قائمة على أسس منهجية ومعارف يقينية، وأن يهتم بالتعامل مع الأحداث والأشياء والنفوس والمجتمعات؛ وفق الطبائع التي فطرها الله عليها، ثم يعمل على ربط ذلك كله بالسنن والنواميس والقوانين التي تحكم الكون.
إن نشر المعلومات والأخبار وبثّهما ليس لذاتهما، وإنما لربط الواقع بالسنن الكونية، وإصلاحه من خلال الحكم اليقينيّ الثابت الذي يكشفه الارتباط بالسنن، بل إن من واجبات إعلام المسلمين أن يخفّف من جرعات المعلومات والأخبار التي لا تحقّق تقدماً نحو "الثقافة السُنَنِيّة"، كما يُتجنَّب بثّ المعلومات والأخبار التي لم تُمحَّص، ولم يتضح مستوى صدقها. لكن الواقع يشهد عكس ذلك؛ إذ غالباً ما تُحجب الأخبار والمعلومات التي تشدّ الجمهور نحو فهم واقعيّ لسنن الله الثابتة، كما هو الحال في التعامل مع أحداث دار العزة والشرفاء "غزة المجاهدة".
إن الهدف الحقيقي لإعلام المسلمين أن يُعين الناس على اتخاذ مواقف صحيحة حيال ما يدور في محيطهم، وتكون هذه المواقف إيمانية يُبتغى بها الثواب من الله، ولن يتحقق ذلك إلاّ إذا كانت مادته نتجت عن رؤية صريحة للحق، وطلب صادق لاتّباعه، ورغبة في تحويله إلى سلوك فعليّ في الواقع، ويقدم ذلك خلاصة لمنهجية علمية يستخدمها، فتعطي كل شيء قيمته الحقيقية التي يستحقها؛ لأنه ينطلق من الطبائع الفطرية للأشياء، ومن السنن الثابتة في الكون.
في إعلام المسلمين يُفتَرض أن يُجمع شتات المعلومات والمعطيات والظواهر بأصولها الثابتة، حتى يتم توعية الناس بها، ومساعدتهم على إدراكها، وفهم الواقع بمنهجية علمية، وتحليل منطقيّ؛ فليست قيمة الإعلام في متابعة الوقائع والأحداث اليومية، وإنما قيمته في امتلاك القدرة على كشف ما تضمره هذه الوقائع وبيان رمزياتها ودلالاتها؛ لأن التعامل الواعي والرشيد مع الوقائع يتطلب هذا الفهم الذي يتوجه إلى التجميع والربط مع السنن الكونية الثابتة، الماضية، العامة، إيماناً بأنها لا تتبدّل ولا تتحول (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً). [فاطر: من الآية43].
كما أن من الواجب على إعلام المسلمين أن يؤدي دوره لتستقيم الحياة في المجتمع المسلم، وفي الأرض جميعاً، وهذا جزء من واجبه في سنة المدافعة (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).[البقرة: من الآية 251].
إن الوضعية الوحيدة التي يستطيع إعلام المسلمين من خلالها التعامل مع أمزجة الناس وأفهامهم وأهوائهم ومصالحهم المتباينة والمتصادمة؛ أن ينطلق من السنن الربانية لفهم ما يجري، ثم يُقدّم مادّته لربط الواقع والجمهور بهذه السنن، وذلك لما يمتلكه -في هذه الوضعية فقط- من التوافق مع الفِطَر السليمة.
يجب أن يكون إعلام المسلمين معبّراً صادقاً عن قِيَمهم التي يمليها عليهم دينهم، حتى يعمل على الحد من اندفاع الشر وانتشاره من خلال الوقوف مع الخير وأهله، و يجب أن يستعين بالعادلين والمنصفين لكشف الظالمين وبيان سبل إيقافهم عن جَوْرهم، ويزيّن الحسن، ويقبّح القبيح، معتمداً على الكتاب والسنة، المصدر الذي لا يتأثر بالمزاجية أو الهوى أو المصالح، والرسالة الربانية الخالدة، العامة لكل البشرية.
إن الإعلام المعبّر عنا -في هذه المرحلة تحديداً- يجب أن تكون لغته "لغة انتصار" ممزوجة بالعزة والكرامة؛ فنصرنا يعني ثباتنا على ديننا، بغض النظر عمّا نملكه من العدد والعدة، وأن يقدم للأمة حقيقة ما يلاقيه أعداء الإسلام من أسنة وألسنة أصحاب الحق، و هو إعلام مستقل راقي الكلمة، لغته التذلّل للمؤمنين والاعتزاز على الكافرين، وإعلام همّه إرضاء رب الناس وإعانة الناس على إرضائه، وإعلام مشغول يحرّكه الحمى والسهر لقضايا المسلمين.
إذا حالت المصالح والقوى الضاغطة بين إعلام المسلمين وبلوغ هذه الغاية، فهذا لا يعني أن يبقى المتلقّي سلبياً أمام مادة هذا الإعلام؛ لأن ذلك لن يُعفيه من السؤال والجواب أمام الله، خاصة في ظل وجود مصادر موثوقة تقدم المعلومة والتحليل الراقي للأحداث، مع تفسير إسلامي لما يجري، والأهم من ذلك انفضاح السياسات التي تحرّك الإعلام العربي، والتي تتجسّد في سياسة (عدم إثارة الناس على "الحكومات المغلوبة على أمرها"!).